كتابات فكرية

بعض قضايا التعليم الخاص في اليمن: المشكلات والتحديات وآفاق الإصلاح

  بعض قضايا التعليم الخاص في اليمن: المشكلات والتحديات وآفاق الإصلاح

  • أمين الجبر

الخميس 18 يونيو 2026-

تشير المؤشرات المتزايدة عاماً بعد عام إلى أن المدارس الأهلية في اليمن أصبحت تمثل بديلاً متنامياً للتعليم الحكومي المجاني، الأمر الذي يدفع كثيراً من المراقبين إلى التساؤل عن مستقبل التعليم الحكومي ودوره في ضمان حق جميع المواطنين في التعليم، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأمام هذا الواقع يجد المواطن محدود الدخل نفسه أمام خيارات ضيقة؛ فإما أن يتحمل أعباء مالية تفوق قدراته من أجل تعليم أبنائه، أو أن يرضخ لحرمانهم من التعليم أو دفعهم مبكراً إلى سوق العمل في ظروف لا تتناسب مع أعمارهم ولا تؤهلهم لمستقبل أفضل.

ومع اتساع حضور التعليم الأهلي وانتشاره في مختلف المحافظات، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لدوره ووظيفته الاجتماعية والتربوية. فالتعليم في جوهره رسالة إنسانية وخدمة عامة قبل أن يكون نشاطاً استثمارياً، ومن ثم فإن هيمنة الاعتبارات الربحية على حساب الأبعاد التربوية والأخلاقية تثير العديد من المخاوف المشروعة.

وتنطلق هذه المخاوف من ملاحظات متكررة تتعلق بحقوق الطلاب، وإمكانية حصول الجميع على فرص تعليم متكافئة، بما في ذلك الطلاب من الأسر الفقيرة وذوو الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن التخوف من تحول بعض المؤسسات التعليمية إلى مشاريع تجارية تنظر إلى الطالب بوصفه مصدراً للعائد المالي أكثر من كونه محور العملية التعليمية.

ومن هنا تبرز مسؤولية وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي في الإشراف الفاعل على مؤسسات التعليم الخاص، ومراقبة أدائها، والتأكد من التزامها بالمعايير التربوية والمهنية المعتمدة، ومعالجة أوجه القصور والاختلالات التي قد تظهر في بعض المدارس.

وعلى الرغم من وجود لوائح وقوانين تنظم عمل التعليم الأهلي، إلا أن الممارسة الواقعية تكشف عن وجود تجاوزات في بعض المؤسسات، من أبرزها الاستعانة بمعلمين من حملة الثانوية العامة أو من غير المؤهلين تربوياً، خاصة في الصفوف الأولى، بهدف تقليل النفقات التشغيلية.

كما يلاحظ في بعض المدارس ارتفاع أعداد الطلاب داخل الفصل الواحد بما يتجاوز الحدود التربوية المناسبة، الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة التعليم ومستوى المتابعة الفردية للطلاب. ويضاف إلى ذلك تشغيل بعض المدارس في مبانٍ غير مهيأة تعليمياً، كالشقق السكنية أو المباني التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الاشتراطات الفنية والتربوية.

وإلى جانب هذه الجوانب الفنية، تبرز إشكالات تربوية أكثر عمقاً، تتمثل في السعي المحموم لدى بعض المدارس إلى زيادة أعداد الملتحقين بها دون مراعاة كافية لقدراتها الاستيعابية وإمكاناتها البشرية والمادية، بما يجعل الاعتبارات التسويقية تتقدم أحياناً على مقتضيات الجودة التعليمية.

كما أن بعض المدارس تركز على الجوانب الشكلية والدعائية، كالزي المدرسي والاحتفالات والمظاهر التنظيمية، في حين تظل متطلبات الجودة الحقيقية المتعلقة بالمناهج، وكفاءة المعلمين، وطرائق التدريس، والأنشطة التعليمية النوعية بحاجة إلى مزيد من العناية والاهتمام.

ومن الظواهر التي تتداولها الأوساط التعليمية أيضاً سعي بعض المدارس إلى استقطاب الطلاب المتفوقين من المدارس الحكومية ومنحهم تسهيلات أو مقاعد مجانية بهدف تعزيز سمعتها ورفع نتائجها الدراسية، وهي ممارسات قد تثير تساؤلات حول عدالة المنافسة بين المؤسسات التعليمية المختلفة.

كما أن حرمان بعض الطلاب من مواصلة تعليمهم بسبب تعثرهم في سداد الرسوم الدراسية يمثل إشكالية تربوية وإنسانية تستوجب المعالجة، لأن الحق في التعليم ينبغي أن يظل مقدماً على الاعتبارات الربحية البحتة.

ولا شك أن هناك جوانب أخرى من التحديات التي تواجه التعليم الخاص لا يتسع المجال لحصرها في هذه العجالة، غير أن استمرارها دون معالجة جادة قد ينعكس سلباً على جودة التعليم ومستقبل التنمية البشرية في البلاد.

ولعل من أهم خطوات الإصلاح وضع ضوابط أكثر صرامة تتعلق بشروط الترخيص، ومعايير الجودة، وتأهيل الكوادر التعليمية، والبنية المدرسية، وآليات الرقابة والتقييم المستمر، بما يسهم في تحويل المدارس الأهلية إلى مؤسسات تعليمية رائدة تقدم خدمة تربوية حقيقية للمجتمع.

ومع أهمية الدور الذي يؤديه التعليم الخاص في الظروف الراهنة، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً للتخلي عن مسؤولية الدولة في ضمان الحق في التعليم المجاني الجيد باعتباره حقاً دستورياً وأساسياً لجميع المواطنين. فإعادة الاعتبار للتعليم الحكومي وتحسين جودته تظل خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، حتى وإن كان تحقيقه يتطلب جهوداً كبيرة وإمكانات مالية واسعة في المرحلة الحالية.

إن التعليم الحكومي القوي والتعليم الأهلي المنضبط والمراقب ليسا خيارين متعارضين، بل ركيزتان متكاملتان لبناء نظام تعليمي قادر على تلبية احتياجات المجتمع وتحقيق التنمية المنشودة.

اقرأ أيضا:اليمن.. خلل العلاقة بين الداخل والخارج

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى