كتابات فكرية

الإمام الحسين بن علي “عليه السلام .. قصة استشهاده في كربلاء وجزء من سيرته “الجزء الثاني”

الإمام الحسين بن علي “عليه السلام .. قصة استشهاده في كربلاء وجزء من سيرته “الجزء الثاني”

جمع واعداد: د.عبدالرحمن المؤلف

الجمعة 3 يوليو 2026-

قائد الجيش الأموي في كربلاء؟

من المعلومات التي يجهلها الكثير من المسلمين، أن قائد الجيش الأموي الذي اعترض الحسين وقتله، هو عمر بن سعد بن أبي وقاص.

وسعد بن أبي وقاص هو واحد من كبار الصحابة، والسابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة “عند أهل السنة”. كما أن له دوراً كبيراً في فتوحات المسلمين في العراق، إذ كان قائداً لجيش المسلمين في معركة القادسية.

ولعل السؤال الذي يدور في ذهن القارئ حول السبب الذي يجعل من ابن هذا الصحابي الجليل، قائداً للجيش المكلف بقتل حفيد الرسول.

الإجابة ببساطة هي المصالح الدنيوية، فالعديد من الكتب التاريخية تتحدث عن رغبة عمر بن سعد العارمة في تولي منصب أمير الرَّي. الأمر الذي استغله الأمويون وواليهم على الكوفة “عبيدالله بن زياد”.

يذكر ابن العمراني في كتابه “الأنباء في تاريخ الخلفاء” أن ابن زياد قال: “من أتاني برأس الحسين فله الري، فتقدم إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص وقال له: أيها الأمير اكتب لي عهد الري حتى أفعل ما تأمر”. وبالفعل، صدق والي الكوفة بوعده، وعيّن عمر بن سعد في منصب حاكم الري بعد مقتل الحسين، لكنه لم يهنأ بها.

وفي رواية أخرى أن عبيدالله بن زياد والي الكوفة ولّى عُمر بن سعد ولاية الرَّيْ وأرض دسْتبى، وأمره بالمسير، فخرج عمر في أربعة آلاف، فورد عليه كتاب ابن زياد يُسِّيره إلى محاربة الحسين، حتى إذا فرغ منه سار إلى ولايته، فاستعفاه، فقال له ابن زياد: إما أن تسير إلى محاربته أو ترد علينا عهدنا.

فجعل ابن سعد يتقَلْقَل ويقول:

ووالله ما أدري وإني لواقف

ومهما يكن من حادث سببينِ

أأترك مُلك الرَّي والري رغبة

أم ارجع مذموماً بقتل حسينِ

وفي قتله النار التي ليس دونها

حجاب وملك الري قرة عيني

وغلب عليه الشقاء، فسار إلى قتل الحسين ونزل بنِيْنَوى على شط الفرات.

معركة كربلاء:

 في يوم الاثنين العاشر من شهر محرم سنة 61هـ، الموافق 12 أكتوبر 680م، جرت حادثة كبرى في أرض كربلاء، التي تقع في العراق، وهي مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وجماعة من أهله وأصحابه على يد الجيش الأموي، الذي اعترض طريق الحسين ومن معه أثناء توجههم للكوفة.

تُعتبر هذه الحادثة من أهم التحولات التي جرت في التاريخ الإسلامي كله، فمقتل الحسين حفيد الرسول، وابن ابنته فاطمة الزهراء بتلك الطريقة البشعة، مثّل صدمة كبرى للمسلمين. وبات المسلمون سنة وشيعة، يستذكرون مأساة أهل بيت نبيهم، كلما حلت بهم ذكرى عاشوراء. وعلى الرغم من شهرة تلك الحادثة، وتواتر أخبارها، فإن هناك أسئلة عدة مرتبطة بها، لا تزال مجهولة عند الكثير من المسلمين.

يوم عاشوراء:

ففي يوم العاشر من محرم عبّأ عمر بن سعد رجاله وفرسانه فوضع على ميمنة الجيش عمر بن الحجاج وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس، وكانت قوات الحسين تتألف من 32 فارسا و40 راجلا وأعطى رايته أخاه العباس بن علي.

وبعد أن رأى الحسين تخاذل أهل الكوفة وتخليهم عنه، كما تخلوا من قبل عن مناصرة مسلم، وبلغ تخاذلهم أنهم أنكروا الكتب التي بعثوا بها إلى الحسين حين ذكرهم بها، فعرض على عمر بن سعد ثلاثة حلول: إما أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه، أو أن يذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام للجهاد فيه، أو أن يأتي يزيد بن معاوية في دمشق فيطلب منه الحلين الأولين، وأرسل عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام بكتاب ابن زياد، ثم كتب بجواب الحسين.

فكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد مع شمر بن ذي الجوشن بهذه الرسالة: “إني لم أبعثك لتكُفَ عن الحسين وتمنيه البقاء والعافية، فإن نزل على حكم أمير المؤمنين يزيد واستسلم فذلك، وإلاّ فاقتله وأوطئ الخيل صدره وظهره، فإن أنت أبيت فاعتزل وخلّ بين شمر وبين العسكر، فقد أمرناه بأمرنا والسلام”.

قال: وخرج ابن زياد حتى عسكر بالنخيلة وبعث الحصين بن تميم إلى عمر بن سعد وحجان بن الحر وشبث بن ربعي وشمر بن ذي الجوشن في سبعة آلاف رجل.

وكتب إلى عمر بن سعد يأمره بمنع الحسين وأصحابه الماء، فبعث ابنُ سعد ابنَ الحجاج في خمسمائة فارس حتى أحدقوا بالشريعة، وحالوا بينهم وبين الماء، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.

وناداه عبيد الله بن حصين: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة أو تموت عطشاً.

فقال الحسين: اللهم أمِتْهُ عطشاً.

قال: فوالله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر فلا يروى، ثم يعود فيشرب فلا يروى، فما زال كذلك حتى لفظ عمته.

ومع رفض الحسين للتسليم، بدأ رماة الجيش الأموي يمطرون الحسين وأصحابه الذين لا يزيدون عن 73 رجلا بوابل من السهام، وأصيب الكثير من أصحاب الحسين، ثم اشتد القتال ودارت رحى الحرب وغطى الغبار أرجاء الميدان واستمر القتال ساعة من النهار، ولما انجلى غبار المعركة، كان هناك خمسين صريعا من أصحاب الحسين. واستمرت رحى المعركة تدور في ميدان كربلاء، وأصحاب الحسين يتساقطون ويستشهدون الواحد تلو الآخر، واستمر الهجوم والزحف نحو من بقي مع الحسين، وأحاطوا بهم من جهات متعددة.

أحرق جيش يزيد خيام أصحاب الحسين، فراح من بقي من أصحاب الحسين وأهل بيته ينازلون جيش عمر بن سعد ويتساقطون الواحد تلو الآخر، وفيهم: ولده علي الأكبر، أخوته: عبد الله، عثمان، جعفر، محمد، وأبناء أخيه الحسن: أبو بكر، القاسم، الحسن المثنى، وابن أخته زينب: عون بن عبد الله بن جعفر الطيار، وآل عقيل: عبد الله بن مسلم، عبد الرحمن بن عقيل، جعفر بن عقيل، محمد بن مسلم بن عقيل، عبد الله بن عقيل.. وبقية الشهداء سنذكرهم لاحقا.

مقتل الحسين عليه السلام:

بدأت اللحظات الأخيرة من المعركة عندما ركب الحسين بن علي جواده يتقدمه أخوه العباس بن علي بن أبي طالب حامل اللواء، ولكن العباس وقع شهيداً، ولم يبقى في الميدان سوى الحسين الذي أصيب بسهم مثلث ذو ثلاث شعب؛ فاستقر السهم في قلبه، وراحت ضربات الرماح والسيوف تمطر جسد الحسين.

