كتابات فكرية

ترامب وحرب الأعصاب مع إيران: حين تتحول القوة إلى عبء استراتيجي

ترامب وحرب الأعصاب مع إيران: حين تتحول القوة إلى عبء استراتيجي

بقلم الدكتور: عبدالرحمن المؤلف

الأربعاء 18 مارس 2026-

في الحروب الحديثة، لا تُقاس الخسائر بعدد الصواريخ أو حجم الدمار فقط، بل بمدى قدرة القيادة السياسية على الحفاظ على الثقة – ثقة الحلفاء، وثقة الداخل، وحتى ثقة الخصوم بقدرتها على إدارة الصراع بعقلانية.

لكن في المواجهة الحالية مع إيران، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه أزمة مختلفة: أزمة ثقة متعددة الجبهات.

فبينما تتصاعد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، تتزايد المؤشرات على أن الحرب لم تُضعف إيران وحدها، بل كشفت أيضًا عن تصدعات داخل شبكة التحالفات التي اعتمدت عليها واشنطن لعقود.

خطاب متقلب… واستراتيجية غائبة

خلال فترة قصيرة، قدّم ترامب سلسلة تصريحات بدت متناقضة في مضمونها:

أعلن أن واشنطن قد تدمر البرنامج النووي الإيراني بالكامل.

ثم قال إن الضربات السابقة قضت بالفعل على هذا البرنامج.

لوّح بإمكانية تغيير النظام في طهران، قبل أن يتراجع عن الفكرة.

دعا إيران إلى “استسلام كامل”، ثم تحدث عن إمكانية التفاوض.

هذه الرسائل المتضاربة لم تخلق غموضًا استراتيجيًا بقدر ما أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تمتلك بالفعل رؤية واضحة للحرب.

فالسياسة الخارجية، خصوصًا في أوقات النزاعات الكبرى، تحتاج إلى اتساق في الرسائل، لأن الحلفاء والخصوم على حد سواء يقرأون التصريحات السياسية باعتبارها جزءًا من ميزان القوة.

الخليج… أزمة ثقة غير مسبوقة

من أبرز تداعيات الحرب الحالية شعور بعض دول الخليج بأن منظومة الردع الأمريكية لم تعد توفر الضمانات الأمنية التي كانت تقدمها في السابق.

فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة – والتي يفترض أن تشكل عنصر حماية – لم تمنع وقوع هجمات صاروخية أو تصاعد التوتر في المجال الجوي والبحري.

هذه التطورات أعادت طرح سؤال حساس:

هل وجود القواعد الأجنبية يحقق الأمن للدول المضيفة، أم أنه قد يجعلها ساحة للصراع بين القوى الكبرى؟

الحرب والاقتصاد العالمي

إحدى الجبهات غير المعلنة في الصراع تتمثل في سوق الطاقة العالمية.

فالتوتر حول مضيق هرمز – الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية – يجعل أي تصعيد عسكري قادرًا على إحداث صدمة في الأسواق.

كما أن أي استهداف لمنشآت تصدير النفط، مثل جزيرة خرج، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.

وبالنسبة لإدارة أمريكية تواجه ضغوطًا اقتصادية داخلية، فإن هذا السيناريو قد يحمل تكلفة سياسية كبيرة.

التوتر مع الحلفاء الغربيين

الأزمة لم تقتصر على الشرق الأوسط.

فبعض الحكومات الأوروبية أبدت تحفظات واضحة على التصعيد العسكري، وفضلت الدفع نحو مسار دبلوماسي.

هذا التباين في المواقف يعكس فجوة متزايدة بين واشنطن وبعض شركائها التقليديين في إدارة الأزمات الدولية.

وفي التاريخ الحديث، نادرًا ما دخلت الولايات المتحدة مواجهة إقليمية كبرى دون دعم سياسي واسع من حلفائها الأوروبيين.

الداخل الأمريكي… جبهة أخرى للصراع

داخل الولايات المتحدة، تعكس النقاشات السياسية واستطلاعات الرأي انقسامًا واضحًا حول جدوى أي حرب جديدة في الشرق الأوسط.

فبعد عقدين من العمليات العسكرية المكلفة في العراق وأفغانستان، أصبح الرأي العام الأمريكي أكثر حساسية تجاه أي تدخل عسكري طويل الأمد.

هذا الانقسام يضع الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ مزدوج:

إدارة صراع خارجي مع إيران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دعم داخلي كافٍ لاستمرار السياسة الحالية.

الخلاصة: حرب قد تغيّر موازين القوة

التاريخ يبين أن الحروب لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في قدرة الدول على الحفاظ على تحالفاتها واستقرارها الداخلي.

وفي الحالة الراهنة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة:

الضغط العسكري على إيران قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية أوسع.

السؤال الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على إدارة هذا الصراع دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا واستراتيجيًا أكبر مما تتوقع.

المصادر والمراجع

ميثاق الأمم المتحدة

تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حول الأمن الإقليمي

دراسات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي حول النزاعات والتسلح

تقارير وكالة الطاقة الدولية حول أمن الطاقة العالمي

اقرأ أيضا: ردا على استهداف البنية التحتية الإيرانية: الحرس الثوري يدعو سكان وموظفي منشآت نفطية في السعودية وقطر والإمارات لإخلاء مواقعهم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى