اخبار محليةثقافة وسياحة

المقاشم.. حدائق التاريخ التي ذبلت في قلب صنعاء القديمة

المقاشم.. حدائق التاريخ التي ذبلت في قلب صنعاء القديمة

  • عبدالرحمن مطهر

السبت 5 سبتمبر 2026-

كما هو معلوم، فإن مدينة صنعاء القديمة تُعد إحدى أهم مراكز التراث الإنساني العالمي حسب تصنيف منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.

فصنعاء القديمة ليست فقط البيوت الطينية المزخرفة أو المبنية بالياجور والمتلاصقة ببعضها البعض في علاقة ود وحب لا تجدها في أي مدينة أخرى في العالم.

ولا تمتاز فقط بوجود الجامع الكبير الذي أمر ببنائه نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بالمساجد العتيقة التاريخية ذات المآذن السامقة التي تخترق السماء، أو الأزقة الضيقة التي تحكي جميعها قصة مدينة فاتنة ساحرة يعشقها كل من زارها ويتمنى زيارتها مرات عديدة، حتى سكان العاصمة صنعاء لا يملّون أبداً من زيارتها كل يوم.

وبالرغم من امتياز مدينة صنعاء القديمة عن غيرها من مدن العالم التاريخية بكل ذلك، إلا أن هناك شيئاً آخر يميزها عن غيرها من مدن العالم، ألا وهو وجود “المقاشم”، أقدم حدائق في التاريخ.

والمقاشم.. هي مساحات خضراء تشبه البساتين، أو الحدائق الصغيرة، وقد اشتُق اسمها من كلمة “القشمي” أي الفجل. وبالمناسبة، كلمة قشمي كلمة يمنية حميرية، وقد وُجدت بهذا اللفظ في النقوش المسندية، وليست مجرد كلمة في اللهجة المحلية الدارجة كما يعتقد البعض.

ويلاحظ أن مدينة صنعاء القديمة فقدت العديد من مقوماتها الحضارية والتاريخية، خاصة خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، بسبب افتقاد الكثير من سكان المدينة لمصادر الدخل، الأمر الذي أثر بشكل كبير على ترميم العديد من البيوت القديمة فأُهملت وتهدم الكثير منها، لا سيما خلال مواسم الأمطار. كما فقدت المدينة التاريخية المساحات الخضراء التي كانت تكتسي بها، وأصبحت هذه المقاشم أو المساحات الخضراء عبارة عن صحاري جرداء مغبرة ومكبات للقمامة، وعرضة أيضاً للسطو.

بداية ظهور المقاشم

تشير المصادر التاريخية أن مدينة صنعاء القديمة كانت تستفيد من الغيول التي كانت تنزل إليها من جبل نقم شرق المدينة، خاصة غيل البرمكي والغيل الأسود، وكلاهما كان ينبع من أعالي جبل نقم في اتجاهين مختلفين، وكان هذان الغيلان يغذيان مختلف مساجد صنعاء القديمة بالمياه وكذلك المنازل. وكان لكل مسجد حوض كبير أو ما يسمى بـ “البرك”، وتم عمل سواقي فرعية إلى مختلف المساجد التي يزيد عددها عن خمسين مسجداً.

وبما أن المياه أصبحت جارية إلى المساجد، فقد حتم ذلك على سكانها والقائمين عليها في ذلك الوقت البعيد البحث عن أنسب الطرق ليس تصريفها فحسب، بل واستغلالها بصورة أمثل وآمنة حتى لا تؤثر على المنازل وأساساتها.

ومن هنا جاءت فكرة المقاشم أو المساحات الخضراء، حيث كان لكل مسجد من مساجد صنعاء القديمة مقشامة خاصة به لتصريف المياه ولتكون متنفساً للمدينة، وكانت المنازل تحيط بهذه المقاشم من كل جانب. بمعنى أن عدد المقاشم في صنعاء القديمة كان بعدد المساجد، أي أكثر من خمسين مقشامة، إضافة إلى البساتين الخاصة المملوكة لسكان المدينة، وكان عددها لا بأس به، خاصة أن البيوت الكبيرة كانت لها أبار خاصة بها ولها بساتين أو حدائق وهي معروفة، وقد تم بناء منازل فيها في السنوات الماضية وبعضها جرداء.

وقد شكّلت هذه المقاشم أو المساحات الخضراء ما نسبته 70% من مساحة المدينة، بينما اليوم وللأسف الشديد باتت تلك المساحة والبساتين لا تشكل حتى 30% فقط لأسباب سنذكرها خلال الأسطر القادمة.

أهميتها

تُعتبر المقاشم والبساتين في صنعاء القديمة الرئة الخضراء التي تتنفس منها المدينة، التي تقع على ارتفاع يتجاوز 2400م هذا الارتفاع لا يسمح لها بتوفر الأوكسجين بالشكل المطلوب أو بدخول أشعة الشمس عبر نوافذ المنازل. وبالتالي عملت هذه المقاشم والبساتين على توفير الأوكسجين، كما وفرت لسكان المدينة الكثير من الاحتياجات من الخضروات كالكراث والكزبرة والبقدونس والنعناع والريحان والشذاب والشمر والفلفل، إلى جانب توفير بعض الفواكه خاصة الخوخ (الفرسك) والمشمش والتوت، والتي كانت تُزرع في أطراف المقشامة وليس في وسطها. وكانت هذه المقاشم تمثل متنفساً هاماً ليس للمساكن المحيطة بها فحسب بل لمختلف سكان المدينة.

فلم تكن المقاشم إلى زمن ليس ببعيد مكاناً لبيع الخضار فقط، وإنما ملتقى جماعياً لأبناء الحي، صارت زيارتها من طقوس المدينة المعتادة خاصة في شهر رمضان وفي الأعياد، حيث يتم تركيب “المدرهة” خاصة في عيد عرفة مع الأهازيج الخاصة بالحج. كما لا يجد سكان المدينة، خاصة النساء، متنفساً إلا هذه المقاشم وتحديداً من بعد صلاة العصر إلى قبيل المغرب. هذا البعد الاجتماعي جعل من المقاشم فضاءات للود والإخاء، ومتنزهات شعبية مجانية.

ولهذا لم يكن وجود هذه المساحات الخضراء وسط الأحياء السكنية المتلاصقة صدفة؛ بل كان جزءاً من تخطيط حضري قديم، جعل المباني تلتف حولها لتبقى قريبة من الناس، ومرتبطة بالمساجد، ومتصلة بالحياة اليومية.

حالها حالياً

بالرغم من جمال المقاشم وأهميتها، إلا أن الواقع اليوم يروي لنا قصة حزينة عن حالها وحال المدينة عموماً، حيث تحولت هذه المساحات الخضراء إلى صحاري جرداء تنتشر فيها الأوساخ والغبار كما في الصور، بعد أن كانت واحات خضراء تغازل المنازل التاريخية. كما استطاع الزحف العمراني أن يغزوها ويستولي على أجزاء واسعة منها. ويرجع الكثير من أهالي المدينة ممن التقيت بهم هذا الإهمال إلى شح المياه وهو السبب الأول، بعد أن تم تحويل مياه المساجد إلى المجاري وجفاف الكثير من آبار المساجد، وكذلك تقاسم ورثة القائمين على هذه المقاشم لهذه المساحات والبناء عليها بعد أن كبرت أسرهم. كل ذلك وغيره كان من أبرز العوامل التي ساهمت في هذا التدهور، خاصة مع إهمال الجهات المختصة.

إعادة إحياء المقاشم

قبل سنوات، تم تنفيذ مشروع لإعادة تأهيل المقاشم، ممول من قبل الصندوق الاجتماعي للتنمية. هذا المشروع استطاع أن يحافظ على ما تبقى من مساحات هذه المقاشم بالرغم من أنها صحراء جرداء مغبرة، حيث جُددت أسوارها وعُملت السواقي وما إلى ذلك. إلا أن هذا المشروع لم يستطع أن يعيد الحياة لهذه المقاشم بسبب افتقاره لأبرز العوامل وهو توفير المياه. ورغم أنه عمل على توفير شبكات مياه حديثة، إلا أن كل ذلك تدمر وانتهى بسبب الإهمال وعدم وجود الإرادة لإعادة الحياة إليها خاصة مع عدم توفير المياه التي كانت المساجد المصدر الرئيسي لها.

انتشار القمامة

وكما هو واضح من الصور، يشاهد الزائر انتشار الكثير من أكوام القمامة والمخلفات في هذه المقاشم، فتحولت من مصدر للأوكسجين وأشعة الشمس والرئة التي تتنفس منها المدينة، وتمنح سكانها راحة بصرية ونفسية وروحية، وتخفف من وطأة الغبار والازدحام، إلى مصدر للتلوث الذي يهدد سكان المدينة بمختلف الأمراض والأوبئة، كأمراض الربو وغيرها.

خاتمة

وفي الختام، يدعو الكثير من سكان المدينة ومحبيها إلى إعادة إحياء المقاشم، خاصة مع التوجهات الجديدة للحكومة نحو الزراعة والاكتفاء الذاتي، وذلك من خلال إعادة تصريف مياه الوضوء بالمساجد إليها، وحماية أراضيها من السطو سواء من المتنفذين أو من القائمين عليها، وتشجيع المزارعين على زراعتها.

فمقاشم صنعاء ليست مجرد حقول صغيرة؛ بل ذاكرة مدينة، وفضاء اجتماعي، ورئة بيئية، ومقصد سياحي لكل زائري المدينة، وشاهداً حياً على التاريخ العريق والطويل من التعايش بين الإنسان والطبيعة. لكن هذا التراث مهدد اليوم بالاندثار بفعل الزحف العمراني والإهمال المتعمد.

لذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستعيد صنعاء القديمة مقاشمها كحدائق فاتنة، أم تظل شاهداً صامتاً على حضارة وتاريخ اندثر بإهمالنا وعدم مبالاتنا؟

اقرأ أيضا:يا جانيات العناقيد    طاب العنب طاب ياغيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى