يوميات البحث عن الحرية .. حول علاقة الدولة الحديثة بالقبيلة المدجنة

يوميات البحث عن الحرية .. حول علاقة الدولة الحديثة بالقبيلة المدجنة
- عبد العزيز البغدادي
الاثنين 6 يوليو 2026-
اخرجوا القبيلة من سوق النخاسة وضعوها في قلب الوطن، هذا مدخل لاحترام الذات الوطنية واحترام القبيلة أيضاً كرافد يستوجب الدراسة الجادة والتقييم والتقويم.
والسؤال بداية الطريق:
اليس القبيلي مواطن؟
ولماذا تَقضُّ مضاجع البعض كلمة الوطن؟
أليست عنوان مبسط لعلاقة انسانية سوية بين القبيلة والمواطن؟
هل الحفاظ على القَبيَلَة تعني توقف تاريخ بناء الدولة عند محطة القبيلة؟
وهل صحيح ان القبيلة اصبحت اليوم اكثر وعيا من بعض من يحسبون على سلطات الدولة في الوعي بأهمية بناء الدولة الحديثة؟
هذه التساؤلات تحاول البحث عن علاقة سوية بين القبيلة وسلطات الدولة والمجتمع تمنع استغلالها واستخدامها في الطريق الخاطئ.
سواء من قبل بعض المشايخ الذين يتاجرون باستخدامها كأداة لإعاقة بناء دولة قوية محترمة او من الجوار السيء الذي يسعى جهده لاستغلال كل عوامل التخلف كأهم وسائل مغذية لتدخله المريض.
يقال ان احد ابرز مشايخ قبيلة بكيل ممن يتقاضون مخصصات مالية من السعودية ضمن قوام ما يعرف باللجنة الخاصة سيئة السمعة، وهي تسمية تطلق على لجنة توظفها الدولة السعودية في اعاقه بناء الدولة اليمنية، وتتكون من ضعاف نفوس من مختلف مشايخ اليمن والجهات الرسمية العسكرية والمدنية.
وهذا الشيخ لا يتردد عادة في التصريح بأنه يتقاضى من السعودية راتبا بل وواجه الرئيس نفسه بانه على راس قوام هذه اللجنة، وهذه اعجوبة لا أظن ان لها مثيل في العالم أي أن يتقاضى رئيس دولة مخصصات مالية من دولة جار معروفة بانتهاكها لسيادة بلده وتحتل ثلاثة ارباع اليمن.
يقال ان هذا الشيخ الصريح كان حاضرا لقاء لرئيس الجمهورية الاسبق نوقش فيه موضوع التنقيب على البترول في بعض مناطق الجوف وحين سأله الرئيس عن رأيه عب بشدة عن رفضه وفي رواية اخرى ان الشيخ قال للرئيس: على جثتي!!.
لست متأكدا من مدى صحة هذه الرواية، لكن المؤكد ان تهاون السلطات اليمنية في العقود الماضية فيما يتعلق بسيادة اليمن كان واضحا والدليل على ذلك تصاعد حالة التدخل السعودي في شؤون اليمن الى الدرجة التي نشهدها وما تزال مستمرة في التصعيد مرحلة يصعب ان لم يستحيل تصديقها.
لا يجوز تجهيل القبيلة وأدلجتها لان التجهيل والأدلجة يشكلا خطرا على المجتمع سواء كانت لأهداف مذهبية أو طائفية او عنصرية او وفق اي نزعة او عقيدة دينية او سياسية .
حق الانتماء الديني والمذهبي والسياسي حق فردي تضمنه دولة المواطنة المتساوية دولة القانون لكل مواطن.
هذه ليست رؤى مثالية خيالية كما يحاول البعض وصفها خدمة لتيار الادلجة الذي يعبث باليمن في ظل تراجع هم البحث عن سياسة وطنية تعليمية تسير باليمن سيرا طبيعيا نحو البناء الجاد والصادق للدولة الوطنية المنشودة التي تحقق السلام الاجتماعي وتضمن تكافؤ الفرص لجميع اليمنيين وتربط مع الجوار علاقات سليمة سلمية بلا عدوان ولا تدخل من طرف ضد الطرف الآخر.
وفي اعتقادي ان القبيلة اليمنية مظلومة من السلطة التي تسيئ استخدامها واستغلالها، وكذلك مظلومة من قبل بعض المحسوبين على الثقافة الذين يسيئون فهمها وفهم الظروف التي تحيط بها ومن ذلك فهم دور الاطراف المحلية والاقليمية التي تتلاعب بتوجيهها ضد مصلحتها التي هي جزء من مصلحة اليمن والمتمثلة اولا في التوجه الجاد نحو بناء دولة المواطنة المتساوية دولة القانون التي سنظل نطالب بها وندندن حولها الى أن تتحقق.
والسلطة الوطنية المسؤولة التي يتملكها هذا الهم وتؤدي واجبها في الدفع بالقبيلة للإسهام الفاعل في هذا المشروع اهم وسيلة لبنائه من وجهه نظري.
ومن ابرز الشخصيات التي مثلت السلطة الوطنية في مرحلة ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 القاضي عبد الرحمن الارياني الذي أدى دورا مهماً في إقناع القبائل بأهمية المشاركة في الدفاع عن الثورة والجمهورية ودعم توجه مختلف المناطق نحو ايقاظ الروح التعاونية التي يتميز بها المجتمع اليمني والقبيلة كونها جزء هام من نسيجه.
اما الشهيد ابراهيم الحمدي فقد ذهب الى مواجهة واضحة مع كل القوى التي حولت القبيلة الى وسيلة لإعاقة بناء الدولة خدمة لبعض رموز القبيلة في الداخل والمتدخل الازلي في الشأن اليمني هي (السعودية) ، ومع كل ما يفعله هذا الجار الجائر والدور السلبي الذي يلعبه الا انني على يقين تام بأنه سوف يدرك أي الجار السعودي في يوم من الايام بان تدخله في اعاقة بناء الدولة اليمنية سيكون وبالا عليه قَرب ذلك اليوم ام بعد.
الشهيد ابراهيم الحمدي ينتمي لقبيلة يمنية مهمة (عيال سريح) حاول بعض مشايخها تحويلها الى قبيلة الرئيس التي تحظى في الانظمة الاستبدادية بمزايا تميزها عن بقية القبائل وكل فئات الشعب وقواه بما يترتب على ذلك من حساسية معروفة، الا ان الشهيد الحمدي يرحمه الله بحسه الوطني رفض ذلك رفضا باتا قائلا لهم : اننا لم نسع للتخلص من مراكز القوى التي مثلها بعض المتسلطين لكي نستبدلها بمراكز قوى جديدة، خطتنا الأساسية بناء وطن للجميع فالرئيس رئيس لكل الوطن وليس لقبيلة بذاتها .
كل أبناء الشعب اليمني وكل القبائل يجب ان تشارك في بناء الوطن وان تتجه لتوسيع دائرة العمل التعاوني والاهتمام بالتعليم
وكان الشهيد الحمدي يهتم بمطالب اي شيخ او صاحب نفوذ لقبيلة ما حينما تكون مطالب عامة.
ويتجاهل ذوي المطالب الخاصة الذين يستغلون نفوذهم في الوصول اليها.
ورغم قصر فترة رئاسة الحمدي فقد شهدت الحركة التعاونية في هذه الفترة القصيرة انتعاشا واضحا، وحققت اليمن منجزات هائلة في كل المجالات، ما ألب عليه قوى الفساد في الداخل والخارج، ولهذا سرعان ما وئد الحلم الوطني باستشهاده في عملية اغتيال غادرة وحقيرة، قادها الملحق العسكري السعودي وعناصر معروفة من القوات المسلحة والامن.
وستظل هذه العملية وصمة عار في جبين كل من شارك فيها وفي اغتيال شريكه الوحدوي الاصيل والحقيقي سالم ربيع علي رئيس جمهوريه اليمن الديمقراطية الشعبية الذي كان رمزا حقيقيا صادقا لتوجه نحو وحدة خالية من ابسط صور التآمر والخداع والعمالة لأي نفوذ مريض خارجي أو داخلي.
عملية الاغتيال ثابتة في الوقائع التي بينتها مجريات الاحداث في حينه وفي تراخي السلطة عن التحقيق الجاد في القضية وعدم التحرك لكشف تفاصيل مؤامرة الاغتيال وانا للمجرم ان يسعى للكشف عما فعل.
ولكن: (كما تدين تدان)، وبشر القاتلين بالقتل.
إن السباق المحموم في تجهيل القبيلة واساءة التعامل معها وسوء استخدامها لا يجلب للوطن والمواطن سوى مزيد من الخراب والدمار لان القبيلة لا تزال مسلحة وهذه ظاهرة لم يعد لها وجود في كل دول العالم.
ويبدو ان المتدخل السعودي حريص على ابقاء هذا الحال على ما هو عليه معتقدا ان ذلك سيبقي الباب مفتوحا امامه لشراء الذمم والاستمرار في جعل اليمن مجرد حديقة خلفية له.
وهذه الظاهرة تخالف مقتضيات الحكمة اليمانية التي بنى بها اليمنيون الاوائل وطنهم وشيدوا حضارتهم تأسيسا على روح التعاون والتكاتف والمشاركة في اتخاذ القرار.
ومن اللافت أن السلطة القبلية للشيخ يستمدها تاريخيا من القبيلة لأنها من تختار الشيخ بالانتخاب، وهذا ما يؤكد ان المجتمع القبلي اليمني مجتمع ديمقراطي وهو مالم يتوسع الباحثون الاجتماعيون في دراسته وإبراز جوانبه .
ومع الاسف الشديد بدأت السلطات السياسية منذ عقود التدخل في اختيار الشيخ ليصبح عمله اشبه بالمخبر في كثير من الحالات.
هذا ما جرى ويجر في السلطات التي أعقبت مرحلة الحمدي وهو أمر خاطئ يدمر الأساس الاجتماعي للديمقراطية لب النظام الجمهوري، وقد رأينا من الأحداث المتلاحقة بروز طموحات سلطوية استبدادية تسعى بكل همة لاستئصال كلما له صلة بالديمقراطية والدولة المدنية.
تصوروا دولة تنفق الاموال الطائلة لتصنع فوضى في دولة جار وتتحدث عن أمنها، أي أنها لا تعي ما يعنيه المثل اليمني (ما أمسي في جارك أصبح في دارك.
بناء الأمن والسلام لا يتم بالتكبر والتنمر والاستعلاء على الجار وإنما بالتفاهم ومد جسور الإخاء مع الدولة الجار وليس مع قبائل ومليشيات تقبل على نفسها ان تكون عامل هدم ضد وطنها ولصالح من يعاديه ويقلل من شأنه.
هو الله حقٌ مشيئته العدل
ما سواه افتراء
اقرأ أيضا: العصبية القبلية بقلم المفكر والاديب الكبير القاسم بن علي الوزير



