وهْمُ السنين: حين يُقاس الوعي بالعمر لا بالعقل

وهْمُ السنين: حين يُقاس الوعي بالعمر لا بالعقل
- د. رياض الصفواني
الاثنين 20 أبريل 2026-
يقع كثيرون في مغالطة قديمة إن جاز التوصيف، مفادها أن العلم والمعرفة في خصوصها وعمومها حِكر على تقدم السن ومشروطة به حتماً. فالشيب عندهم قرين الحكمة، والكهولة دليل سعة الأفق، والشيخوخة شهادة لعمق الوعي وكثافته. لذا تراهم يُرهِفون سمعهم لحديث المسنّ، ويعقدون عليه الرأي، ويستفتونه في الدقيق والجليل، وفي كل شاردة وواردة، وكأن السنين وحدها تمنح صاحبها مفاتيح الفهم. ومع الاعتراف بمكانة كبار السن والإقرار سلفاً بحكمتهم وخبراتهم ودرايتهم وسعة معارف العديد منهم وفي مقدمتهم أساتذة ومعلمون أجلاء، إلا أن تجاهل الشباب وانزوائهم في الظل، وغضّ الطرف عنهم، وإن حمل أحدهم زاداً معرفياً ثقيلاً، وامتلك أفقاً رحباً وبصيرةً نافذة تمثل إشكالية تستدعي المعالجة.
فالحصيلة المعرفية ليست نتاجاً آلياً لتقادم الأعوام، ولا يخلقها تعاقب الفصول على الإنسان. فالعمر ليس أكثر من عدَّاد زمني، يسجل مرور الأيام، ولا يضمن نضج الأفهام. بل “إن البيولوجيا نفسها تنقض هذا الوهم” بحسب المختصين. فالذاكرة مع تقدّم العمر تعتريها عوامل الضعف، وقد تصدأ بفعل النسيان، بينما ذاكرة الشباب في الغالب فتيةٌ، مرِنة، سريعة المعالجة، قادرة على مراكمة المعرفة وتوليد الجديد منها.
إن لحظة النضج المعرفي لا ترتبط بشهادة الميلاد، بل بلحظة تفعيل العقل. فالشاب الذي أعمل فكره، وراكم قراءاته، قد يبلغ في الثلاثين والأربعين ما لم يبلغه غيره ممن بلغ السبعين، مع التقدير والاحترام لكل من تقدم به العمر. ولنا في التاريخ الكثير من النماذج: فرجاحة عقل أسامة بن زيد وحنكته وشجاعته أهّلته وهو في الثامنة عشرة من عمره لأن يقود جيشاً يضم كبار الصحابة مثل أبي بكر وعمر، ومعاذ بن جبل بعثه النبي (ص) والياً وقاضياً ومعلماً لليمن وهو دون الثلاثين من عمره، وابن سيناء ذاعت شهرته كطبيب وفيلسوف قبل أن يتم الثامنة عشرة وفق بعض الروايات التاريخية، وغيرهم كثُر.
إن مرحلة العطاء والكشف والإنتاج المعرفي لا يفتح بابها رقم في العمر، بل يفتحه جهد متراكم، وملَكة نقد لا تعرف سِناً. وكم من كهل بلغ من العمر عِتياً وما زال وعيه في المهد، وكم من شاب غَضٍّ سبق زمنه بفهمه، وإن كان لذلك السبق كُلفته، وخاصة في عالمنا العربي، يقول سقراط: “ويلٌ لرجل سبق عقله زمانه”!.
لكن الويل الأكبر لأمة خذلت عقول أبنائها.
ختاماً
علينا أن نزِن الناس بعقولهم ونُكِن التقدير – في الآن ذاته – لأعمارهم، وبما يحملون من فكر ناضج وبصيرة نافذة. فالمعرفة تتخلّق في الشخص الذي يحسن رعايتها. وإنصاف الشباب المعرفي ليس مِنّةً تُمنح لهم، بل حق يُرَد إلى أهله، وتصحيح لمسار أخلّ به وهْمٌ توارثناه. الحكمة بنت التجربة والبحث، لا بنت السنين والتقويم الميلادي.
اقرأ أيضا:التطرف ينخر سور مجتمعنا المنيع



