كتابات فكرية

حلف مكة في طهران

حلف مكة في طهران

• بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026-

تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم على صفيح ساخن من إمكانية عودة الحرب الأمريكية - الإسرائيلية من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتبين كل المؤشرات أن الأمور تسير باتجاه الحرب، لاسيما مع استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في حشد عتاد عسكري كبير وثقيل إلى الإقليم استعداداً للحرب فيما يبدو، فضلاً عن استمرارها في تزويد الجيش الإسرائيلي بمجموعة كبيرة من الأسلحة والذخائر التي تناقلتها وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، ما يوحي بأن جميع الأطراف سائرة باتجاه الحرب في القريب العاجل، وما يؤخرها سوى الانتخابات التي ستقام غداً في تل أبيب، أو ربما أن نشهد متغيرات دراماتيكية قبيل ساعات من إجرائها، إذا ما شعر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه خاسر في انتخابات يوم غد الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م. وهذه الحرب إن اندلعت ستجر إليها الولايات المتحدة الأمريكية، التي يعيش رئيسها دونالد ترامب مخاوف انتخابية أيضاً، إذ ينتظر الشعب الأمريكي انتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ يوم 3 نوفمبر القادم، والجميع يترقب ما ستسفر عنه النتائج التي من المحتمل أن يخسرها حزب الرئيس ترامب في حال توترت الأحداث وأقدمت إيران على مهاجمة الأصول الأمريكية في المنطقة، أو استهداف ناقلات النفط التي يحميها الجيش الأمريكي في مضيق هرمز، أو مهاجمة إيران لإسرائيل. وكل تلك تكهنات من شأنها أن تؤثر على الانتخابات ما لم يكن هناك تطور مفاجئ في الأحداث يقود نحو عملية اغتيال قيادات عليا إيرانية يقوم بها الجيش الأمريكي أو جهاز الموساد الإسرائيلي، ومثل تلك العمليات ستمنح الحليفين انتصاراً كبيراً وترفع حظوظهم في الفوز بالانتخابات.

والسؤال المهم في خضم تقلبات الأحداث في الإقليم: ما جدوى زيارة وفد رفيع من الدول المؤسسة لحلف مكة اليوم إلى طهران؟ وما هي الرسائل والأبعاد التي حملوها معهم لمناقشتها مع الجانب الإيراني؟
من الصعب التكهن بنتائج زيارة وفد حلف مكة المشترك للدول الأعضاء ممثلاً بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس جهاز المخابرات التركي، ورئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، إلى طهران اليوم لبحث مخرج سياسي يحفظ الأمن والاستقرار للمنطقة المهددة بالنار في أي لحظة. ورغم أن الزيارة بدت مفاجئة للجميع، إلا أنها تحمل دلالات كبيرة وثقلاً سياسياً عميقاً يمكن أن يشكل اختراقاً حاسماً في جدار المسار المغلق في المفاوضات الأمريكية – الإيرانية، ما يهدد بعودة الحرب بينهما بضراوة أكبر لتحقيق إنجاز عجزت عنه الدبلوماسية، لاسيما أن كل طرف متمسك بشروطه ويسعى إلى تحقيقها حتى وإن كانت الحرب هي الطريق الوحيد لإنجازها. إلا أن زيارة وفد حلف مكة الدفاعي بصورة جماعية، بغض النظر عن الرسالة التي يحملها للمسؤولين في إيران، تشكل اختراقاً واضحاً في ميدان الجمود السياسي الذي أصاب عملية المفاوضات والوصول إلى حلول سلمية جذرية للمشكلة ومنع تداعيات الحرب على المنطقة، بسبب تراكم الشكوك ووجود حالة من عدم الثقة بين طهران وواشنطن حالت دون إكمال المفاوضات والاتجاه نحو قرع طبول الحرب والتهديد المتبادل.
إن زيارة وفد حلف مكة المشترك من الدول المؤسسة: السعودية وباكستان وتركيا، وهي دول لها ثقلها على المستويين الإقليمي والدولي، يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في الملف الإيراني لقدرة الدول الثلاث على معالجة جميع المخاوف والشكوك التي يحملها القادة الإيرانيون في المجال الأمني، وضرورة أن يشترك الجميع في خلق مسار أمني تعمل دول الإقليم بالتشاور فيما بينها على صياغته بعيداً عن تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وتلك التوجهات والأماني التي طالما نادت بها إيران صراحة أصبحت اليوم واقعاً عملياً وفعلياً في حلف مكة الذي جسد أعضاؤه المؤسسون اليوم مبدأ الأمن الإقليمي بيد دول المنطقة. والهدف ينصب نحو منع الانزلاق إلى الحرب التي ربما تتدحرج كرتها – بقصد أو بدون قصد – لتشمل الجميع دون استثناء في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى التفاهمات وخلق مسار أمني يعالج مخاوف الجميع ويجعل مصلحة أي دولة في الإقليم مصلحة عامة للجميع. وأمام تلك الأمنيات ينتاب الجميع الشعور بالأمل وإن كان في حده الأدنى بنجاح وفد مكة في المهمة نظراً لتراكم الملفات وحساسيتها بين دول الحلف وإيران، وبين الجميع والولايات المتحدة الأمريكية.
إن التحركات السياسية الكبيرة والواسعة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بدأت بزيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والاجتماعات التي عقدها بشكل منفصل في المنامة عاصمة البحرين مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، ثم مع الجانب الإيراني في طهران، وتلاها اجتماع دول الرباعية الإقليمية: السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة إسطنبول نهاية الأسبوع الماضي، وأعقبه اجتماع كبير بين المجموعة الأوروبية E4 ممثلة ببريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، مع المجموعة الإقليمية R4 ممثلة بالسعودية ومصر وتركيا وباكستان في إسطنبول، وما صدر عنها من مناقشات لملفات الإقليم الساخنة ومحاولة إجراء مباحثات لمعالجتها في إطار حماية مصالح جميع الدول في الإقليم وأوروبا، والسعي لوضع حلول ناجعة والاتجاه نحو السلام، لأن الانزلاق نحو الحرب يهدد مصالح الجميع دون استثناء.
ويبدو أن زيارة اليوم لوفد مكة المشترك لا تخرج عن مهام الوصول إلى حلول مقبولة ترضي الجميع وتعالج المخاوف لدى إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بدخول حلف مكة كضامن حقيقي لمعالجة الملفات العالقة بين الطرفين وتجنيب المنطقة الانزلاق نحو الحرب التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها وتأثيرها على الجميع دون استثناء للخسائر المتوقعة إذا ما انجر الأطراف للتصعيد المتبادل بصورة لا تخلو من تدحرج نارها لتشمل جميع الدول الإقليمية التي ستكتوي بنارها أو سيتم جرها إلى الحرب تحت شعار “عليّ وعلى أعدائي”، بما يخدم الأعداء المتربصين بدول المنطقة حتى يسهل تحقيق الغاية التي ترغب إسرائيل في تحقيقها وهي إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتوافق مع مصالحها لا مصالح دول الإقليم التي ستنهكها الحرب المراد إشعالها.
ورغم أهمية زيارة وفد حلف مكة المشترك إلى طهران اليوم في إحداث اختراق حقيقي في الملف الإيراني، إلا أن الدور الرئيسي يبقى في يد صانع القرار في طهران لتفويت الفرصة أمام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالتعاون مع الأشقاء في حلف مكة لبلورة حلول ناجحة تضمن حقوق ومصالح الجميع دون استثناء بعيداً عن الارتهان للولايات المتحدة وإسرائيل، اليوم قبل الغد، والله من وراء القصد.

• د. بكيل الكليبي- رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:القوات المسلحة تدمر طائرتي نقل عسكرية في مطار نجران وقاعدة خالد الجوية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى