مِنْ زَمَنِ الضَّبَابِ إِلَى زَمَنِ الْبَصِيرَةِ .. قِرَاءَةٌ فِي مَآلِ الْأُمَّةِ بَيْنَ فَوْضَى الْحَاضِرِ وَاحْتِمَالَاتِ الْغَدِ

مِنْ زَمَنِ الضَّبَابِ إِلَى زَمَنِ الْبَصِيرَةِ .. قِرَاءَةٌ فِي مَآلِ الْأُمَّةِ بَيْنَ فَوْضَى الْحَاضِرِ وَاحْتِمَالَاتِ الْغَدِ
بقلم: د.عبدالرحمن المؤلف
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026-
لَيْسَ أَخْطَرَ عَلَى أُمَّةٍ مِنْ أَنْ تَفْقِدَ الْقُدْرَةَ عَلَى رُؤْيَةِ مَا يَجْرِي فِي حَاضِرِهَا، فَإِذَا اخْتَلَطَتِ الْبَصِيرَةُ بِالضَّبَابِ، وَتَحَوَّلَتِ الْحَقَائِقُ إِلَى رِوَايَاتٍ مُتَنَازِعَةٍ، وَأَصْبَحَتِ الْمَنَابِرُ أَكْثَرَ مِنَ الْعُقُولِ، لَمْ تَعُدِ الْأَزْمَةُ أَزْمَةَ سِيَاسَةٍ فَقَطْ، بَلْ تَصِيرُ أَزْمَةَ وَعْيٍ وَمَعْنًى وَاتِّجَاهٍ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهَدُ الَّذِي تَقِفُ أَمَامَهُ الْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْإِسْلَامِيَّةُ الْيَوْمَ: أَرْضٌ تَتْعَبُ قَبْلَ أَوَانِهَا، وَدُوَلٌ تُثْقِلُهَا الْأَزَمَاتُ، وَمُجْتَمَعَاتٌ تَتَآكَلُ مِنْ دَاخِلِهَا، وَنِظَامٌ إِقْلِيمِيٌّ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى إِنْتَاجِ قَوَاعِدِ أَمْنِهِ وَمَصَالِحِهِ بِصُورَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
لَيْسَ هَذَا تَشَاؤُمًا؛ بَلْ هُوَ تَشْخِيصٌ لِمَسَارٍ تَؤَكِّدُهُ مُؤَشِّرَاتٌ اقْتِصَادِيَّةٌ وَأَمْنِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ مُتَرَاكِمَةٌ.
فَتَقَارِيرُ الْبَنْكِ الدُّوَلِيِّ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ مِنْطَقَةَ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ وَشَمَالِ إِفْرِيقْيَا وَاجَهَتْ فِي ٢٠٢٦ صَدْمَاتٍ مُتَرَاكِبَةً مِنَ الصِّرَاعَاتِ وَاضْطِرَابِ مَمَرَّاتِ الطَّاقَةِ وَالْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ، مَعَ تَرَاجُعٍ مُتَوَقَّعٍ فِي مُعَدَّلِ النُّمُوِّ. وَهِيَ لَيْسَتْ مُشْكِلَةَ نَاتِجٍ مَحَلِّيٍّ فَقَطْ، بَلْ أَزْمَةُ نُمُوْذَجٍ تَنْمَوِيٍّ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الْحُرُوبُ مَعَ ضَعْفِ الْحَوْكَمَةِ وَهَشَاشَةِ سُوقِ الْعَمَلِ وَضَعْفِ الْإِنْتَاجِيَّةِ.
لَيْسَ الطُّوفَانُ مَاءً فَقَطْ
حِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ «الطُّوفَانِ» الَّذِي يَعْبُرُ الْأَوْطَانَ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ نَقْصِدَ طُوفَانًا مِنْ مَاءٍ؛ فَثَمَّةَ طُوفَانٌ سِيَاسِيٌّ، وَطُوفَانٌ اقْتِصَادِيٌّ، وَطُوفَانٌ إِعْلَامِيٌّ، وَطُوفَانٌ مِنَ الْهُوِيَّاتِ الْفَرْعِيَّةِ وَالاصْطِفَافَاتِ الْمُتَنَاقِضَةِ.
وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَشْهَدِ، تَتَحَوَّلُ الْفَوْضَى مِنْ حَالَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ إِلَى بِنْيَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ.
فَالدَّوْلَةُ الَّتِي تَفْقِدُ قُدْرَتَهَا عَلَى تَأْمِينِ مَوَارِدِهَا، وَإِدَارَةِ خِلَافَاتِهَا، وَحِمَايَةِ سُكَّانِهَا، وَصِيَانَةِ قَرَارِهَا السِّيَادِيِّ، تَدْخُلُ تَدْرِيجِيًّا فِي مَا يُسَمَّى فِي أَدَبِيَّاتِ الدِّرَاسَاتِ السِّيَاسِيَّةِ بِـ«هَشَاشَةِ الدَّوْلَةِ».
وَالْأَخْطَرُ أَنْ تَتَحَوَّلَ هَذِهِ الْهَشَاشَةُ إِلَى انْقِسَامٍ مُؤَسَّسِيٍّ، حَيْثُ تَتَعَدَّدُ مَرَاكِزُ الْقَرَارِ، وَتَنْقَسِمُ الْمَوَارِدُ، وَتَتَبَايَنُ الْمَؤَسَّسَاتُ، وَيَصِيرُ الْوَطَنُ جُغْرَافِيَّةً وَاحِدَةً بِأَنْظِمَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَلَيْسَ الْمَشْهَدُ الْيَمَنِيُّ بَعِيدًا عَنْ هَذَا التَّوْصِيفِ؛ فَالْبَنْكُ الدُّوَلِيُّ يَرْصُدُ اسْتِمْرَارَ التَّجَزُّؤِ الْمُؤَسَّسِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ فِي الْيَمَنِ، وَتَعَدُّدَ الْمَنَاطِقِ الاقْتِصَادِيَّةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ النَّقْدِيَّةِ وَأَسْعَارِ الصَّرْفِ، مَعَ انْكِمَاشِ النَّاتِجِ الْمَحَلِّيِّ وَتَزَايُدِ الضُّغُوطِ الْمَعِيشِيَّةِ.
وَهُنَا يَكْمُنُ الدَّرْسُ: حِينَ تَتَشَظَّى الدَّوْلَةُ، لَا يَتَشَظَّى الْقَرَارُ السِّيَاسِيُّ وَحْدَهُ، بَلْ يَتَشَظَّى مَعَهُ الاقْتِصَادُ وَالْمُجْتَمَعُ وَالذَّاكِرَةُ وَالْمُسْتَقْبَلُ.
حِينَ يَتَقَدَّمُ الْجَاهِلُ إِلَى الْمِنْبَرِ
لَعَلَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يَحْدُثُ فِي أَزْمَاتِ الْأُمَمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَهْلُ الضَّجِيجِ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
فِي الْعَصْرِ الرَّقْمِيِّ، لَمْ تَعُدِ الْمَعْرِفَةُ هِيَ الَّتِي تَفْرِضُ نَفْسَهَا بِالضَّرُورَةِ؛ فَقَدْ تَفْرِضُ الْخُرَافَةُ نَفْسَهَا بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ، وَيُمْكِنُ لِمَقْطَعٍ مُجْتَزَأٍ أَوْ خَبَرٍ غَيْرِ مُوَثَّقٍ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَلَايِينِ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ التَّصْحِيحُ إِلَى عَشَرَاتِ الْآلَافِ.
وَهَذَا مَا يَجْعَلُ مَعْرَكَةَ الْأُمَّةِ الْمُعَاصِرَةَ مَعْرَكَةَ وَعْيٍ بَقَدْرِ مَا هِيَ مَعْرَكَةُ سِيَاسَةٍ وَاقْتِصَادٍ.
فَالْخَطَرُ لَيْسَ فِي أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى بِلَا بَصَرٍ؛ الْخَطَرُ أَنْ يُقْنَعَ الْأَعْمَى بِأَنَّهُ يَرَى، وَأَنْ يُقْنَعَ الْمُجْتَمَعُ بِأَنَّ السَّرَابَ مَاءٌ، وَأَنْ تُقَدَّمَ الْأَزْمَةُ عَلَى أَنَّهَا نَصْرٌ، وَالانْقِسَامُ عَلَى أَنَّهُ وَحْدَةٌ، وَالتَّبَعِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا سِيَادَةٌ.
وَمِنْ هُنَا تَتَحَوَّلُ الْمَعْرَكَةُ الْحَقِيقِيَّةُ إِلَى مَعْرَكَةٍ عَلَى «مَنْ يَمْلِكُ تَعْرِيفَ الْوَاقِعِ؟».
