من جلسة ما بعد الظهر إلى تناوله صباحًا.. إلى أين يأخذنا القات؟

من جلسة ما بعد الظهر إلى تناوله صباحًا.. إلى أين يأخذنا القات؟
- بقلم: رجاء حمود الإرياني
الخميس 27 أغسطس 2026-
يُعدّ القات من أكثر الظواهر حضورًا في المجتمع اليمني، فقد ارتبط لعقود بالعادات والتقاليد واللقاءات الاجتماعية، وأصبح جزءًا من الحياة اليومية لدى شريحة واسعة من الناس.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده اليوم ليس فقط: لماذا نمضغ القات؟ بل: هل تغيّرت علاقتنا به؟
في السابق، كانت جلسة القات لدى كثير من الناس تبدأ بعد الظهر، عقب انتهاء الأعمال والالتزامات اليومية، لتكون مساحة للقاء وتبادل الأحاديث والنقاش. أما اليوم، فيلاحظ في بعض الأوساط أن موعد تناول القات بدأ يتقدم إلى ساعات الصباح، بل إن بعض الأشخاص قد يتناولونه قبل الذهاب إلى العمل أو أثناء ممارسة بعض أعمالهم اليومية.
وهذا التغير لا ينطبق على الجميع، ولا يعني أن المجتمع بأكمله غيّر عاداته، لكنه يفتح بابًا مهمًا للتساؤل: متى يتحول القات من عادة اجتماعية محددة الوقت إلى جزء من الروتين اليومي؟
حين يصبح القات جزءًا من اليوم
يرى بعض مستخدمي القات أنه يمنحهم شعورًا بالنشاط واليقظة والتركيز، إلا أن الشعور المؤقت بالنشاط لا يعني بالضرورة أن الجسم حصل على الراحة أو الطاقة التي يحتاج إليها.
فالنوم الكافي والغذاء المتوازن والراحة تبقى أساسًا لأداء الإنسان، ولا يمكن لأي منبه أن يحل محلها بصورة دائمة. كما أن الاعتماد المتكرر على المنبهات لأداء المهام اليومية قد يجعل الإنسان يربط قدرته على العمل أو التركيز بوجودها.
وهنا لا تعود القضية مرتبطة بوقت تناول القات فقط، وإنما بطبيعة العلاقة معه.
فعندما يشعر بعض المستخدمين بأنهم لا يستطيعون بدء يومهم أو أداء أعمالهم من دونه، يصبح السؤال أكبر من مجرد عادة اجتماعية؛ إذ قد يتحول القات تدريجيًا إلى جزء ثابت من الروتين اليومي.
ومع امتداد الجلسات لساعات طويلة لدى بعض الأشخاص، قد يتقلص الوقت المتاح للعمل أو الدراسة أو الأسرة والراحة، لتصبح المسألة في النهاية مرتبطة بكيفية إدارة الإنسان ليومه وأولوياته.
المال والوقت.. كلفة لا تُرى دائمًا
هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الكلفة الاقتصادية.
فالإنفاق المتكرر على القات قد يشكل عبئًا على ميزانية الأسرة، خصوصًا عندما يتحول إلى بند ثابت في المصروف اليومي. وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها كثير من الأسر، فإن المبالغ التي تُنفق بصورة يومية على هذه العادة قد تتحول على مدار الشهر أو العام إلى تكلفة ملحوظة.
أما الوقت، فهو كلفة أخرى قد لا يشعر بها الإنسان بصورة مباشرة.
فالساعات التي تستغرقها جلسات القات يمكن أن تُستثمر في العمل، أو التعليم، أو تطوير المهارات، أو ممارسة الرياضة، أو حتى قضاء وقت أطول مع الأسرة.
ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما ندفعه من المال، بل أيضًا بما ندفعه من الوقت.
حتى أماكن بيع القات تغيّرت
ولم يقتصر التغير في حضور القات على أوقات تناوله، بل امتد في بعض المناطق إلى طريقة بيعه وتقديمه.
فقد أصبحت بعض أماكن البيع أكثر تنظيمًا وتهيئة، وبات الاهتمام بالمكان وطريقة العرض أكثر وضوحًا.
ولا تكمن المفارقة في النظافة أو التنظيم بحد ذاتهما، فهما أمران إيجابيان، وإنما في الصورة التي يمكن أن يعكسها هذا المشهد عن المكانة التي يحتلها القات في الحياة اليومية.
وهنا يبرز سؤال آخر:
هل ما زال القات مجرد عادة اجتماعية، أم أصبح أيضًا سلعة ذات حضور اقتصادي واجتماعي متزايد؟
والأكثر إثارة للقلق.. الأطفال
من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها وصول القات إلى الأطفال في بعض البيئات.
فالطفل يحتاج إلى الغذاء السليم، والنوم الكافي، والتعليم، واللعب والرياضة، وليس إلى المواد المنبهة.
وقد يبدأ الأمر لدى بعض الأطفال بدافع الفضول أو تقليد الكبار، خصوصًا عندما يرون القات حاضرًا بصورة طبيعية ومتكررة في محيطهم.
وما قد يبدأ كتجربة عابرة يمكن أن يتحول إلى سلوك متكرر، ولذلك فإن حماية الأطفال من التعرض للقات مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام.
المطلوب هنا ليس تخويف الطفل أو مهاجمة الأسرة، وإنما بناء وعي مبكر يساعد على تقديم نماذج صحية للحياة، يكون فيها التعليم والرياضة واللعب والنشاط الاجتماعي بدائل أكثر فائدة.
كيف تغيّرت علاقتنا بالقات؟
ربما لم يعد السؤال الأهم هو: لماذا نمضغ القات؟
بل أصبح السؤال: كيف تغيّرت علاقتنا به؟
ففي الوقت الذي لا تزال فيه جلسة القات لدى كثير من الناس مرتبطة بوقت محدد وعادات اجتماعية معروفة، يلاحظ في بعض الأوساط تغير في توقيت تناوله وامتداد جلساته، إلى جانب اتساع حضوره الاقتصادي والاجتماعي ووصوله إلى الأطفال في بعض البيئات.
هذه التغيرات لا تعني أن المجتمع كله غيّر علاقته بالقات، لكنها تستحق التوقف عندها، لأنها تعكس تحولات في طريقة حضور هذه العادة داخل الحياة اليومية لبعض الناس.
والتعامل مع هذه الظاهرة لا يحتاج إلى مهاجمة الأشخاص أو إصدار الأحكام عليهم، بقدر ما يحتاج إلى وعي هادئ ومسؤول يضع صحة الإنسان، ووقت الأسرة، ومستقبل الأطفال في مقدمة الأولويات.
وربما يكون أهم ما نحتاج إليه اليوم هو أن نعيد النظر في علاقتنا بهذه العادة، وأن نسأل أنفسنا ببساطة:
متى تبدأ؟
كم من الوقت تأخذ؟
كم تكلفنا؟
وماذا تأخذ في المقابل من صحتنا ووقتنا وأسرتنا؟
فحين تتغير العادة، تتغير علاقتنا بها.
وحين يختار بعض الناس أن يبدأوا يومهم بالقات، ربما يكون من الضروري أن نتوقف قليلًا، لا لنصدر حكمًا، بل لنسأل:
إلى أين يأخذنا هذا التغيير؟
اقرأ أيضا:الإسلام وخلقنة السياسة



