التخزينة… طقس يمني بين وهم الكيف وهدر المعنى

التخزينة… طقس يمني بين وهم الكيف وهدر المعنى
- أمين الجبر
الاحد 4 يناير 2026-
لست من متعاطي القات على نحوٍ دائم، ولا من المولعين بطقسه اليومي، وإنما أقاربه نادرًا، وفي مناسبات محدودة، ومع فئة بعينها من المثقفين والمهتمين بالشأن العام. ليس لأنني أستسيغه أو أجد فيه متعة خالصة، بل لأنه يتحول – في بعض السياقات – إلى فضاء للنقاش، ومنبر مؤقت لتبادل الأفكار، ومسرح مفتوح للسياسة والثقافة والفلسفة.
في بدايات “التخزينة” يتسلل شعورٌ طربي خفيف، تختلط فيه الألفة بالحكاية، وتبدو الجلسة وكأنها وعدٌ بنقاش عميق أو كشفٍ معرفي مرتقب. سرعان ما تتصاعد النشوة المؤقتة، فيخيل للجالسين أنهم على عتبة فهمٍ جديد، أو بصدد مقاربة مختلفة للواقع والتاريخ والأفكار.
غير أن هذا الوهم لا يلبث أن ينكشف. فمع مرور الوقت، يتحول النقاش من جدّية إلى جدال، ومن اختلافٍ مثمر إلى صرامةٍ متشنجة، حيث تطفو الشوفينية في التحليل، وتتحكم المزاجية في الأحكام، ويتلبس الحوار مسحة من “شبه التفلسف” الذي يكثر فيه الادعاء ويقل فيه العمق.
في ذروة الجلسة، يبلغ البعض حالة من التجلي اللفظي، ويستدعي آخرون مفردات التصوف والتوحّد الوجودي، وكأن القات قد فتح بوابات الحكمة دفعة واحدة. غير أن هذه الذروة ليست سوى لحظة عابرة، سرعان ما تنحدر إلى وجومٍ صامت، وإيماءاتٍ مبعثرة، حيث تتسلل التخديرة، وتفرض الأريحية الزائفة سطوتها.
عند هذه النقطة، يبدأ الشرود الذهني، وتتجرأ المخيلة على قراءة الكون قراءةً اعتباطية، وتنبؤاتٍ ميتافيزيقية لا تستند إلى علم ولا إلى منهج. يصبح كل شيء قابلاً للقول، ولا شيء قابلاً للإثبات. ويغدو الوقت مستباحًا، يُستهلك بلا حساب، حتى تحل “الساعة السليمانية” وما بعدها من لحظات الفتور والانفضاض.
نغادر الجلسة وقد تلاشت تلك الألفة المصطنعة، وتبددت العلاقة التي بدت قبل ساعات وكأنها مشروع شراكة فكرية أو نواة وعي جمعي. لا يبقى سوى شعورٍ خافت بأننا عشنا لحظة زهو مؤقتة، وسعادة متصنّعة، خضنا خلالها السياسة بلا أثر، وجادلنا الثقافة بلا نتيجة، واصطرعنا مع الإيديولوجيا دون أن نغير شيئًا في الواقع.
والمفارقة أن هذا المشهد التراجيدي يتكرر بإرادتنا. فما إن تنقضي الجلسة حتى نبحث عن أخرى، نترصد فرصة جديدة، ونعيد إنتاج السردية ذاتها، بنفس الطقوس، ونفس الأوهام، وكأننا ندور في حلقة مغلقة.
في المحصلة، لا نقتني من التخزينة سوى الوهم، ولا نجني من الكيف سوى هدر الوقت. أما الأسئلة الكبرى التي نعتقد أننا نناقشها، فتبقى معلقة، تنتظر فضاءً أكثر جدية، ووعيًا لا يُمضغ ولا يُخدَّر.
اقرأ أيضا: قرية يمنية تتوسع في زراعة البن وتحرم القات والتدخين



