كتابات فكرية

بين معارضة الأنظمة ورفض العدوان (موقف لا يساوم على كرامة الشعوب)

بين معارضة الأنظمة ورفض العدوان (موقف لا يساوم على كرامة الشعوب)

  • حسن الدولة

الثلاثاء 10 مارس 2026-

تلقيت عددا من الرسائل العتابية من أصدقاء ذوي ميول جعفرية – اثني عشرية – يتساءلون فيها: لماذا الصمت يا دعاة الدولة المدنية إزاء ما يجري من حرب تستهدف الإسلام والمسلمين، وتخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد، أو بالأصح المشروع الإبراهيمي الذي تؤسس له الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل؟

ولعلّ هذا السؤال مشروع في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات متشابكة، لكن الإجابة عليه تقتضي توضيح الموقف من زاوية مبدئية، لا من زاوية الاصطفاف العاطفي أو الانجرار خلف دعايات الحرب. فالمسألة، بالنسبة لمن ينطلقون من رؤية نقدية يسارية أو من إيمان حقيقي بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ليست في الدفاع عن أنظمة بعينها، ولا في تبرير سياساتها، وإنما في رفض منطق الهيمنة ذاته.

فالاشتراكيون – تاريخيًا وفكريًا – لم يكونوا يوما أنصارا للأنظمة بقدر ما كانوا أنصارا الشعوب. فهم يقفون مع الشعوب عندما تتعرض للعدوان، ويعارضون الأنظمة عندما تقمع شعوبها أو تصادر حرياتها. هذه معادلة أخلاقية واضحة لا تقبل المساومة: ضد العدوان، ضد الإمبريالية، ومع حق الشعوب في تقرير مصيرها.

من هذا المنطلق، فإن النظر إلى ما يحدث مع إيران لا ينبغي أن يختزل في طبيعة نظامها السياسي، سواء كان دينيا أو جمهوريا. فإيران، رغم بنيتها السياسية ذات الطابع الثيوقراطي، هي دولة تشكلت داخل النظام الدولي الحديث، وتفاعلت مع توازناته الاقتصادية والعسكرية، واصطدمت به في أكثر من محطة، محاولةً إعادة تعريف موقعها فيه وتوسيع هامش استقلال قرارها السيادي بعيدًا عن الإملاء الخارجي.

والمشكلة – من منظور نقدي – لا تكمن في الأيديولوجيا بقدر ما تكمن في لحظة خروج أي دولة عن طوع المركز الإمبريالي العالمي. فالمركز لا يعترض على طبيعة الأنظمة بقدر ما يعترض على من يحاول إعادة توزيع النفوذ أو الثروة خارج شروطه. وهنا تحديدًا تتفجر الصراعات، وتُعاد صياغة التحالفات والحروب.

لكن القول برفض العدوان الخارجي لا يعني تبرئة السياسات الإقليمية لإيران أو تجاهل أخطائها. فمن الواضح أن السياسة الإيرانية في المنطقة لم تتعامل دائما بمنطق الدولة مع الدول، بل اعتمدت في كثير من الأحيان على بناء شبكات من القوى المسلحة داخل بعض البلدان العربية، وهو ما خلق توترات عميقة وأسهم في تعقيد الأزمات الداخلية في أكثر من ساحة.

غير أن الاختلاف مع هذه السياسات لا يبرر بحال من الأحوال أن يقف البعض في خندق الولايات المتحدة وإسرائيل، أو أن يبدي شماتة بما تتعرض له دولة إسلامية من استهداف عسكري. فذلك موقف أخلاقيا وسياسيا معيب، لأنه يعني الانحياز إلى مشروع الهيمنة ذاته الذي لم يتردد يومًا في تدمير دول المنطقة وإغراقها في الفوضى عندما تعارضت مصالحها معه.

إن من يدّعي الدفاع عن قضايا الأمة لا يمكن أن يحتفل بضرب دولة في المنطقة على يد القوة الصهيوأمريكية، حتى وإن كان على خلاف عميق مع سياساتها. فالعدوان يبقى عدوانا، ورفضه مبدأ لا يتجزأ.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن لإيران أدوارا إقليمية كان لها أثر في دعم القضية الفلسطينية في أكثر مراحلها قسوة، حين تخلى كثيرون عن مسؤولياتهم التاريخية. وهذا لا يمنحها صك براءة في كل سياساتها، لكنه يضع الصورة في إطارها الكامل بعيدًا عن الانتقائية.

أما فيما يتعلق باستهداف بعض دول الخليج التي توجد فيها قواعد عسكرية أمريكية، فإن الموقف النقدي يظل واضحا: فالقواعد التي تُستخدم لشن العدوان هي التي تتحمل مسؤولية المواجهة، أما استهداف الدول ذاتها أو شعوبها فلا يخدم إلا تعميق الانقسامات داخل المنطقة. وكان الأولى، إن كان هناك رد عسكري، أن يتجه نحو مصادر العدوان المباشرة، أي البوارج والمنصات التي تنطلق منها العمليات، مع استثناء أي قاعدة لا ينطلق منها عدوان مباشر على إيران.

إن الموقف المبدئي لا يقوم على الاصطفاف الأعمى، بل على ميزان أخلاقي واضح: رفض العدوان الخارجي، ورفض الهيمنة الإمبريالية، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي الوقت ذاته الاحتفاظ بالحق الكامل في نقد سياسات الأنظمة وممارساتها.

فلسنا من أولئك الذين يبيعون مواقفهم للأنظمة، كما أننا لسنا ممن يساومون على كرامة الشعوب. نحن نقف مع الشعوب حين تُستهدف، ومع قضايا التحرر أينما كانت، وضد كل مشروع يسعى إلى إخضاع المنطقة وإعادة تشكيلها وفق إرادة القوى المهيمنة.

ذلك هو الموقف الذي نراه أقرب إلى روح العدالة والحرية، وأقرب إلى الضمير الإنساني… موقف لا يشتري الأنظمة، لكنه لا يقف يومًا مع من يعتدي على الشعوب.

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. ما اتعس من ينتظر الحرية على يد غيره من العبيد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى