التهاني المعلبة .. مشاعر وجدانية أم اسقاط واجب؟

التهاني المعلبة .. مشاعر وجدانية أم اسقاط واجب؟
- أمين الجبر
الاحد 22 مارس 2026-
لم تزل التهاني العيدية في عرف الاجتماع الإنساني طقسا متوارثا تتبادله الألسن في مواسم البهجة بعبارات تقليدية وصيغ احتفائية مألوفة ألفتها الذاكرة الجمعية واستساغتها النفوس زمنا طويلا وهي في ميزان العرف والدين سلوك محمود بل ضرورة أخلاقية لما تنطوي عليه من تعزيز أواصر القربى وتوثيق عرى الصداقة وترسيخ قيم المحبة والوئام والتعايش
غير أن هذه التكرارية النمطية في صيغ التهاني الجاهزة والعبارات المعلبة قد أفرغت كثيرا من دفئها الوجداني وجعلتها في أحيان كثيرة رتيبة الأثر محدودة الصدى لا تعكس عمق الشعور بقدر ما تؤدي وظيفة شكلية أقرب إلى إسقاط الواجب منها إلى فيض العاطفة بل إن شيوع ثقافة النسخ واللصق والإرسال زادها تجريدا وبرودة حتى غدت لدى متلقيها مجرد مرور عابر لا يوقظ إحساسا ولا يبعث بهجة
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في مضامين هذه التهاني لا في ألفاظها المجردة بل في روحها ودلالاتها أن نعيد صياغتها بوعي اللحظة ونشحذها بمداد الفكر ونوجهها نحو قضايا الأمة المصيرية بدل أن تبقى أسيرة القوالب الجاهزة نريد تهاني تخاطب العقول كما تلامس القلوب وتستنهض الهمم بدل أن تكتفي بالمجاملة وتبث روح الوعي بدل أن تعيد إنتاج السكون
إننا بحاجة إلى تهان من نوع آخر
تهان قوامها المعرفة وجوهرها الحرية وغايتها التنوير
تهان تقاوم الخرافة وترفض التبعية وتكسر قيود الجهل والتخلف
وليس المقصود هنا إلغاء التهاني التقليدية أو استهجانها فهي أصيلة في معناها راسخة في وجدانها وإنما الدعوة إلى تجديد مضامينها وتثوير مدلولاتها بما يتسق مع واقع مأزوم تعيشه أمة أنهكتها الحروب وأثقلتها الصراعات حتى غدت في أمس الحاجة إلى خطاب يوقظ وعيها ويحفز عزائمها ويعيد توجيه بوصلة تطلعاتها
وفي ظل هذه الظروف الدراماتيكية التي يغيب فيها أفق التصالح ويضيق فيها مجال الأمل يبدو من المشروع بل من الضروري أن تتحول التهاني العيدية ولو مؤقتا من مجرد طقس احتفائي إلى أداة وعي ومن تعبير عاطفي إلى خطاب تحفيزي يسهم في رسم ملامح المستقبل المنشود ويضع لبنة في مشروع الخلاص الجماعي
فلماذا لا نجعل من تهانينا في مثل هذه اللحظة الفارقة رسائل وعي ومضامين تحرر ونوافذ أمل
لماذا لا نحملها ما تستحقه المرحلة من معنى بدل أن نظل نكرر ما ألفناه من قول دون أن نضيف إليه ما تقتضيه الضرورة
فإن أصبت فذاك ما أرجو إدراكه
وإن أخفقت فحسبي أنني حاولت اجتهادا صادقا وحرصا مجردا



