كتابات فكرية

عندما تعلّمنا الطبيعة كيف تُدار الدول

عندما تعلّمنا الطبيعة كيف تُدار الدول

  • حسن الدولة

الاحد 15 مارس 2026-  

وقفتُ أتأمل هذه الصورة الطريفة:

حمار يقف بثبات، وعلى ظهره كلب، وفوق الكلب قط، وفوق القط ديك.

مشهد بسيط، وربما مضحك للوهلة الأولى… لكنه في الحقيقة لم يذكرنا بدرس الغراب الذي علم قابيل كيف يواري سوءة أخيه فحسب بل لفت انتباهي إلى درس عميق في دلالته السياسة وكيف نبني الدولة بذات الهرم المجتمعي، لو أحسنّا قراءته.

هذه الحيوانات الأربعة لا تجتمع مصادفة.

فالحمار يرمز إلى الصبر والجلد والتحمّل؛ تلك الصفات التي تحمل أثقال الحياة دون ضجيج.

وفوقه الكلب، رمز الوفاء والحراسة وحماية الممتلكات.

ثم القط، الذي يتولى القضاء على الفئران والحشرات الضارة.

وأخيرًا الديك، الذي يعتلي القمة ليوقظ النائمين ويعلن بداية يوم جديد.

كأن الصورة تقول لنا إن المجتمع لا يقوم إلا بتكامل الأدوار، لا بتصارعها.

وأنا أتأمل هذا الهرم الحيواني، تذكّرت قول أبي العلاء المعري:

(الناسُ للناسِ من بدوٍ وحاضرةٍ

بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ)

فالحمار في الصورة يشبه القاعدة العريضة من الناس؛ طبقة الشعب الذي عضلاته أقوى من اي جماعة أو حزب وهو الذي سمح للحكام ان يشكلوا رأس هرمه، وهو السلطة التي يقوم عليها كل شيء.

ولو قرر الحمار أن يسقط السلطات الثلاث التي تعلوه لأسقطها كلها دفعة واحدة – سياسية وتشريعية وقضائية-.

أما الكلب فيمثل طبقة الحماية والخدمة العامة؛ الأمن والنظام.

والقط يرمز إلى المختصين الذين يعالجون المشكلات الدقيقة التي لا يلتفت إليها غيرهم.

أما الديك، فهو القيادة التي تعلو الجميع، لا لأنها الأقوى عضلات، بل لأنها الأكثر يقظةً وقدرة على التنبيه والإرشاد.

لكن جمال الصورة لا يكمن في ترتيب الحيوانات فقط، بل في رضا كل واحد بدوره.

لم نرَ الكلب يحاول إزاحة الحمار ليحمل الآخرين.

ولا القط يحاول إعلان نفسه حمارًا.

ولا الديك يدّعي أنه قادر على حمل الجميع فوق ظهره.

كل حيوان يعرف حدوده… ويؤدي وظيفته.

وهنا تبرز أهمية استقلال كل سلطة عن الأخرى لكنها تعمل بتنسيق وبركاته الجميع.

وهنا تبدأ السخرية حين نقارن هذا الانسجام الطبيعي ببعض المجتمعات البشرية.

ففي عالمنا قد نرى الديك يريد أن يكون حمارًا وديكًا وقطًا وكلبًا في الوقت نفسه!

وقد نجد القط يقفز فوق الجميع ليتحوّل فجأة إلى قائد أعلى.

وأحيانًا يُطلب من الحمار – المسكين – أن يحمل الجميع… ثم يُلام لأنه لم يطِر بهم إلى القمر!

وعندما ينقلب الهرم، تبدأ الفوضى.

وحين تختلط الأدوار، يختلط معها النظام كله.

الدولة السليمة تشبه هذا الهرم البسيط:

مؤسسات تتكامل ولا تتصارع.

سلطة تشريعية تضع القوانين.

وسلطة قضائية تحمي العدالة.

وسلطة تنفيذية تدير الدولة.