فَمَنْ يَمْلِكُ الْمَنْبَرَ، وَالْمَنْصَّةَ، وَالْمَعْلُومَةَ، وَقُدْرَةَ تَشْكِيلِ الرَّأْيِ الْعَامِّ، يَمْلِكُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ مَقْدِرَةِ صِيَاغَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
غَزَّةُ لَيْسَتْ حَدَثًا مَعْزُولًا
وَلِهَذَا فَإِنَّ غَزَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَلَفٍّ إِنْسَانِيٍّ أَوْ حَرْبٍ مَحْدُودَةٍ فِي بُقْعَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ صَغِيرَةٍ؛ إِنَّهَا اخْتِبَارٌ عَمَلِيٌّ لِلنِّظَامِ الْإِقْلِيمِيِّ وَالدُّوَلِيِّ، وَلِمَدَى قُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ الدُّوَلِيَّةِ عَلَى حِمَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَإِنْفَاذِ قَوَاعِدِ الْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ الْإِنْسَانِيِّ.
وَحَتَّى فِي صَيْفِ ٢٠٢٦، كَانَتْ تَقَارِيرُ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ تَرْصُدُ اسْتِمْرَارَ النَّزُوحِ وَالْعَمَلِيَّاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالْقُيُودِ عَلَى الْمُسَاعَدَاتِ وَتَدَهْوُرَ الْأَوْضَاعِ الْمَعِيشِيَّةِ فِي قِطَاعِ غَزَّةَ.
وَفِي الضِّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، يَتَزَايَدُ النُّزُوحُ وَتَتَّسِعُ قُيُودُ الْحَرَكَةِ وَتَتَوَاصَلُ التَّهْدِيمَاتُ وَالاعْتِدَاءَاتُ، وَهُوَ مَا يَجْعَلُ الْقَضِيَّةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ أَكْبَرَ مِنْ كَوْنِهَا نِزَاعًا حُدُودِيًّا: إِنَّهَا صِرَاعٌ عَلَى الْأَرْضِ وَالسِّيَادَةِ وَالْهُوِيَّةِ وَالنِّظَامِ الدُّوَلِيِّ نَفْسِهِ.
وَهُنَا يَظْهَرُ التَّنَاقُضُ الْكَبِيرُ: فِي حِينِ تَتَحَدَّثُ الْقُوَى الدُّوَلِيَّةُ عَنْ «النِّظَامِ الْقَائِمِ عَلَى الْقَوَاعِدِ»، يَرَى الْمُجْتَمَعُ الْعَرَبِيُّ وَالْإِسْلَامِيُّ فِي غَزَّةَ مَشْهَدًا يَجْعَلُ الْفَاصِلَ بَيْنَ النَّصِّ الْقَانُونِيِّ وَقُدْرَةِ إِنْفَاذِهِ مَحَلَّ سُؤَالٍ كَبِيرٍ.
وَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْبِئْرِ
فِي التَّارِيخِ السِّيَاسِيِّ لِلأُمَمِ، تَتَكَرَّرُ أَحْيَانًا سُنَنٌ غَرِيبَةٌ: قَدْ يَمُرُّ الْإِنْسَانُ بِأَشَدِّ مَرَاحِلِهِ ظُلْمَةً، ثُمَّ يَكْتَشِفُ أَنَّ تِلْكَ الظُّلْمَةَ كَانَتْ مَرْحَلَةَ تَكَوُّنٍ لِرُؤْيَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَهُنَا يَحْضُرُ مَثَلُ يُوسُفَ فِي الْمُخَيَّلَةِ الْحَضَارِيَّةِ: بِئْرٌ، ثُمَّ غُرْبَةٌ، ثُمَّ سِجْنٌ، ثُمَّ تَأْوِيلٌ، ثُمَّ تَمْكِينٌ.
لَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ نُسَاوِيَ التَّارِيخَ الْمُعَاصِرَ بِالْقِصَّةِ، وَلَا أَنْ نُحَوِّلَ الدِّينَ إِلَى نَبُوءَةٍ سِيَاسِيَّةٍ؛ بَلِ الْمَقْصُودُ اسْتِحْضَارُ مَعْنًى أَعْمَقَ: أَنَّ الْمِحْنَةَ لَا تُحَدِّدُ وَحْدَهَا النِّهَايَةَ؛ الَّذِي يُحَدِّدُهَا هُوَ مَا تَفْعَلُهُ الْأُمَمُ بِالْمِحْنَةِ.
فَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَكْثَرَ انْقِسَامًا، وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ أَكْثَرَ وَعْيًا.
الْعَرَبُ أَمَامَ سُؤَالِ السِّيَادَةِ
إِنَّ أَكْبَرَ أَسْئِلَةِ الْمَرْحَلَةِ لَيْسَ: مَنْ انْتَصَرَ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ؟ بَلْ: مَنْ يَمْلِكُ قَرَارَهُ؟
فَالسِّيَادَةُ فِي الْمَفْهُومِ السِّيَاسِيِّ الْحَدِيثِ لَيْسَتْ شِعَارًا؛ إِنَّهَا قُدْرَةُ الدَّوْلَةِ عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارَاتِهَا الْأَسَاسِيَّةِ وَحِمَايَةِ مَصَالِحِهَا وَإِدَارَةِ مَوَارِدِهَا وَتَحَمُّلِ تَبِعَاتِ سِيَاسَاتِهَا.
وَإِذَا كَانَتْ دُوَلُ الْمِنْطَقَةِ تَنْفِقُ مِئَاتِ الْمِلْيَارَاتِ عَلَى الْأَمْنِ وَالتَّسَلُّحِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ يَبْقَى قَائِمًا: هَلْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى بِنَاءِ اسْتِقْلَالٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ حَقِيقِيٍّ؟
تُقَدِّرُ «سِيبْرِي» الْإِنْفَاقَ الْعَسْكَرِيَّ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ بِنَحْوِ ٢١٨ مِلْيَارَ دُولَارٍ فِي ٢٠٢٥، بَيْنَمَا أَصْبَحَتِ الْمِنْطَقَةُ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ اسْتِيرَادًا لِلأَسْلِحَةِ؛ فَقَدْ اسْتَحْوَذَ الشَّرْقُ الْأَوْسَطُ عَلَى ٢٧٪ مِنْ وَارِدَاتِ الْأَسْلِحَةِ الرَّئِيسِيَّةِ فِي الْعَالَمِ خِلَالَ ٢٠٢٠–٢٠٢٤.
وَهُنَا تَبْدُو الْمُفَارَقَةُ: الْقُوَّةُ الَّتِي لَا تُنْتِجُ اسْتِقْلَالًا فِي الْقَرَارِ قَدْ تَكُونُ قُوَّةً مَالِيَّةً أَوْ تَسْلِيحِيَّةً، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ قُوَّةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً.
الْيَمَنُ: حِينَ يَتَحَوَّلُ الْهَامِشُ إِلَى مَسْرَحٍ إِقْلِيمِيٍّ
وَلَعَلَّ الْيَمَنَ يُقَدِّمُ أَكْثَرَ النَّمَاذِجِ دَلَالَةً عَلَى تَحَوُّلِ الْهَامِشِ إِلَى مَرْكَزٍ.
فَاليمن الَّتِي عَانَتْ سِنِينَ مِنَ الْحَرْبِ وَالانْقِسَامِ وَالضُّغُوطِ الاقْتِصَادِيَّةِ لَمْ تَعُدْ تُقْرَأُ فِي الْمَشْهَدِ الْإِقْلِيمِيِّ بِوَصْفِهَا مَلَفًّا دَاخِلِيًّا فَقَطْ؛ فَمَوْقِعُهَا الْجُغْرَافِيُّ عَلَى بَابِ الْمَنْدَبِ وَاتِّصَالُهَا بِأَحَدِ أَهَمِّ مَمَرَّاتِ التِّجَارَةِ وَالطَّاقَةِ فِي الْعَالَمِ جَعَلَا منها جُزْءًا مِنْ مُعَادَلَاتِ الْأَمْنِ الْإِقْلِيمِيِّ وَالدُّوَلِيِّ.
وَلَكِنَّ هُنَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ دَقِيقِينَ: فَصُعُودُ دَوْرِ الْفَاعِلِينَ الاقليمين لَا يَعْنِي تِلْقَائِيًّا قُدْرَتَهُمْ عَلَى بِنَاءِ دَوْلَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ؛ فَهُنَاكَ فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي مَوَازِينِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِنْتَاجِ نِظَامٍ سِيَاسِيٍّ مُسْتَقِرٍّ وَعَادِلٍ.
وَهُوَ تَمْيِيزٌ يَنْبَغِي أَلَّا نَفْقِدَهُ فِي ضَجِيجِ الْمَعَارِكِ.
سَبْعُ سِنِينَ أَمْ سَبْعَ مَرَاحِلَ؟
الْأُمَمُ لَا تَقِيسُ الْأَزْمَاتِ بِعَدَدِ سَنَوَاتِهَا فَقَطْ، بَلْ بِمَا تَتْرُكُهُ مِنْ آثَارٍ فِي الْبِنْيَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَالْأَزْمَةُ الَّتِي تَطُولُ قَدْ تَسْتَهْلِكُ رَأْسَ الْمَالِ الْبَشَرِيَّ، وَتُفْقِدُ الشَّبَابَ الثِّقَةَ بِالْمُؤَسَّسَاتِ، وَتَجْعَلُ الْهَجْرَةَ بَدِيلًا عَنِ الْمُشَارَكَةِ، وَتُحَوِّلُ الْمُجْتَمَعَ مِنْ مُنْتِجٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ إِلَى مُسْتَهْلِكٍ لِلْأَزْمَاتِ.
وَهُنَا يَلْتَقِي الْبُعْدُ السِّيَاسِيُّ بِالْبُعْدِ التَّنْمَوِيِّ.
فَتَقْرِيرُ التَّنْمِيَةِ الْبَشَرِيَّةِ لِلأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ لِعَامِ ٢٠٢٣/٢٠٢٤ حَذَّرَ مِنْ «الطَّرِيقِ الْمُسْدُودِ» النَّاتِجِ عَنْ عَدَمِ تَكَافُؤِ التَّقَدُّمِ، وَتَصَاعُدِ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ وَالاسْتِقْطَابِ السِّيَاسِيِّ، وَرَبَطَ ذَلِكَ بِالْحَاجَةِ إِلَى تَعْزِيزِ التَّعَاوُنِ مُتَعَدِّدِ الْأَطْرَافِ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمِحْنَةِ لَيْسَ بِمَجْرَّدِ إِيقَافِ الْقَتَالِ؛ فَالسَّلَامُ الْحَقِيقِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ بِنَاءِ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَإِصْلَاحِ الاقْتِصَادِ، وَتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ، وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الثِّقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ.
وَمَاذَا بَعْدَ الْمِحْنَةِ؟
هُنَا تَبْدَأُ الْمَسْأَلَةُ الْأَهَمُّ.
لَا يَنْبَغِي لِلْعَرَبِ وَالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الْمَرْحَلَةِ الرَّاهِنَةِ عَلَى أَنَّهَا نِهَايَةُ التَّارِيخِ.
فَالتَّارِيخُ لَا يَمْشِي فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ؛ إِنَّهُ يَنْكَسِرُ وَيَعُودُ، وَيَصْعَدُ وَيَهْبِطُ، وَتَسْقُطُ مَرَاكِزُ وَتَنْهَضُ أُخْرَى.
وَلَكِنَّ النَّهْضَةَ لَا تَأْتِي بِالْأُمْنِيَاتِ.
إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ بِنَاءِ مَفْهُومِ الْمَصْلَحَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِلَى تَفْعِيلِ أُطُرِ التَّكَامُلِ الاقْتِصَادِيِّ، وَتَوْطِينِ التِّقْنِيَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَتَقْوِيَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَإِنْهَاءِ اعْتِمَادِ الْأَمْنِ الْإِقْلِيمِيِّ عَلَى الْمُظَلَّاتِ الْخَارِجِيَّةِ وَحْدَهَا.
كَمَا أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى مُصَالَحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ الْوَاقِعِ: لَا تَقْدِيسَ لِلْهَزِيمَةِ، وَلَا إِنْكَارَ لِلنَّجَاحِ، وَلَا تَحْوِيلَ لِكُلِّ نَكْسَةٍ إِلَى «مُؤَامَرَةٍ»، وَلَا تَحْوِيلَ لِكُلِّ مُقَاوَمَةٍ إِلَى «فَوْضَى»، وَلَا تَحْوِيلَ لِكُلِّ عَلاقَةٍ دُوَلِيَّةٍ إِلَى «تَبَعِيَّةٍ» بِدُونِ تَحْلِيلٍ.
الْوَعْيُ السِّيَاسِيُّ النَّاضِجُ يَرْفُضُ الْأَحْكَامَ الْجَاهِزَةَ، وَيَسْأَلُ دَائِمًا: مَنْ يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ؟ مَنْ يَمْلِكُ الْمَصْلَحَةَ؟ مَنْ يَمْلِكُ الْقَرَارَ؟ وَمَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَ السِّيَاسَةِ؟
إِنَّمَا الْمُسْتَقْبَلُ لِمَنْ يَتَعَلَّمُ مِنَ الْمَاضِي
لَا تَكْمُنُ الْبِشَارَةُ فِي أَنْ تَنْتَهِيَ الْأَزْمَةُ وَحْدَهَا؛ بَلْ فِي أَنْ تَنْتَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَنْتَجَتِ الْأَزْمَةَ.
فَإِذَا خَرَجَتِ الْأُمَّةُ مِنْ حَرْبٍ وَهِيَ تَنْتَظِرُ حَرْبًا أُخْرَى، فَلَمْ تَتَعَلَّمْ.
وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ انْقِسَامٍ وَهِيَ تُعِدُّ لانْقِسَامٍ جَدِيدٍ، فَلَمْ تَتَعَلَّمْ.
وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ تَبَعِيَّةٍ لِتَدْخُلَ فِي تَبَعِيَّةٍ أُخْرَى، فَلَمْ تَتَعَلَّمْ.
أَمَّا إِذَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُحَوِّلَ الْوَجَعَ إِلَى مَعْرِفَةٍ، وَالْهَزِيمَةَ إِلَى مُرَاجَعَةٍ، وَالْحِصَارَ إِلَى اعْتِمَادٍ عَلَى الذَّاتِ، وَالانْقِسَامَ إِلَى دَرْسٍ فِي أَهَمِّيَّةِ الْوَحْدَةِ، فَإِنَّ الْمِحْنَةَ لَنْ تَكُونَ قَدَرًا نِهَائِيًّا.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا تَحْتَاجُهُ الْأُمَّةُ الْيَوْمَ هُوَ أَنْ تَسْتَعِيدَ قُدْرَةَ الرُّؤْيَةِ.
أَنْ تَرَى الْوَاقِعَ كَمَا هُوَ، لَا كَمَا تُرِيدُهُ الدِّعَايَةُ.
أَنْ تَرَى الْقُوَّةَ وَهِيَ تَتَشَكَّلُ، وَالضَّعْفَ وَهُوَ يَتَرَسَّخُ.
أَنْ تَرَى الْخَصْمَ بِعَقْلٍ، وَالصَّدِيقَ بِعَقْلٍ، وَالنَّفْسَ بِقَدْرٍ أَكْبَرَ مِنَ الْعَقْلِ.
فَالأُمَمُ لَا تَهْلِكُ لِأَنَّهَا مَرَّتْ بِالْمِحَنِ؛ تَهْلِكُ حِينَ تَفْقِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى فَهْمِهَا.
وَلَيْسَ أَسْوَأَ مِنْ لَيْلٍ طَوِيلٍ إِلَّا أَنْ يَقْتَنِعَ أَهْلُهُ أَنَّ الشَّمْسَ لَنْ تَطْلُعَ.
وَلَيْسَ أَجْمَلَ مِنْ بُشْرَى الْفَرَجِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ قَدْ تَعَلَّمَتْ، وَهِيَ فِي أَشَدِّ لَيَالِيهَا، كَيْفَ تَسِيرُ فِي الظَّلَامِ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ الطَّرِيقَ.
فَإِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَنْ يَكُونَ هَدِيَّةً لِأَحَدٍ.
إِنَّهُ سَيَكُونُ لِمَنْ يَمْلِكُ الْمَعْرِفَةَ، وَيَبْنِي الْمُؤَسَّسَةَ، وَيَحْمِي الْمَصْلَحَةَ، وَيَسْتَعِيدُ السِّيَادَةَ، وَيَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ مَادَّةٍ فِي مَشْرُوعِ غَيْرِهِ.
وَعِنْدَمَا تَسْتَعِيدُ الْأُمَّةُ هَذِهِ الْقُدْرَةَ، فَإِنَّ الْمَشْهَدَ الَّذِي يَبْدُو الْيَوْمَ كَأَنَّهُ نِهَايَةُ طَرِيقٍ، قَدْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ نِهَايَةَ طَرِيقٍ قَدِيمٍ، وَبِدَايَةَ طَرِيقٍ آخَرَ.
وَبَيْنَ النِّهَايَتَيْنِ، لَا يَقِفُ الْقَدَرُ وَحْدَهُ؛ بَلْ تَقِفُ إِرَادَةُ الْإِنْسَانِ.
اقرأ أيضا:البردوني.. ما فوق حكمة الفلاسفة، وما دون مقام المعجزات




