يوميات البحث عن الحرية .. ثورة 26 سبتمبر 1962: منطلق للحرية والعدالة والسلام
يوميات البحث عن الحرية .. ثورة 26 سبتمبر 1962: منطلق للحرية والعدالة والسلام
عبد العزيز البغدادي
الاثنين 28 سبتمبر 2026-
القاسم المشترك بين مبادئ ثورة 26 سبتمبر 1962 ومبدأ سيادة القانون هو عمومية الأهداف، وكذا عمومية القاعدة القانونية كأهم خواص هذه القاعدة.
ومنطلق العمومية هو منطلق العدالة، وبقاء السلطة حق للشعب كمبدأ يصبح معه الاستيلاء على السلطة بالقوة تحت أي دعوى عمل غير مشروع بل وجريمة أيا كان منطلق من يستولي عليها ووفقا لاي مبرر أو شعار، لأن ذلك يمس العدالة بشكل مباشر كونه يمس حريّة الإنسان في اختيار من يحكمه ولمدة معلومة سلفاً تُحدد بموجب الدستور، لضمان تداول السلطة بصورة سلمية بعد السنوات المحددة دستورياً.
ومن المعلوم أن الدستور عقد اجتماعي بين أبناء الشعب، والعقد أو العهد ملزم لأطرافه، وأي استهتار أو تهاون بهما وبالدماء يعد مساساً بالمسؤولية القانونية والدستورية، بل والدينية والأخلاقية أيضاً؛ وكلها مصادر تصب في مصب واحد جوهره العدل، وأساس حمايته الصدق في التعامل.
ومن يرى أن توريث الحكم من الإسلام، لا أرى أن رأيه هذا يليق بالإسلام لأنه لا يليق بالعدالة؛ ومن أهم أهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 القضاء على نظام توريث الحكم كونه منافياً للعدالة.
وقد وقف نظام المملكة العربية السعودية بكل إمكاناته ضد هذه الثورة وحاربها بالمال والسلاح والدماء اليمنية المتسابق أصحابها على الذهب ولأكثر من ثماني سنوات خوفا على نظامه الوراثي رغم تأكيد كل عقلاء القيادات الجمهوريين على الالتزام بحق الجوار وما يقتضيه من عدم تدخل الجار في شئون جاره الآخر ، وهي مبادئ نص عليها ميثاق الامم المتحدة ، ولكن خوف الجار السعودي على الملك وعدم صدقه في البحث عما يبني الثقة المتبادلة مع جاره اليمن التي لم تعتد على أحد عبر التأريخ وإنما على العكس كان على مدى التأريخ عرضة للاعتداءات سواء من دول الجوار او من الهاربين من طغيان الدول الذين تحولوا الى طامعين طامحين في استعباد من آووهم ونصروهم.
إن خوف المملكة السعودية وعدم الثقة لا يمكن ان يحقق لها السلام والاستقرار، ما يحقق هذا الهدف هو إيجاد علاقة حسن جوار وبعد عن الاطماع غير المشروعة، والتوقف النهائي عن حربه المستمرة وفق سيناريوهات وصور متعددة ومتلونة.
إن أوهام هذا الجار الجائر في قدرته الدائمة على جعل الوطن اليمني حديقة خلفية له لهي نظرة وموقف خاطئان بالتأكيد؛ لأنها تدفع هذه المملكة الى الانشغال بوطن آخر به شعب جارٌ متعدد حرٌ لا يمكن أن يقبل الاستعباد مهما ظن أعداؤه خلاف ذلك من خلال اعتماده على ارتهان بعض ضعاف النفوس للمال الذي لا يشتري سوى المتعفنين من الجذور، “وجيف الزبالة والقشور” – حسب وصف المناضل الراحل الشاعر السبتمبري يوسف محمد الشحاري رحمه الله.
ومن ينشغل بوطن آخر ربما يفقد الوطن الذي يحكمه ويتحكم بمصيره؛ ولو كان هذا النظام يعقل لأنشغل بدلا من ذلك بتحقيق قدر من العدالة والحرية بالاستفادة مما يسمى بالملكيات الدستورية التي تشبه الجمهورية جزئياً، لأن الملوك في هذه البلدان باتوا موضوعين للزينة أي للمراسم بحجة الحفاظ على النظام التقليدي، وهذه الحجة بائسة للهروب من الإقرار بأفضلية النظام الجمهوري على غيره من النظم.
إنه نوع من الهروب من حقيقة كون النظام الجمهوري هو النظام الذي تتوفر فيه عوامل البقاء والاستمرار، وهذه حقيقة يتعامى عن رؤية بشاعتها أصحاب النظم الملكية؛ لأن هذه النظم الملكية تعني بكل بساطة أن الشعوب التي يحكمونها عبيد لهم، وهم حكام عليهم إلى الأبد وبالتوريث وبئس المورث والوارث.
أما النظام الجمهوري، فإن الشعب في ظله هو صاحب الحق في السلطة والثروة، وهو من يجب أن ينظم كيفية إدارتهما بما يحقق العدالة، ويجب الاستفادة من كل التجارب الإنسانية لتحقيق هذا الهدف. هذا هو جوهر النظام الجمهوري، وهو جوهر لا يمكن لأي عاقل حر الوقوف ضده.
والنظام الملكي الوراثي أياً كان الاسم الذي يحمله إمبراطوري ملكي او سلطاني او إمامي أو أميري، وسواء كان مستنده مدنياً أم دينياً، فإنه كما سبق منافٍ للعقل والدين والأخلاق.
صحيح أن هناك ملوكاً مارسوا بعض السلوكيات التي اتسمت بشيء من العدل كأشخاص، ولكنها عدالة تغيب وتظهر حسب مزاج الشخص الملك ورغبته، وإذا وُجد ملك عادل لا يمكن ضمان عدالة من يرثه في الحكم، بالإضافة إلى أن توريث الحكم كما أشرنا فيه معنى استعباد الشعب وتوريث هذا الاستعباد.
وسواء كانت عبودية المرجعية سياسية أم دينية، فكلها تؤدي إلى تعطيل عقول جميع الناس لصالح العقل الحاكم المهيمن بقوة السلطة والذي قد يكون أقل الناس عقلاً.
والقصص كثيرة حول الحكام المجانين ملوكاً ورؤساء، إلا أن الرؤساء في البلدان الديمقراطية يتم تغييرهم بعد مضي المدة وفق الدستور، او إذا تبين أنه مختل الصحة البدنية او العقلية، وإذا استمر في الحكم بالقوة فإن الثورة عليه لتغييره تصبح مشروعة لإعادة مسار الحكم إلى طريق التداول السلمي للسلطة.
في حين يبقى أرجح العقول (وأعقلها) تحت هيمنة القوى العاتية والطغيان في ظل الأنظمة الملكية أو شبه الملكية، كما يُطلق على بعض الأنظمة الجمهورية التي يرغب حكامها في البقاء في السلطة مصطلح (الجملكية)!
والنظام الجمهوري. يفضل ألا تزيد مدة ولاية الرئيس الواحدة عن أربع إلى خمس سنوات، وإذا أثبت الرئيس المنتخب قدرته وجدارته ونزاهته وحرصه على أن يسود مبدأ سيادة القانون فمن الممكن أن يعيد الشعب انتخابه، على أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة ولا يُستخدم فيها المال العام والسلطة العامة في التأثير على إرادة الناخب وتوجيهه باتجاه اختيار محدد وأن لا يتجدد انتخاب الرئيس لأكثر من فترتين انتخابيتين.
بهذا النظام تتجدد الحياة، ويُطبق مبدأ تكافؤ الفرص، وتزول الأحكام والأطماع والاتجاه للاستيلاء على السلطة بالقوة، وهو اتجاه ينافي أي معنى للشرعية، بل يُعد الاستيلاء على السلطة بالقوة جريمة يعاقب عليها فاعلها بالعقاب المناسب وفقاً للدستور والقانون.
والسلطة طالما كانت تحت الرقابة والمساءلة الرسمية والشعبية فسوف تكون مغرماً لا مغنماً بالفعل وليس بالخطابات والتهريج. نعم، تكون مغرماً وليست مغنماً حينما لا تكون سلطة مطلقة تشبه سلطة الملوك الذين هم وفق النص القرآني: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
ولا يجب أن تُحسب مراحل حكم الطغاة المستبدين الذين ألهتهم نشوة السلطة عن رؤية هذه الحقيقة -فأضاعوا الوطن وأضاعوا أنفسهم بالجري وراء وهم التوريث، ومع ذلك فقد انتهوا وبقي الوطن ولو كان جريحاً- لا يجب أن تُحسب فترة حكم هؤلاء من النظام الجمهوري لانتهاكها الدستور ومبادئ ثورة 26 سبتمبر 1962!
إن من يقرأ هذه الأهداف بعين فاحصة وقلب صادق وعقل أمين متجرد عن الهوى سيجدها الثورة الوحيدة القابلة للبقاء وتحقيق مصلحة كل اليمنيين دون تمييز أو عنصرية أو أي شكل من أشكال التعصب الذي لم ولن يجلب لليمن سوى الاستمرار في سفك الدماء والخراب والدمار والأمراض التي شغلت اليمن واليمنيين منذ أكثر من 1000 عام، فهل من مدّكر؟
هل من عقلاء وحكماء يدركون ويحسون بالمسؤولية تجاه الكارثة التي يقع اليمن اليوم في ظلها وظلالها، ويسلّمون بأن أهداف ثورة 26 سبتمبر 1962 تصلح بشكل مستمر منطلقاً لتصحيح أي نظام فاسد، وأن أي تفكير خارج هذا الإطار لا يجلب سوى مزيد من الفتن والعصبيات المريضة؟!
كان أيلولُ فتحاً مبينا
أيقونة الفاتحين
عنوان الصدق قولاً وفعلاً
وجهه وطن يتلألأ
أهدافه سوف تبقى
تهز العروش
فيا أيها الشعب
احذر العابثين بالله والحق
الله للناس حبٌ
للطغاة والظلم مقبرة
لفساد الملوك جحيماً
الثورة شمس لا تغيب
وهم آفلون بلا أي شك
أيلول طائر دائم التحليق
تتهاوى أمامه كل الأهواء
وتغيب كل الظنون الشريرة
تترنح تحت أقدامه كل الأوهام
الثورة لا تنشد الموت
ولا تحيا به
إنها للحياة تلبي
دعوة كل الأحرار
فلها من كل حر تحية.
اقرأ أيضا:العدو السعودي يعيد إنتاج مجازر 2015.. جسر الدليل يتذكر.. والسوق يدفع الثمن





