21 سبتمبر بين قراءتين متضادتين

21 سبتمبر بين قراءتين متضادتين
- امين الجبر
الاثنين 21 سبتمبر 2026-
يقول الواقع الموضوعي إن لكل حدث تاريخي قراءتين متناقضتين، أو بمعنى أدق متضادتين، إن لم تكن هناك قراءة ثالثة تحاول الاقتراب من الحياد والموضوعية.
القراءة الاولى تنحاز كلية الى الحدث، ليس لكونها جزءا منه وناطقا باسمه وحسب، وإنما بوصفها المعبر الايديولوجي عنه والمتبني لتوجهه، وبالتالي فهي ترى في الحدث قداسة ما، وفي حدوثه صوابية مطلقة، وما عداه شرا محضا في قاموسها. ولهذا تراها في دفاع مستميت عن الحدث، وتبرير دائم لأخطائه، وحجاج متواصل لشرعنة ملابساته وتداعياته، بل قد يصل الامر بهذه القراءة الرسمية احيانا الى اعتبار ما تحقق في هذا الحدث، متى جاء منسجما مع رغباتها ومحققا لأمانيها، عناية ربانية ونصرا الهيا لا يحتمل النقاش.
وهو ما تعكسه وتترجمه الكتابة عن حدث 21 سبتمبر 2014م في اليمن، الذي جاء عقب ما أطلق عليه البعض ثورة الربيع العربي عام 2011م، وما ترتب عليه من تحولات سياسية عميقة، ثم من ازمات وصراعات وحروب لا تزال اليمن تعيش تداعياتها حتى اليوم.
وفي المقابل، تأتي القراءة الثانية، المضادة للأولى، لتتناول الحدث ذاته بأسلوب ورؤية مختلفين، وتنطلق من تجريمه ورفضه، بوصفه، في قاموسها، انقلابا على شرعية الدولة ومؤسساتها، وعلى ما تعتبره توافقا وطنيا تجسد في مخرجات الحوار الوطني. وتستند هذه القراءة في موقفها الى ما استخدمته القوى التي رفعت شعار الثورة من منطق السلاح وفرض الامر الواقع بالقوة والغلبة، فضلا عن اعتبارها ان حدث 21 سبتمبر يمثل ارتدادا عن مبادئ واهداف ثورتي 26 سبتمبر 1962م و14 اكتوبر 1963م، بوصفهما محطتين تاريخيتين راسختين في الوعي السياسي والوطني اليمني.
وهذا التضاد بين القراءتين، والتناقض بين الروايتين، امر طبيعي ومألوف في قراءة الاحداث التاريخية؛ فكل طرف يقرأ حدث 21 سبتمبر من زاويته الخاصة، ووفقا لخلفيته الفكرية والسياسية، ولكل منهما حججه ومبرراته، سواء اتفقنا معها او اختلفنا.
وهذا، في جوهره، هو حال قراءة التاريخ عموما؛ اذ لا توجد قراءة واحدة مكتملة ومنسجمة لأي حدث تاريخي، منذ الخطيئة الاولى لأبينا آدم وحتى اللحظة الراهنة. فالتاريخ، في جانب كبير منه، ليس مجرد وقائع صامتة، وإنما هو ايضا روايات متعددة تتشكل وفقا لمواقع الفاعلين ومصالحهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية.
غير ان ذلك كله لا يلغي امكانية وجود قراءة ثالثة، يمكن تسميتها قراءة توافقية، او شبه محايدة، تحاول الاقتراب من الحدث بعيدا عن الاصطفاف مع اي من طرفيه. وهي، في تقديرنا، قراءة افتراضية تظل بحاجة الى الزمن والتأني ونضج شروط البحث العلمي؛ لان ما حدث قد حدث، ولا يمكن استعادته او تغييره بعد وقوعه، ولا مكان في قاموس التاريخ لكلمة “لو”.
فالذي دونته القراءات المتعارضة، وما زالت تكتبه وتنتجه، قد صار جزءا من روايات الصراع ذاته، وما يزال كل طرف متمسكا بسرديته ومستمرا في الدفاع عنها. ومن ثم، لا يبقى امام القراءة التوافقية او الموضوعية سوى الاقتراب من مناطق التقاطع والاشتباك بين الروايتين، والبحث عن نقاط الالتقاء والمقاربة الممكنة، وصولا الى قراءة تاريخية أكثر انصافا، تقدم الحدث كما وقع، بما له وما عليه، وبإيجابياته وسلبياته، لا كما يراه طرفا الصراع، كل من زاويته الخاصة.
ومن وجهة نظر تاريخية، فان مثل هذه القراءة لا يمكن ان تنضج في ظل حرارة الحدث واستمرار تداعياته؛ فهي تحتاج الى مسافة زمنية كافية، والى تراكم الوثائق والشهادات والقرائن، والى تحرر الباحث من ضغط الاصطفافات السياسية والايديولوجية، حتى يصبح بالإمكان الاقتراب من الحقيقة التاريخية دون ان تتحول الكتابة الى امتداد للصراع بوسائل اخرى.
ومع ذلك، ثمة حقيقة ربما لا يختلف عليها اثنان، وهي ان حدث 21 سبتمبر 2014م شكل منعطفا تاريخيا مفصليا في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، سواء نظرنا الى نتائجه من زاوية ايجابية او سلبية. فقد مثل، بالنسبة الى كثيرين، زلزالا سياسيا غير ملامح الخريطة السياسية اليمنية، واطاح بتوازنات وقواعد كانت تبدو، قبل الحدث، أكثر رسوخا واستقرارا.
ولسنا هنا بصدد حصر تلك التحولات او اصدار حكم نهائي عليها، فذلك شأن يحتاج الى قراءة تاريخية هادئة، تتجاوز انفعال اللحظة، وتستوعب روايات الاطراف المختلفة، وتفصل بين الحدث في ذاته وبين التأويلات التي احاطت به.
ولعل اهم ما يمكن قوله اليوم، بعد اثني عشر عاما من 21 سبتمبر، ان الحدث لم يعد مجرد واقعة سياسية عابرة، بل صار جزءا من التاريخ اليمني المعاصر، بما حمله من اسئلة كبرى حول الدولة والشرعية والثورة والسلاح والتوافق الوطني، وحول طبيعة التحولات التي شهدها اليمن منذ 2011م وحتى اليوم.
ومن هنا، فان مهمة المؤرخ ليست ان يكون محاميا لهذا الطرف او ذاك، ولا ان يكتب التاريخ بعين المنتصر او المهزوم، وانما ان يحاول، قدر استطاعته، ان يفهم كيف وقع الحدث، ولماذا وقع، وما الذي انتجه، وكيف اعاد تشكيل اليمن، وان يترك للأجيال القادمة مادة تاريخية أكثر اتزانا، بدلا من ان يورثها روايات الصراع وحدها.
اقرأ أيضا:21 سبتمبر .. ثورة شعب لا يقبل التبعية




