قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الثانية)

قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الثانية)
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الاحد 14 يونيو 2026-
الظروف التي احاطت بسقوط صنعاء:
شهد إبراهيم بن علي الوزير عملية تغير الأحوال السياسية في صنعاء، وبداية سقوط الثورة الدستورية، في شهر مارس عام ١٩٤٨م، إذ روى ذلك (غابرييل فوم براك: في كتاب قصة حياة امرأة يمنية، أمة اللطيف الوزير، الذي نقل رواية زيد بن علي الوزير عن الاحداث في صفحات ٢١٩-٢٢٠)، فكانت رواية مأساوية لمسار الأحداث التي عاشها الشاب إبراهيم، وأخوته، الذين عايشوا انتقال الأسرة وابنائها من العاصمة صنعاء إلى بني حشيش مسقط رأس الأسرة، هرباً من بطش القبائل التي منحها الإمام أحمد نهب العاصمة صنعاء، واسقاط حكومة الثورة، وفي خضم هذا الظرف الكارثي تعرضت أسرة إبراهيم بن علي الوزير، لعملية خداع قام بها شخص يدعى “علي مصلح” كانت الأسرة تثق في اخلاصه له من قبل، ليقوم بمهمة نقل جميع أغراض منزلهم من صنعاء، إلى مسقط رأس الأسرة في منطقة “بني حشيش” لكنه لم يعمل، فشكل ذلك احباط كبيراً لدى أسرة إبراهيم، لاسيما أن جميع أخوته خافوا من قيام ذلك الشخص بالوشاية بهم لحكومة الإمام أحمد، فعمل إبراهيم على معالجة ذلك الاشكال وقام باستقبال بعص أخوته، في قرية بيت السيد في بني حشيش، حيث يوجد إبراهيم، الذي حاول العمل على تأمين أخوته وحفظ بعض مقتنيات الأسرة الثمينة وعلى رأس ذلك تأمين وحفظ كتب الأسرة. في حين ظل بقية أخوته الصغار محمد، وزيد، والقاسم، في منطقة بيت “المحاقري” وكان ذلك الوضع يثير قلق إبراهيم على بقاء أخوته الصغار في صنعاء، الذين حاولوا جاهدين تطمين أخيهم، من خلال بعثهم إليه برسالة أخبروه فيها بمكان تواجدهم في بيت المحاقري، وكان الجميع في حالة من الانهيار والأوضاع الصعبة وهم يشاهدون كل شيء يسقط أمام أعينهم دون تراجع، فكتب الأخ الاصغر لإبراهيم “زيد” يخبره بشدة تأثره بانهيار الثورة، كما أخبره كم هو مؤلم جداً إدراك أننا سنكون المهزومين وبيت حميد الدين هم المنتصرون. على الأقل لو كنا متنا جميعاً معاً.
عمل إبراهيم بن علي الوزير على احتواء أخوته وتخفيف هول الصدمة لديهم بعد أن عاش الجميع المأساة بعد سقوط الثورة الدستورية، لاسيما بعد أن وصل إلى إبراهيم، وأخوته خبر أسر والدهم ونقله إلى سجن حجة، فعمل جاهداً مع أخية أحمد لم شمل أسرته، بإرسال عدد من البغال إلى صنعاء لنقل أخوته “زيد، ومحمد، والقاسم، لكن محاولته تلك فشلت بسبب عدم السماح لهم بالمغادرة دون إذن مسبق من الأمير سيف الإسلام الحسن، ومع ذلك تمكن أخوة إبراهيم الصغار من مغادرة صنعاء. واجتياز التعقيدات الأمنية التي اعقبت دخول رجال القبائل لإسقاط العاصمة ونهبها فعاشت المدينة حالة من الانفلات الأمني الرهيب، ولم يسلم بعض أفراد أسرة إبراهيم بن علي الوزير من أن تطالهم اعتداءات الجنود، الذين ضربوا أخته “أمة الخالق” بأعقاب البنادق.
شكلت الأعمال الوحشية والتصرفات القاسية التي مارسها رجال القبائل، وقادة الجيش المكلفين من الإمام أحمد لدخول العاصمة صنعاء، مع قادة الثورة الدستورية في صنعاء، وأسرهم، قناعة راسخة لدى الشاب اليافع إبراهيم بن علي الوزير، أن لا مجال في مهادنة وحشية النظام السياسي والاستسلام للأمر الواقع، وأن الخطوة اللازمة حيال ذلك تكمن في مقاومة الجبروت والبطش، لاسيما بعد أن شاهد مباشرة أسلوب النظام وادواته تجاه سكان العاصمة صنعاء، وسوء تصرفهم مع الممتلكات العامة والخاصة، وحالة الاذلال التي مارسوها مع أهالي المشاركين في الثورة الدستورية بدون أن يكون هناك أي رادع أو وازع ديني يمنع تلك التصرفات غير الإنسانية مع الناس.
الانخراط في مقاومة النظام السياسي بعد سقوط الثورة:
دفعت عملية الفوضى واعمال السلب والنهب وإذلال أسر المشاركين في الثورة الدستورية الشاب إبراهيم بن علي الوزير، إلى الانخراط العملي في معارضة النظام في صنعاء، رفضاً للعنف والقسوة والبطش والتنكيل بقادة الثورة الدستورية، وكانت أول خطواته السياسية المعارضة بدأت عقب سقوط الثورة الدستورية عام ١٩٤٨م، تشكيل الخلية الأولى، التي حملت على عاتقها استئناف النضال من أجل الدستور، رغم وجود عوائق كبيرة واجهت جهوده تمثلت في التخلف السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع اليمني أنذاك، وكان من الصعب الحصول على استجابة سريعة مع المفاهيم السياسية التي يحملها الثائر إبراهيم بن علي الوزير، الذي تحرك ضمن اطار سري وتام من العمل السياسي المعارض للنظام، وكان يسير معه في هذا الاتجاه “محمد عبدالواسع الواسعي” الذي نشط يقاوم سراً داخل العاصمة صنعاء، ومعه مجموعة من طلاب الرئيس “جمال جميل العراقي” ولعب نشاطه التجاري دوراً في اخفاء تحركاته التي قادته للاتصال بحركة المعارضة في عدن، وفي نفس العام تم اتصال مجموعة إبراهيم بن علي الوزير، مع مجموعة محمد الواسعي، وشكل الجميع تنظيم جديد اطلق عليه اسم “عصبة الحق والعدالة” ونشط ذلك التنظيم في مقاومة النظام ونشر وتوزيع عدد من الصحف السياسية المعارضة، في العاصمة صنعاء.
والسؤال الملح كيف زج بإبراهيم بن علي الوزير إلى السجن، رغم صغر سنه وعدم ظهور أي أثبات يدينه بخروجه ضد النظام، رغم تحركات الأخير لمتابعة ورصد أي تحرك لأسرة آل الوزير، وظل إبراهيم بن علي الوزير، طليقاً في صنعاء، إلى أن شك به الأمير سيف الإسلام الحسن، كما روها أخيه الأصغر ” زيد بن علي الوزير” بقوله:” ولعل السيف الحسن شك في أخي إبراهيم، فاستغل مراجعتنا له بالسماح لأختي “أمة الخالق” بالنزول إلى الحديدة لمعالجتها من مرض ” الاستسقاء” مع أخيها إبراهيم فأجاب بالسماح نزولها مع أخيها “زيد” …وخيرنا بين إطلاق أخينا “عباس” وذهاب أخينا إبراهيم إلى حجة رهينة عنه، فذهب أخي إبراهيم إلى السجن عام ١٩٥١م” وكان ذلك سبباً في اطلاق سراح عباس مما سمح بالسفر بأختهم المريضة للسفر إلى الحديدة. بينما وصل إبراهيم إلى سجن حجة، ولم يطيل الأمد به طويلاً حتى أقدم سيف الإسلام الحسن، على اعتقال “عباس بن علي الوزير” وبرفقته “عبدالصمد الوزير” و “عبدالرحمن بن عبدالله الوزير”.
تطور الوعي السياسي لدى الثائر إبراهيم الوزير:
شكل سجن حجة حلقة اتصال جوهرية للشاب الثائر إبراهيم بن علي الوزير مع من تبقى من مناضلي وقادة الثورة الدستورية أحياء، الذين احاطوا إبراهيم منذ الوهلة الأولى لدخوله السجن بالرعاية والاهتمام، والاحتفاء به داخل السجن، وتتداعى مجموعة من القيادات منهم الاستاذ “أحمد محمد الشامي” والاستاذ “أحمد المروني” الذين ألقوا قصائد شعرية عبروا من خلالها عن تقدير المثقفين والشعراء والادباء في سجن حجة بجهود إبراهيم بن علي الوزير، لاسيما نجاحه في تأسيس “عصبة الحق والعدالة” لمقاومة النظام السياسي في البلاد. وكان لذلك أثر كبير في نفوس السجناء، قاد إلى اقتراح “القاضي عبدالرحمن الارياني” إلى تنصيب الشاب إبراهيم بن علي الوزير في السجن إماماً دستورياً، لتكون هذه الخطوة أفضل طريقة سياسية لمقاومة حكم الإمام أحمد، كما أقترح مبايعة إبراهيم بذلك من جميع السجناء المؤيدين للثورة الدستورية، لكن إبراهيم رفض الفكرة، وقال للقاضي عبدالرحمن الارياني: “أنت أولى مني بها لأنك الأعلم، وأنا مستعد لمبايعتك” فرض الأخير دعوة الشاب الثائر إبراهيم، وبين شد وجذب بويع لإبراهيم في السجن إماماً دستورياً، مع وضع خطة لتهريبه من السجن إلى مدينة عدن، مع التعهد له ببذل كل الجهود الممكنة لصالح ذلك.
د. بكيل الكليبي- رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا للكاتب: قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الأولى)