وحسب الرواية فإن شمر بن ذي جوشن قام بفصل رأس الحسين عن جسده باثنتي عشرة ضربة بالسيف من القفا، وكان ذلك في يوم الجمعة من عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، وله من العمر 56 سنة.

ولم ينجُ من القتل إلا علي بن الحسين السجاد، وذلك بسبب اشتداد مرضه وعدم قدرته على القتال، فحفظ نسل أبيه من بعده.

وروي أنه لما قتل الحسين عليه السلام سُمِعَ هاتفٌ في الجو يقول:

أترجو أمةٌ قَتَلت حسيناً * شفاعةَ جدّهِ يومَ الحسابِ.

وكانت نتيجة المعركة واستشهاد الحسين على هذا النحو مأساة مروعة أدمت قلوب المسلمين وغير المسلمين وهزت مشاعرهم في كل أنحاء العالم، وحركت عواطفهم نحو آل البيت، وكانت سببًا في قيام ثورات عديدة ضد الأمويين.

وقد استلهم عدد كبير من غير المسلمين، ثورة الحسين، ومنهم الزعيم الهندي الراحل غاندي صاحب المقولة المشهورة:” تعلمت من الحسين كيف اكون مظلوما فانتصر”.

قاتل الإمام الحسين؟

تختلف المصادر التاريخية بشكل كبير في تحديد اسم قاتل الحسين، لأن جماعة من الجيش الأموي اشتركت في قتله. لكن مع ذلك يبقى “شمر بن ذي الجوشن”، هو الاسم الذي تذكره معظم الروايات على أنه الشخص الذي أجهز تماماً على الحسين وقطع رأسه وفصله عن جسده.

وكل ما نعرفه عن شمر، أنه كان مصاباً بالبرص ودميم الخلقة، وأنه سارع إلى والي الكوفة مطالباً بالجوائز والذهب والفضة بعد قطعه رأس الحسين. وقد أضحى شمر نموذجاً ومثالاً للشر الكامل في العقلية الشيعية، حتى صار عذابه يوم القيامة مضرب الأمثال، فيقال “فلان أشد عذاباً من شمر”.

القبائل التي قاتلت الحسين:

بعد مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ومن معه حُملت الرؤوس إلى ابن زياد لعنة الله عليه، فكان قسم قبيلة منها كالتالي:

قبيلة كندة جاءت ب ثلاثة عشر رأسا وصاحبهم الملعون قيس بن الأشعث.

قبيلة هوازن جاءت ب عشرين رأسا وصاحبهم الملعون شمر بن ذي الجوشن.

قبيلة بني تميم جاءت ب سبعة عشر رأسا.

قبيلة مذحج جاءت ب سبعة رؤوس.

باقي الجيوش جاءت بسبعة رؤوس، فيكون المجموع سبعين رأساً.

مَن قُتل مع الحسين في كربلاء؟

استشهد مع الحسين الكثير من أنصاره وأهل بيته وأقاربه، ويقول “ابن كثير” إن عددهم 23 رجلاً.

مسلم بن عقيل:

وكان أول من قتل منهم هو “مسلم بن عقيل بن أبي طالب”، الذي أرسله الحسين إلى الكوفة لمقابلة أنصاره وحشدهم في انتظار قدومه عليهم، لكن والي الكوفة تنبّه إلى قدومه فقبض عليه وقتله.

العباس بن عليقمر بني هاشم“:

أما في المعركة نفسها، فقتل العديد من أبناء الحسين وإخوته. وأشهرهم أخوه “العباس بن علي”، الذي كان يُعرف بقمر بني هاشم. وتناول أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “مقاتل الطالبيين”، قصة مقتله أثناء إحضاره للماء لسقاية الحسين، حين أحاط به جمع من الأمويين فقطعوا يده اليمنى ثم اليسرى، ثم أجهزوا عليه تماماً ومنعوا توصيل الماء لمعسكر الحسين.

ويحتل العباس موقعاً متميزاً في المذهب الشيعي، ويزور ضريحه في كربلاء الكثير من الشيعة، وتنسب له الكرامات والخوارق، كما اشتهر بلقب “ساقي العطاشى”.

عبدالله بن الحسينالرضيع“:

ويعتبر “عبد الله” الرضيع ابن الحسين واحداً من أبرز ضحايا مذبحة كربلاء. يذكر أبو الفرج الأصفهاني أن أحد أفراد الجيش الأموي يُدعى حرملة رماه بسهم وهو بين يدي والده فقتله.

زهير بن القين:

ومن أنصار الحسين الذين قُتلوا في كربلاء، “زهير بن القين”، الذي يذكر المجلسي في كتابه “بحار الأنوار” شجاعته وبأسه في قتال الأمويين، وأنه لم يُقتل حتى قتل 120 رجلاً وحده.

الحر بن يزيد الرياحي:

كذلك “الحُر بن يزيد الرياحي”، الذي يذكر الطبري في تاريخه، أنه كان أحد قادة الجيش الأموي، فلما عرف نية عُمر بن سعد في قتل الحسين وتأكد منها، انضم إلى الحسين وقاتل معه حتى قُتل.

وبلغ عدد شهداء كربلاء بضع وسبعين رجلاً، سنذكرهم بالاسم في العنوان التالي.

شهداء كربلاء:

بلغ عدد شهداء كربلاء 79 شخصاً أولهم الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وهم:

1-     علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

2_ عبد الله بن الحسين (الرضيع).

3_ عبد الله بن علي بن أبي طالب.

4_ العباس بن علي بن أبي طالب.

5_ جعفر بن علي بن أبي طالب.

6_ عثمان بن علي بن أبي طالب.

7_ محمد بن علي بن أبي طالب.

8_ أبوبكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

9_ عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

10_ القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

11_ عون بن عبد الله بن جعفر الطيار.

12_ محمد بن عبد الله بن جعفر الطيار.

13_ جعفر بن عقيل بن أبي طالب.

14_ عبدالرحمن بن عقيل بن أبي طالب.

15_ عبدالله بن مسلم بن عقيل.

16_ أبو عبدالله بن مسلم بن عقيل.

17_ محمد بن أبي سعيد بن عقيل.

18_ سليمان مولى الحسين بن علي.

19_ قارب مولى الحسين بن علي.

20_ منجح مولى الحسين بن علي.

21_ مسلم بن عوسجة.

22_ سعد بن عبد الله الحنفي.

23_ بشر بن عمر الحضرمي.

24_ يزيد بن حصين الهمداني المشرقي.

25_ عمران بن كعب الأنصاري.

26_ نعيم ابن عجلان الأنصاري.

27_ زهير بن القين البجلي.

28_ عمرو بن قرطة الأنصاري.

29_ حبيب بن مظاهر الأسدي.

30_ الحر بن يزيد الرياحي.

31_ عبد الله بن عمير الكلبي.

32_ نافع بن هلال البجلي المرادي.

33_ أنس بن كاهل الأسدي.

34_ قيس بن مسهر الصيداوي.

35_36_ عبد الله وعبد الرحمن ابنَي عروة بن حراق الغفاريَّين.

37_ جون مولى أبي ذر الغفاري.

38_ شبيب بن عبد الله النهشلي.

39_ الحجاج بن يزيد السعدي.

40_41_ قاسط وكرش ابْنَي زهير التغلبيين.

42_ كنانة بن عتيق.

43_ ضرغامة بن مالك.

44_ جوين بن مالك الضبعي.

45_ عمرو بن ضبيعة الضبعي.

46_ زيد بن ثبيت القيسي.

47_48_ عبدالله وعبيدالله ابْنَي يزيد بن ثبيت القيسي.

49_ عامر بن مسلم.

50_ سيف بن مالك.

51_ زهير بن بشر الخثعمي.

52_ بدر بن معقل الجعفي.

53_ الحجاج بن مسروق الجعفي.

54_55_ مسعود بن الحجاج وابنه.

56_ مجمع بن عبدالله العائدي.

57_ عمار بن حسان بن شريح الطائي.

58_ حيان بن الحارث السلماني الأزدي.

59_ جندب بن حجر الخولاني.

60_ عمر بن خالد الصيداوي.

61_ سعيد مولاه.

62_ يزيد بن زياد بن المظاهر الكندي.

63_ زاهر مولى عمرو بن حمق الخزاعي.

64_ جبلة بن علي الشيباني.

65_سالم مولى بني المدينة الكلبي.

66_ أسلم بن كثير الأزدي.

67_ قاسم بن حبيب الأزدي.

68_ عمر بن الاحدوث الحضرمي.

69_ أبو تمامة عمر بن عبدالله الصائدي.

70_ حنضلة بن أسعد الشامي.

71_ عبدالرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي.

72_ عمار بن أبي سلامة الهمداني.

73_ عابس بن شبيب الشاكري.

74_ شوذب مولى شاكر.

75_ شبيب بن الحارث بن سريع.

76_ مالك بن عبد الله بن سريع.

77_ سوار بن أبي حمير.

78_ وهب الكلبي.

قوم إذا نودوا لدفع مُلِمّة

والقوم ما بين مكردس ومدعس

لبسوا القلوب على الدروع فأقبلوا

يتسابقون على ذهاب الأنفس.

 الناجون من مذبحة كربلاء؟

استطاع عدد قليل من أهل بيت الحسين النجاة، وهم النساء فقط، من هؤلاء “زينب بنت علي بن أبي طالب” و”سكينة بنت الحسين”، و”فاطمة بنت علي”. 

ومن الناجين من الذكور: الحسن بن الحسن جُرح في المعركة، ثم أخذه أخواله جريحًا من المعركة وعالجوه ثم شُفي وعاش فيما بعد.

كما أن “علي بن الحسين” كان الوحيد من أبناء الحسين الذي ظل حياً بعد كربلاء، والسبب في ذلك، بحسب ما يرويه “الذهبي” في كتابه “سير أعلام النبلاء”، أن علي بن الحسين كان مريضاً وقت المعركة فاعتزل القتال، وبقي مع النساء والأطفال، فلما هجم الأمويون على معسكر الحسين قبضوا عليه وأسروه، وأرسلوه مع الباقين إلى الكوفة.

ونلاحظ أن هناك أهمية كبرى لنجاة علي بن الحسين من القتل في معركة كربلاء، بالنسبة لأصحاب المذهب الشيعي. إذ يعتبر الشيعة الإمامية أن علي بن الحسين هو الإمام الرابع في سلسلة أئمتهم الإثني عشر، وقد انتقلت إليه علوم آل البيت بُعيد استشهاد أبيه الحسين في كربلاء.

كما أن في بقائه بقاء لنسل الحسين، فنسل الحسين وذريتهه كلهم من زين العابدين إذ بقي هو الوحيد من أبناء الحسين حيا، فلو مات لانقطع نسل الحسين نهائيا.

أين دفن الحسين عليه السلام؟

يتفق الكثير من المؤرخين، مثل الطبري والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني، على أن جسد الحسين تم دفنه في كربلاء، في ساحة المعركة التي شهدت مقتله.

يذكر الداوداري في كتابه كنز الدرر وجامع الغرر: “ووجد في الحسين صلوات الله عليه ثلاثة وثلاثين جرحاً، ودفنه أهل الغاضرية من بني أسد، ودفنوا جميع أصحابه بعد قتلهم بيوم واحد بكربلاء”.

رأس الإمام الحسين:

أما رأس الحسين، الذي حمله الأمويون معهم إلى الكوفة، فبعث به الوالي إلى الخليفة يزيد بن معاوية في الشام.

وهناك خلاف لدى أهل السنة والجماعة حول المكان الذي دفن فيه رأس الحسين، فتوجد العديد من الآراء منها:

الرأس في القاهرة مصر:

ذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن رأس الحسين مقبور في القاهرة مصر، وهو مشهور مزور بجامع الحسين في القاهرة.

الرأس في كربلاء:

ذهب البعض أن الرأس دفن مع الجسد في كربلاء، وهو ما عليه جمهور الشيعة حيث الاعتقاد بأن الرأس عاد مع السيدة زينب إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من مقتله، أي يوم 20 صفر وهو يوم الأربعين الذي يجدد فيه الشيعة حزنهم.

الرأس في الشام:

قال اخرون أن موضع دفن الرأس بـالشام وهو على حسب بعض الروايات التي تذكر أن الأمويين ظلوا محتفظين بالرأس يتفاخرون به أمام الزائرين حتى أتى عمر بن عبد العزيز قرر دفن الرأس وإكرامه، كما ذكر الذهبي في الحوادث من غير وجه أن الرأس قدم به على يزيد، وما زال المقام هناك إلى اليوم يزار.

الرأس في عسقلان فلسطين:

يقال أن موضع دفن الرأس بعسقلان، وهذا الرأي امتداد للرأي الثالث حيث لو صح الثاني من الممكن أن يصح الثالث والرابع. تروي بعض الروايات ومن أهمها المقريزي أنه بعد دخول الصليبيين إلى دمشق واشتداد الحملات الصليبية قرر الفاطميون أن يبعدوا رأس الحسين ويدفنونه في مأمن من الصليبيين، وخصوصا بعد تهديد بعض القادة الصليبيين بنبش القبر، فحملوه إلى عسقلان ودفن هناك.

الرأس في البقيع بالمدينة;

غير أن اخرين قالوا أن موضع دفن الرأس بالبقيع بالمدينة، وهو الرأي الثابت عند أهل السنة لرأي ابن تيمية حين سئل عن موضع رأس الحسين، فأكد أن جميع المشاهد بالقاهرة وعسقلان والشام مكذوبة، مستشهداً بروايات بعض رواة الحديث والمؤرخين مثل القرطبي والمناوي.

الرأس في مكان مجهول:

يرى أخرون أن موضع دفن الرأس مجهول كما في رواية قال عنها الذهبي أنها قوية الإسناد : “وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة: حدثني أبي، عن أبيه قال: أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال: رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهن يقال لها ريا حاضنة يزيد بن معاوية، يقال: بلغت مائة سنة، قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر فقد مكنك الله من الحسين، فحين رآه خمر وجهه كأنه يشم منه رائحة، قال حمزة: فقلت لها: أقرع ثناياه بقضيب؟ قالت: أي والله، ثم قال حمزة: وقد كان حدثني بعض أهلها أنه رأى رأس الحسين مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام. وحدثتني ريا أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان بن عبدالملك الخلافة، فبعث إليه فجيء به وقد بقي عظماً أبيض، فجعله في سفط وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين. فلما دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صنع به.”، وهي رواية ضعيفة جدا ومتضاربة مع اعتقاد المسلمين بأن جسد الشهيد لا يبلى.

منزلة الحسين ومكانته:

يختلف المسلمون في منزلة ومكانة الحسين بن علي.

حيث يعتقد أتباع أهل البيت عليهم السلام والمذهب الزيدي بأن الحسين خامس أهل الكساء وأحد أهل البيت والعترة المطهرة، وأحد الأئمة عليهم السلام.

بينما المذهب الشيعي الجعفري يعتقد بالقول السابق ويزيدون عليه بأن الحسين بن علي بن أبي طالب إمام بالنص الإلهي ويقولون بعصمته، فهو الإمام المعصوم الثالث لديهم، لذا فطاعته واجبة.

بينما لا يرى المذهب السني ذلك.

مناقب الحسين:

وتأتي منزلته لديهم من كونه سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والتي وردت في ذلك العديد من الأحاديث على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُبين فيها مكانة الحسين بن علي وأخيه الحسن، منها:

* عن أبي سعيد قال: قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”.

* وقال أيضاً: ” إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا “.

* وقال: ” حسين مني وأنا منه أحب الله من أحب حسينا، الحسن والحسين من الأسباط “.

* وقال: ” من أحبهما أحبني ” -أي الحسن والحسين – .

* وكان الرسول يدخل في صلاته حتى إذا سجد جاء الحسين فركب ظهره، وكان يطيل السجدة فيسأله بعض أصحابه: إنك يا رسول الله سجدت سجدة بين ظهراني صلاتك أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحَى إليك، فيقول النبي: ” كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته “.

* قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: “إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلِي نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ نُجَبَاءَ وُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَعَلِيٌّ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَسَلْمَانُ، وَعَمَّارٌ، وَبِلَالٌ “.

لقد خصّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم سبطَيه الحسن والحسين بأوصاف تنبئ عن منزلتهما لديه، فهما:

– ريحانتاه من الدنيا وريحانتاه من هذه الأمّة.

– وهما خير أهل الأرض.

– وهما سيّدا شباب أهل الجنّة.

– وهما إمامان قاما أو قعدا.

– وهما من العترة (أهل البيت)  عليهم السلام، التي لاتفترق عن القرآن إلى يوم القيامة، ولن تضلّ اُمّة تمسّكت بهما.

– كما أنّهما من أهل البيت الذين يضمنون لراكبي سفينتهم النجاة من الغرق.

– وهما من أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا،  ونزل فيهم قوله تعالى: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”.

– وهما من القربى الذين أمر الله بمودّتهم في قوله تعالى: “قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى”.

– وهما ممّن قال عنهم جدّهم: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف».

– وقد استفاض الحديث عن مجموعة من أصحاب الرسول -صلّى الله عليه وآله وسلم- أنّهم قد سمعوا مقالته فيما يخصّ الحسنين: «اللهمّ إنّك تعلم أنّي اُحبُّهما وأحب من يحبهما».

مكانة الحسين لدى معاصريه:

* قال عمر بن الخطاب للحسين: “فإنّما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم”.

* قال عثمان بن عفان في الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر: “فطموا العلم فطماً وحازوا الخير والحكمة”.

* قال أبو هريرة: “دخل الحسين بن عليّ وهو معتم، فظننت أنّ النبيّ قد بعث”.

وكان في جنازة فأعيا، وقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال له: “يا أبا هريرة وأنت تفعل هذا! “، فقال له: “دعني، فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم”.

* أخذ عبدالله بن عباس بركاب الحسن والحسين، فعوتب في ذلك، وقيل له: “أنت أسنّ منهما!” فقال: “إنّ هذين ابنا رسول الله، أفليس من سعادتي أن آخذ بركابهما؟”.

وقال له معاوية بعد استشهاد الحسن: “يا ابن عباس أصبحت سيّد قومك”، فقال: “أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا”.

* قال أنس بن مالك: أُتِي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طشت فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئا. فقال أنس: “كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مخضوبا بالوسمة”.

قال رسول الله: “إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا”.

من أقوال الإمام الحسين “عليه السلام “:

له عليه السلام أقوال كثيرة تجدونها في بطون الكتب، لا أستطيع حصرها هُنا، ولكن إليكم البعض من أقواله المشهورة:

️ ألا وإن الدَّعِي ابن الدَّعي قد ركَز بين اثنتين، بين السِّلَّةِ والذّلّة، وهيهات منا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأُنوف حَمِيّة، ونفوس أَبِيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف اليكم بهذه الأسرة على قلة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر.

️ خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة.

️ لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما وسأما.

️ صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فاكرم وجهك عن رده.

️ إن أجود الناس من أعطى من لا يرجو، وإن أعفى الناس من عفا عن قدرة، وإن أوصل الناس من وصل من قطعه.

️ إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها … على الناس طرّاً قبل أن تتفلت.

️ الحلم زينة، والوفاء مروءة، والصلة نعمة، والاستكبار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شر، ومجالسة أهل الفسق ريبة.

️ شرّ خصال الملوك: الجبن من الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الإعطاء.

️ إني لم اخرج أََشِرًا ولا بَطِرًا ولا ظالما ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول اللّه.

يتبع الجزء الثالث…..

 اقرأ أيضا:قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي “عليه السلام ” في كربلاء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى