جزيرة سقطرى بين التأريخ والجغرافيا (قراءة في الأطماع الإماراتية الفاشلة)

جزيرة سقطرى بين التأريخ والجغرافيا (قراءة في الأطماع الإماراتية الفاشلة)
- حسن الدولة
السبت 25 يوليو 2026-
لم يكن المنشور الذي نشرته الدكتورة فاطمة رضا مجرد رواية شخصية عابرة، بل أعاد إلى الواجهة سؤالا ظل يرافق الوجود الإماراتي في جزيرة سقطرى منذ سنوات: هل يقتصر هذا الوجود على اعتبارات أمنية وتنموية فرضتها ظروف الحرب، أم أنه يعكس مشروعا جيوسياسيا أوسع يسعى إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد في واحدة من أهم الجزر الاستراتيجية في العالم؟
تقول الدكتورة فاطمة رضا، في منشورها المتداول، إنها اطلعت أثناء عملها في لاهاي على ملف يتعلق بادعاءات حول انتماء جزيرة سقطرى إلى الإمارات، وإنها أعدت ردا قانونيا يرفض تلك المزاعم استنادا إلى الحقائق التاريخية والجغرافية. ولا تتوافر أدلة رسمية مستقلة تؤكد صحة هذه الرواية، إلا أن ما أثارته من نقاش يستحق التوقف عنده، لأن القضية لا تتعلق بشخص أو منشور، وإنما بمستقبل جزيرة أصبحت خلال السنوات الأخيرة محورا للتنافس الإقليمي.
إن سقطرى ليست جزيرة مجهولة التاريخ حتى يعاد اكتشاف هويتها، ولا أرضا بلا ذاكرة حتى يُعاد رسم انتمائها وفق مقتضيات السياسة. فمنذ مئات السنين ارتبط الأرخبيل باليمن جغرافيا وإداريا وسكانيا، وتعاقبت عليه حضارات يمنية قبل ظهور دولة الأمارات العربية المتحدة بمئات السنين، وكذلك تعاقبت عليه قوى بحرية عديدة بحكم موقعه الفريد على خطوط الملاحة بين المحيط الهندي وبحر العرب، من الإغريق والرومان إلى البرتغاليين، لكن أيا من تلك القوى لم ينجح في محو هويته اليمنية أو تغيير انتمائه التاريخي.
ولم يكن إدراج سقطرى ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008 مجرد اعتراف بقيمتها البيئية الاستثنائية، بل كان أيضا اعترافا دوليا بأنها جزء من الجمهورية اليمنية، وفقا للملف الذي قدمته الدولة اليمنية إلى المنظمة الدولية. كما أن الخرائط الدولية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة باليمن لا تثير أي نزاع قانوني حول سيادة اليمن على الأرخبيل.
ومع ذلك، فإن التطورات التي شهدتها الجزيرة منذ عام 2018 فتحت الباب أمام كثير من علامات الاستفهام. فقد توسع الحضور الإماراتي في سقطرى، سياسيًا وعسكريًا وتنمويًا، بصورة دفعت الحكومة اليمنية في حينه إلى الاحتجاج واعتبار بعض الإجراءات مساسًا بسيادة الدولة. وفي المقابل، أكدت الإمارات أن وجودها يأتي في إطار التحالف العربي ودعم الاستقرار والمشروعات الإنسانية. وبين الروايتين، بقيت سقطرى نفسها ساحةً لجدل لم يُحسم سياسيًا حتى اليوم.
ولا يمكن فصل هذا الحضور عن المشهد اليمني الأوسع، حيث ينظر كثير من الباحثين إلى الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره أحد أبرز التحولات في مسار الحرب اليمنية. فبينما يرى أنصار المجلس أن هذا الدعم مكّن الجنوب من بناء قوة أمنية وسياسية تدافع عن مصالحه، يرى منتقدوه أنه عزز الانقسام داخل المعسكر المناهض لأنصار الله، وأضعف مؤسسات الدولة التي تفتقد إلى شرعية الداخل، وخلق مراكز نفوذ متوازية انعكست آثارها على وحدة القرار الوطني.
ومن هذا المنظور، تبدو سقطرى بالنسبة لكثير من المراقبين أكثر من مجرد جزيرة؛ فهي تمثل حلقة في شبكة النفوذ البحري الممتدة عبر موانئ وجزر القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن. وهذا لا يعني بالضرورة وجود مشروع معلن لضم الجزيرة، لكنه يفسر سبب الاهتمام الاستثنائي الذي حظيت به مقارنة بمناطق يمنية أخرى تعاني ظروفا إنسانية أكثر تعقيدا.
وتزداد أهمية هذا النقاش إذا استحضرنا حقيقة أن العلاقات اليمنية الإماراتية لم تكن يوما علاقات غريبة أو طارئة. فالتاريخ القبلي لشبه الجزيرة العربية يشهد بهجرات يمنية قديمة استقرت في أجزاء واسعة من الخليج العربي، ويؤكد عدد من المؤرخين أن قبائل كثيرة في دولة الإمارات تعود بجذورها إلى اليمن. كما عُرف عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان اعتزازه بهذه الروابط التاريخية، وحرصه على دعم مشاريع تنموية في اليمن، وفي مقدمتها إعادة بناء سد مأرب. لكن هذه الحقيقة التاريخية، مهما بلغت أهميتها، لا تصلح أساسا لإعادة تفسير الحدود السياسية المعاصرة أو الانتقاص من سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
فالقانون الدولي لا يُنشئ السيادة على أساس الامتدادات القبلية أو الروابط التاريخية وحدها، وإنما يقوم على الاعتراف الدولي والحدود المستقرة ومبدأ احترام وحدة أراضي الدول، وهو ما كرسته المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، كما أكدته مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1970.
وإذا كانت رواية الدكتورة فاطمة رضا صحيحة، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأدوات التي قد تلجأ إليها الدول لتدعيم رؤيتها السياسية والتاريخية. أما إذا لم تكن كذلك، فإن مجرد تداولها بهذا الاتساع يعكس حجم القلق الشعبي اليمني من مستقبل سقطرى، ويكشف مقدار انعدام الثقة الذي تراكم خلال سنوات الحرب تجاه النوايا الإقليمية في الجزيرة.
وفي جميع الأحوال، فإن القضية تتجاوز الخلاف اليمني الإماراتي، لتصبح اختبارا لمبدأ بالغ الأهمية في العلاقات الدولية: هل يمكن للنفوذ العسكري أو الاقتصادي أن يعيد تشكيل الوقائع القانونية والتاريخية؟ التجربة الدولية تشير إلى أن النفوذ قد يفرض أمرا واقعا لفترة من الزمن، لكنه لا يكفي وحده لتغيير الوضع القانوني لإقليم تعترف الأسرة الدولية بسيادة دولة أخرى عليه.
إن الدفاع عن يمنية سقطرى لا يحتاج إلى خطاب تعبوي بقدر ما يحتاج إلى التمسك بالوثائق والقانون والتاريخ. فالحجج القانونية أكثر بقاء من الشعارات، والحقائق التاريخية أكثر قوة من السجالات السياسية. أما مستقبل العلاقات اليمنية الإماراتية، فإنه لن يستقر إلا عندما تقوم على الاحترام المتبادل، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يُفسَّر على أنه تدخل في خيارات اليمنيين أو مساس بوحدة أراضيهم.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدول تكسب احترام الشعوب عندما تكون شريكا في بناء الدولة لا في تعدد مراكز القوة، وفي ترسيخ السيادة لا في إثارة الشكوك حولها. أما سقطرى، فستظل بالنسبة لليمنيين أكثر من جزيرة؛ إنها جزء من ذاكرتهم الوطنية، ورمز لوحدة الأرض التي لا تُقاس بموازين القوة، وإنما تثبتها الجغرافيا والتاريخ والقانون.
اقرأ أيضا: الإمارات تعبث بسقطرى وتحاول السطو على مساحات شاسعة من أرضية المطار