ومجتمع مدني يراقب ويشارك.

كل مؤسسة تعتمد على الأخرى، لكنها لا تتجاوز اختصاصها.

وكأن الدولة أوركسترا كبيرة؛ إذا حاول عازف الطبل قيادة السيمفونية بعصاه، فلن نسمع موسيقى… بل ضجيجًا.

الديمقراطية الحقيقية ليست صراعا على الارتفاع فوق الآخرين، بل اتفاقٌ على من يقف في الأعلى لخدمة الجميع.

فالقيادة ليست امتيازا، بل مسؤولية؛ مهارة في الصعود والنزول، وقدرة على إدارة التنوع لا قمعه.

ولذلك فإن بناء الدولة المدنية لا يتحقق إلا بمجموعة من القيم:

السلام، والتسامح، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وقبول التعددية السياسية.

دولة لا يُقصى فيها أحد، ولا تُنتهك فيها حقوق إنسان، ولا تتحكم فيها العصبيات الضيقة أو المذهبية.

فالدولة المدنية، ببساطة، هي عقد اجتماعي يرضى به الناس، وتخضع له المؤسسات، ويضمنه قانون عادل وقضاء مستقل.

ولعلّ من الطريف أن الإنسان تعلّم حتى من الغراب كيف يواري سوءة أخيه، كما يخبرنا القرآن.

فلماذا لا نتعلم اليوم من حمارٍ وكلبٍ وقطٍ وديكٍ كيف نتعايش بسلام؟

إن هذه الصورة البسيطة تقول لنا بوضوح:

لولا صبر الحمار، ووفاء الكلب، وخفة القط، ويقظة الديك… لما استقام هذا الهرم.

فكل واحد منهم يحرس الآخر.

وهكذا ينبغي أن يكون المجتمع:

لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج المعادلة.

أما من يظن أنه يستطيع فرض إرادته على الجميع، فربما عليه أن ينظر مرة أخرى إلى هذه الصورة…

فالحيوانات – على بساطتها – فهمت معنى التعايش،

بينما لا يزال بعض البشر يتعلمون الدرس نفسه منذ آلاف السنين.

وهكذا تعلّمنا هذه الصورة البسيطة ما عجزت عنه خطبٌ طويلة في السياسة: أن التوازن هو سرّ الاستقرار. فكما لم يحاول الحمار أن يكون ديكًا، ولا الكلب أن يحلّ محلّ القط، ولا الديك أن يحمل الجميع فوق ظهره، كذلك تقوم الدولة السليمة حين تعرف مؤسساتها حدودها وتؤدي أدوارها في انسجام. فالفصل بين السلطات ليس تفريقًا يزرع الصراع، بل توازنٌ يمنع احتكار القوة ويصون الحقوق. وعندما يحرس كلُّ طرفٍ الآخر، كما في ذلك الهرم الحيواني الصغير، تبقى المنظومة ثابتة، ويستقيم البناء. وربما لهذا تبدو الصورة الطريفة درسًا بليغًا: أن الطبيعة فهمت مبكرًا معنى التوازن… بينما لا يزال الإنسان يتعلمه جيلاً بعد جيل.

وهنا تتجلّى الحكمة التي قامت عليها الدول الحديثة؛ فاستقرار الدولة لا يتحقق بتجميع السلطات في يدٍ واحدة، بل بتوزيعها توزيعًا متوازنًا بين سلطاتٍ تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة، تمارس كلٌّ منها دورها ضمن حدودها، مع قدرٍ من التعاون والرقابة المتبادلة. فالفصل بين السلطات ليس صراعًا بينها، بل نظامًا يضمن التوازن ويمنع احتكار القوة أو إساءة استخدامها. وبهذا فقط تُصان الحقوق، وتُحمى الحريات، وتبقى الدولة قائمة على الانسجام لا على هيمنة طرفٍ واحد.

اقرأ أيضا: الهدف الحقيقي الخفي للحرب على إيران

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى