فلسفة الزوال: إسرائيل بين كلفة البقاء ووهم القوة الطولي

فلسفة الزوال: إسرائيل بين كلفة البقاء ووهم القوة الطولي
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الثلاثاء 26 أغسطس 2026-
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي، الذي زرعه الغرب كقاعدةٍ متقدمةٍ للحفاظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية من المحيط إلى الخليج، بعد انسحابه العسكري من احتلال البلدان العربية – وإن كان انسحاباً صورياً – ما زالت إسرائيل تمضي يوماً بعد آخر في نهجها الأمثل: العربدة.
وهو أسلوب تميزت به منذ نشأتها في 14 مايو 1948م، دون أن يقف أمامها أي رادعٍ يعمل على تقليم أظفار طموحاتها خارج الأرض الفلسطينية التي اغتصبتها، بعد طرد الشعب العربي الفلسطيني ودفعه إلى الشتات في مختلف بلدان العالم.
وأمام هذا التغول والعلو الكبير للكيان، نجد أن دول الإقليم – بشكل عام – منكفئة على ذاتها، لأسباب تعود في الدرجة الأولى إلى نجاح كلٍ من بريطانيا وفرنسا، وحديثاً الولايات المتحدة الأمريكية، في هندسة خريطة الوطن العربي بعيداً عن مصلحة أبنائه، ولصالح إبقاء مصالح القوى الاستعمارية في الإقليم بمنأى عن أي تهديد، وربط علاقات وثيقة مع الكيانات السياسية المستحدثة على أنقاض الكيان العربي الواحد الذي عاش كتلة واحدة في كنف الدولة العثمانية، قبيل هزيمتها في الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، ثم تقسيم ممتلكاتها إلى كيانات متناحرة على الحدود، خدمةً لقوة الكيان الإسرائيلي.
والسؤال الذي يبحث عن إجابة: لماذا تستمر هذه العربدة الإسرائيلية في الإقليم كله، رغم أن جميع دول المنطقة تتماشى مع منطق قوتها ولا تحرك ساكناً تجاهها؟ ولماذا تظل العلاقات التصادمية معها مجزأة بصورة تمنح إسرائيل الاستفراد بكل دولة على حدة لتُظهر تفوقها عليها؟ ولماذا لا يتحول هذا التحدي الوجودي الذي يمثله الكيان الإسرائيلي لدول المنطقة إلى خلق تحالف دفاعي لمواجهته؟
يرتبط التفوق العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط بجملة من المعطيات التي منحته الاستمرار في العربدة دون أن يواجه صعوبات أو تحديات تُذكر تردعه، بل إن جملة من العوامل الجيوسياسية المرتبطة بتشابك المصالح الغربية في المنطقة منحته دافع القوة والاستمرار في العمل ككلب حراسة متقدم لتلك المصالح، ومن ذلك ما يأتي:
أولاً: الاحتماء بشبكة كبيرة من القواعد العسكرية الغربية في المنطقة:
تستند إسرائيل في تفوقها واستمرار نشاطها العدواني إلى شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية المنتشرة في مختلف دول المنطقة، ومنها تستمد القوة والمعلومة والتخطيط والتنفيذ بكل يسر وسهولة.
فتنفيذ الأهداف داخل الدول وهذا بالنسبة للدول الغربية يخضع لمعايير القانون الدولي واحترامه، لذلك تمتنع عن القيام بمثل هذه الأعمال التي تسبب لها الحرج،
وهنا يأتي دور كلب الحراسة المتقدم لتنفيذ كل الأعمال القذرة التي تترفع الدول الغربية عن تنفيذها في المنطقة، لتقوم بها إسرائيل، بوصفها القوة الغربية المزروعة في قلب الإقليم، كقاعدة متقدمة تمتلك كل أسباب القوة والتفوق التكنولوجي لتنفيذ كل ما يُطلب منها. وهنا يبقى الغرب بعيداً عن الحرج، بل يدخل كوسيط بين دول المنطقة وإسرائيل بعد أن يحقق ما يريد، وهذا ما نشاهده اليوم بين تركيا والولايات المتحدة وسوريا، بعد قيام إسرائيل بضرب قاعدة “أبو الظهور” الواقعة على بعد 55 كم من الحدود التركية؛ فإسرائيل تضرب وأمريكا تنظف وتجني الثمار. إذ لا يمكن تصور تحرك إسرائيل في أي مسار عسكري بعيداً عن توجهات الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الغربية الأولى في العالم والراعية للعربدة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، لأنها بالنسبة للأمريكيين حاملة طائرات في المنطقة أقل كلفة مالية من تحريك الجنود الأمريكيين لتحقيق الهدف نفسه.
ثانياً: تعزيز عامل البقاء لدى اليهود داخل الكيان:
تترافق مهام إسرائيل في المنطقة مع قاعدة أساسية هي تعزيز بقاء اليهود الذين تم جلبهم من الشتات إلى فلسطين. فعامل القوة والتفوق الذي منحه الغرب لإسرائيل من أجل استمرار مصالحه في الوطن العربي، ينسجم مع دورها ورغبتها في استخدام القوة المفرطة والضرب في جميع الاتجاهات، لإيصال رسالة إلى الداخل الإسرائيلي بأن دولتهم تمتلك القوة اللازمة لحمايتهم وبقائهم، وهذا يبعث في نفوس اليهود الطمأنينة للعيش في إسرائيل. كما أن استخدام الجيش الإسرائيلي للقوة المفرطة عند أي تصرف نابع من قاعدة مهمة هي “القتل من أجل البقاء”، وهذه الخاصية لازمت إسرائيل منذ نشأتها. لذلك فإن أي قوة تتشكل في الإقليم تنظر إليها كتهديد لوجودها، وتعمل بكل ما أوتيت من قوة على شيطنتها لدى الغرب، الراعي الرسمي لإسرائيل، لتسهيل عملية الاستفراد بها والانقضاض عليها بكل ما تملك من إمكانات. فكل حرب وكل هجمة تشنها عنوانها الرئيس هو بعث الطمأنينة في الداخل الإسرائيلي بأن يدها الطولى ستصل إلى كل من يهدد أمنها. وبهذه الطريقة تعطي إسرائيل لليهود صورة القوة التي لا تُقهر في المنطقة وتنعش لديهم آمال البقاء في هذا الكيان المهدد بالزوال. وعليه، فإن أي تهديد حقيقي سيقود إلى ما تخشاه إسرائيل دوماً: “الزوال الحتمي” والهجرة العكسية، أي عودة اليهود إلى أوطانهم الأصلية التي جُلبوا منها، لأن فلسفة بقاء إسرائيل مرهونة بمعادلة القوة ومضاعفتها وتفوقها على محيطها العربي والإسلامي، وأي اختلال في هذه المعادلة يُعد نذير شؤم وتهديداً وجودياً لبقاء هذا الكيان. إذ تؤكد مجريات الوقائع والأحداث أنه يعيش في حالة من التيه، بسبب تغير معادلات وتوازنات القوة في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد انكشاف الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الأخيرة مع إيران، التي رفعت من منسوب “الأدرينالين” لدى إسرائيل التي تعيش اليوم كابوس “العقد الثامن”، وأن موضوع البحث عن أعداء جُدد ليس إلا ذريعة من أجل إيهام اليهود بأن دولتهم لا تزال تملك القوة وتستطيع المواجهة على عدة جبهات، وهذا ليس إلا رسالة تطمين عابرة، أكثر منه اختباراً ومواجهة حقيقية يمكن أن تصطدم بها إسرائيل في مقبل الأيام، ويترتب عليه فتح الباب أمام رحيل اليهود عن فلسطين المغتصبة.
ثالثاً: ارتفاع كلفة البقاء:
يدرك القادة الإسرائيليون يقيناً أن موضوع الزوال مسألة وقت ليس أكثر، وأن استمرار الدعم الغربي الكبير لهم لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، لا سيما مع البطش وسفك الدماء في المنطقة. كما أنهم يدركون أن الغرب سيصل إلى مرحلة – وهي ليست ببعيدة في حسابات الكلفة – يرى فيها “أن كلفة زوال إسرائيل أخف من كلفة بقائها في المنطقة”، عندها تنتهي كل المزايا والدلال الذي أُحيطت به إسرائيل منذ نشأتها. وهذه المخاوف ليست بالنسبة لي مجرد أمانٍ أو تنجيم، بل هي قراءة موضوعية لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، الذي يقول: إن على إسرائيل الاعتماد على نفسها في صناعة أسلحتها، وعليها أن تصنع طائراتها الحربية بنفسها بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة ما أسماه رهن الدفاع بالخارج، حتى لا يأتي اليوم الذي يتم فيه قطعها أو منع إسرائيل من التزود بها. وهذه إشارة واضحة للمخاوف التي تعتري الاحتلال الإسرائيلي من كابوس الزوال الحتمي، وهو أمر إلهي حتمي لا بد منه عندما يستوفي العرب والمسلمون الشروط اللازمة للنصر، الذي ليس ببعيد، وإن غداً لناظره قريب..
- د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:صدور كتاب علي عبدالعزيز نصر الزلزلة العاتية عن اتحاد القوى الشعبية




