كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية.. هل الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية؟

 يوميات البحث عن الحرية.. هل الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية؟

  •  عبد العزيز البغدادي

الاثنين 20 يوليو 2026-

هذا السؤال ضمن الاسئلة التي طُرحت خلال الندوة او الورشة التي أقامتها منظمة مواطنة الرائدة لحقوق الانسان يوم الخميس الماضي 16/ 7/ 2026.

وكمحاولة للإسهام في الاجابة أقول:

من البديهي التأكيد بأن تصرفات وأعمال الموظف العام والوظيفة العامة علنية ويجب ان تبقى كذلك لأنها خدمة عامة تقدم للمجتمع بمقابل محدود ومعين قانونا. فهي وظيفة مملوكة للشعب وتمول من المال العام، أي أن العلاقة فيها بين من يقدم الخدمة أي الموظف العام وبين من تقدم له وهو الشعب يجب أن تخضع للرقابة الشعبية.

وهذا المبدأ يتيح للشعب ممارسة حقه في الرقابة على أداء الوظيفة العامة والموظف العام سواء كان شكل الرقابة شعبيا تمارس في الدول الديمقراطية من خلال وسائل الاتصال – الصحافة – والاعلام أو مجلس النواب، أو من خلال الرقابة الرسمية كالجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وغيرها من أجهزة الرقابة والتفتيش والتحقيق داخل الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية والمختلطة.

والقضاء وأجهزة الضبط القضائي من أكثر مؤسسات الدولة حساسية، لاتصال عملها بحماية الحقوق والحريات عموما ، ومن أبرزها الحق في الحياة والحرية والحق في العمل وحرية التنقل وغيرها من الحقوق والحريات التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الانسان وجميعها من ضمن الحقوق والحريات التي تنتهكها جريمة الاختفاء القسري .

 اخفاء اي انسان بواسطة اي سلطة سواء كانت دستورية قانونية او تدعي انها كذلك أو أي سلطة تعد من جرائم ارهاب الدولة وهي كذلك جرائم ضد الإنسانية.

لفداحة اثارها المادية والنفسية على الشخص الذي وقعت عليه مباشرة وعلى اقاربه واسرته لما تسببه لهم جميعا من معاناة والام وقلق ورعب، وقد تتجاوزهم الى بث الرعب في اوساط المجتمع بكامله نظرا لما يرافقها من اشاعات وتوقعات يتناولها الرأي العام.

ومن المحزن ان مرتكب هذه الجريمة في الغالب هم من يفترض ان عليهم يقع واجب منع الجريمة قبل وقوعها وضبطها بعد وقوعها وهم رجال الامن.

ويصنف منتسبي اجهزه الامن عموما الى فرعين رئيسيين:

 الاول: أجهزه وادارات الامن العام .

 الثاني: اجهزة الامن السري التي أُطلق عليها في اليمن تسميات تعددت مع تعاقب الانظمة التي تفننت في تعذيب الناس جسديا ونفسيا مثل جهاز الامن السياسي والوطني والداخلي ومخابرات الدولة وجهاز الامن والمخابرات وغيرها من الاجهزة التي تعرف بإدارات الامن السري.

وكمبدأ قانوني واخلاقي عام فان اخفاء اي عمل او تصرف انما هو من عمل العصابات وليس من عمل رجال السلطة العامة التي تدرك مسؤولياتها الدستورية والقانونية.

اذ لا يخفي عمله او تصرفه الا من يخفي عمل او تصرف غير مشروع ومن المفترض ان رجال القضاء والامن الوطنيين الشرفاء لا يعملون الا لمصلحة الشعب والوطن وتحقيق العدالة ولهذا لا يوجد ما يخفونه او يخافون من اظهاره.

بل على العكس يهمهم ان يكون عملهم علنيا وشفافا.

ولا أخفى على القارئ العزيز انني ممن يشعر بالاسى حين اشاهد بعض المرافقين لبعض المسؤولين او رجال الضبط المروري او غيرهم من الملثمين.

إذ لا يخفي نفسه اثناء القيام باي عمل او تصرف الا رجال العصابات والارهابيين كي لا يعرف بل إن الاختفاء والتخفي معناه قيامهم بعمل يعد جريمة، وحين يبلغ عنهم من يتعرض للأذى لا يمكن الكشف عن هوية المجرم الملثم.

لقد كانت اجهزة الامن العام وحدها قبل الوحدة من تخضع تصرفاتها للرقابة الشعبية والرسمية لتطابق تصرفاتها شعارها العام المعروف (الشرطة في خدمة الشعب) هذا الشعار الذي صاحب انشاء اجهزة الامن والشرطة على اسس وطنية ديمقراطية واختفى او كاد.

إنه شعار يعطي الحق للمجتمع في التمسك بمقتضياته كرابط معبر عن مرجعية الشرعية والمشروعية الدستورية والقانونية.

ويوصف المنتسبين اليها بكونهم مأموري ضبط قضائي وهم جميع المؤسسات والمصالح والادارات التابعة لوزارة الداخلية، وجميعهم يخضعون في ادائهم لوظيفة الضبطية القضائية قانونا للنائب العام الذي يحق له سحب صفة الضبطية القضائية عن اي منهم في الحالات التي يبينها قانون الاجراءات الجنائية وفي إطار حماية وخدمة العدالة.

اما بعد الوحدة فقد ادرجت جميع اجهزة الامن العام والسري اي اجهزة المخابرات ومؤسساتها في إطار مأموري الضبط القضائي لان انشائها قد تم بموجب قوانين نصت على اعتبارهم من مأموري الضبط القضائي.

ولذلك ينطبق عليهم جميعا ما ينطبق على منتسبي الامن العام ومؤسساته، وبموجب قواعد القانون ذات العلاقة التي تحدد وجوب احترام القانون والتقيد بمقتضياته وخضوع عملهم للشفافية والعلانية وكل اجراءات الرقابة القانونية والقضائية الشعبية والرسمية، ومن حق النائب العام في الحالات القانونية نزع صفة الضبطية القضائية عن اي منهم ايضا.

ومن المعلوم ان قانون الاجراءات الجزائية قد اوجب على رجال الضبط القضائي حال ضبط من يرتكب اي جريمة ابلاغه عند القبض عليه بان من حقه الا يدلي باي اقوال او اعترافات الا بحضور محاميه، وان اي اقوال او اعترافات قد تستخدم ضده.

وهذا معناه التأكيد بان اعترافات المتهمين امام أجهزة الضبط لا يعتد بها، وأن الاعترافات امام القاضي هي التي يمكن استخدامها دليلا ضد المتهم يساند ويدعم بقية الادلة ويجب على القاضي التأكد من كون الاعترافات قد صدرت عنه وهو بكامل حريته واختياره ودون وجود ما يدل على وجود حالات تعذيب سابق أو لاحق للمحاكمة انتزع الاعتراف تحت تأثيرها.

وعمل المخابرات والامن السري من باب اولى ينبغي ان لا يعتمد على اي شكل من اشكال العنف والارهاب والا كان باطلا كلما بني عليه لأنه متعلق بالحق العام وسلطة القضاء والسلطات العليا من حقها وفقا للقانون العفو عن الجرائم فيما يتعلق بالحق العام وفق مقتضيات القانون، اما الحق الخاص فهو لأصحابه وليس لاي سلطة مهما علت ان تتعدى عليه بالعفو فالمجنى عليه او المتضرر هو من يحق له العفو في هذه الحالة.

واي تجاوز لهذه القواعد يبطل كل حكم او اجراء بني عليه.

والقضاء هو المخول بإلغاء اي اجراءات تخالف هذه القواعد وملزم بالحكم ببطلانها وببراءة المتهم والحكم بتعويضه.

وجريمة اخفاء الاشخاص قسريا ارتبط وجودها عبر التاريخ بوجود السلطات المستبدة، وتزداد حالات الاختفاء القسري اثناء الحروب والاضطرابات والانقسام كما هو حاصل اليوم في اليمن.

لان امراء الحرب او سلطات الامر الواقع أو ما يطلق عليها بالشرعية تتفنن كل منها في ممارسة جرائم وانتهاكات تمس حريات الانسان وحقوقه يعجز اللسان عن وصفه.

دقت طبول الحرب

 ضد الافاعي

دُكُّوا مآذن التكفير

وامتطوا صهوات الحروف

القصائد مفعمة بالأمل.

اقرأ أيضا:المواقف وحدها هي من يستحق الانحياز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى