قادري أحمد حدر يفند مذكرات اللواء علي محمد صلاح ويطالب بجعل قضية اغتيال الرئيس الحمدي مفتوحة على التاريخ السياسي والقانوني

قادري أحمد حدر يفند مذكرات اللواء علي محمد صلاح ويطالب بجعل قضية اغتيال الرئيس الحمدي مفتوحة على التاريخ السياسي والقانوني
اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، ومقتلة مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية، قراءة، ملاحظات سياسية وتاريخية في مذكرات اللواء علي محمد صلاح ( ٢-٥ )
- قادري أحمد حيدر
الجمعة 7 أغسطس 2026-
الإهداء:
إلى عبدالله عبدالعالم، الفارس الجمهوري النبيل، أحد رموز الدفاع عن ثورة ٢٦ سبتمبر،١٩٦٢م، وفك الحصار عن صنعاء في السبعين يوماً.
إليه.. رمزاً حياً
للوفاء الصادق لرفيقه الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.
عاش، عبدالله عبدالعالم، قامةً من الوفاء، ومضى إلى ربه منفيّاً عن تراب وطنه؛ جَرّاء حقدِ العصور المتراكم في نفوس القتلة الذين أبوا إلا أن يحرِموه من دفء الوطن حيّاً وميّتاً، حتى امتدّ ذلك الضغينُ الدفين ليشمل أبناءه وأحفاده الذين يتجرّعون مرارة المنفى ذاته، قِصاصاً لوفائه ونقاء محبته لليمن الحر المستقل ولديمقراطيته المنشودة.
تحيةَ إجلالٍ ووفاء أبعثها إليه، وهو اليوم في دار الخلود، جوار الصدّيقين والصالحين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقا.
• – أنشأ الغشمي بقرار مجلس الشعب التأسيسي: وهو الاغتيال أو الانقلاب السياسي الثاني على جوهر نظام ودولة حركة 13 يونيو 1974م.
لقد كان ضرورة سياسية وعملية إجرائية تغيير شكل ومضمون نظام الحكم والدولة، من قيادة جماعية (مجلس القيادة)، إلى حكم رئاسي بيده كل الصلاحيات السياسية والعسكرية والأمنية، أي إلى نظام حكم فردي، هي الخطوة الأولى للاستفراد بالسلطة، وتقليم أظافر المعارضين له في مجلس القيادة، وبداية عملية لاتخاذ إجراءات تصفوية سياسية وجسدية لمن يرى فيهم أعداء، أو مناصرين للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.
ومن هنا كان تعيينه بقرار فردي وشخصي تأسيس ما سمي بـ “مجلس الشعب التأسيسي”.
وحول هذا المعنى، يكتب اللواء علي محمد صلاح التالي:
”حين اتخذ مجلس الشعب التأسيسي الذي أنشأه الغشمي بقرار، قراراً بإلغاء صيغة مجلس القيادة في شهر إبريل 1978م، واستبدالها بصيغة رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة وانتخابه رئيساً وقائداً عاماً، وبالتالي أصبح عبد الله عبد العالم يشغل منصب قائد قوات المظلات فقط، بالإضافة إلى خلافاتهما السابقة وتخوفه من المصير الذي تعرض له الرئيس الحمدي الذي كان يعتمد عليه في كثير من المواقف وتربطهما علاقات متينة؛ لذلك فضل الخروج إلى التربة قبل أن يتمكن الغشمي من تصفيته، ومن هناك أعلن تمرده على النظام واتهام الغشمي بقتل الرئيس إبراهيم الحمدي”.
اللواء علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص383
تذكروا واحتفظوا بهذا الحديث جيداً من اللواء علي محمد صلاح، حيث أشار بوضوح بل وأكد أن عبد الله عبد العالم فضل الخروج إلى التربة قبل أن يتمكن الغشمي من تصفيته، لأنه سيقول أو يكتب في سياق دفاعه عن نظام الغشمي وصالح، ما يناقض هذا الخطاب في محاولة منه لإدانة عبد الله عبد العالم بوصفه بالمتمرد!!.
وبالنتيجة تبرئة صفحة القاتل علي عبد الله صالح!!.
واضح أن اللواء علي محمد صلاح يحاول جاهداً كما في جميع صفحات الكتاب حول مقتل الحمدي، تبرئة ساحة علي عبد الله صالح، وأتصور لو أن الرئيس الغشمي كان ما يزال حياً زمن كتابته لمذكراته لما كان تجرأ وأشار إليه بما يعني ضمناً أنه القاتل.
تركزت تهمة / جريمة قتل الرئيس الحمدي، في مذكراته، على جهتين: أولاً، الخارج في صورة السعودية التي يلمح لها من بعيد، وإلى أحمد الغشمي، ثانياً، دون ذكر للدور المباشر لعلي عبد الله صالح في القتل، خاصة وأن كتابه صار جاهزاً للنشر في ديسمبر 2014م.
من تناقضات الفكر والخطاب والموقف في مذكراته، على الأقل قياساً بما ورد في المذكرات، قوله أو كتابته التالي: “أعلن – عبد الله عبد العالم – تمرده على النظام واتهام أحمد الغشمي بقتل الرئيس إبراهيم الحمدي – لاحظوا قوله اتهام الغشمي بقتل الحمدي وهي لغة وخطاب فيه تشكيك باتهام عبد الله عبد العالم أن الغشمي هو القاتل – إعلان التمرد في مدينة التربة- وبحسب المعلومات الأولية التي وصلت من مصادرنا في التربة- كان – أي عبد الله عبد العالم – تحت ضغط من بعض قيادات المظلات المرتبطة بالجبهة الوطنية المؤثرة عليه وعلى قراراته، ووضع هذا التمرد الرئيس الغشمي ونظامه في موقف حرج جداً في توقيته ومكانه، لأن الغشمي بعد حادثة مقتل الحمدي وتوليه الرئاسة كان وضعه لم يستقر بعد ومعرضاً لهبوب الرياح والعواصف ولا يدري من أين ستأتيه.. والشعب لا يزال في حالة حزن وحالة غضب.. وأصابع الاتهام تشير إليه بقتل الحمدي.. وقد لاحظ ذلك بأم عينيه أثناء تشييع جنازة الحمدي والبلد لا تزال تعيش في حالة انفلات من هول الفجيعة وكان يتجنب حدوث أية انشقاقات أو تمردات عليه أو ظهور خلافات في القوات المسلحة أو من خارجها خاصة من أنصار الحمدي، قد تهدد نظامه، بعد أن تجاوز خطر نشوب الحرب المباشرة مع الجنوبيين، نتيجة للضغوطات الخارجية التي مورست عليهم، رغم عودة النشاط المسلح للجبهة المدعومة من قبلهم في العديد من المناطق بعد أشهر معدودة من توليه المسؤولية”.
اللواء علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص383.
إن الدفاع عن الباطل مهما بلغت قدرتك الكلامية واللغوية والبلاغية الخطابية، والحجاجية دائماً أو غالباً ما تضع المدافع عن ذلك الباطل في موقف صعب وحرج على كافة المستويات بما فيه تحديداً استعصاء اللغة نفسها، والكلمات والفكر والخطاب على المطاوعة في شرعنة ذلك الباطل الصراح؛ وهو ما نلاحظه في كتابة اللواء علي صلاح خاصة وتحديداً في حديثه عن اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، وعن وحول قتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية، ومن هنا نجد ونقرأ التناقضات في بنية الخطاب والفكر، وفي توصيف وتحديد من هم القتلة، في العديد من صفحات الكتاب، بل إننا أحياناً نجده يقول الشيء ونقيضه حول الحادثة الواحدة، وهذا يبرز ويظهر في حديثه حول من قتل الرئيس الحمدي، حيث نقرأ خطاباً موارباً ومراوغاً، أحياناً يشير إلى الغشمي كقاتل وفي سياق آخر يظهر القاتل مبنياً للمجهول، وأن عبد الله عبد العالم فقط، يتهم الغشمي مجرد اتهام كما سبقت الإشارة!!.
في مذكرات اللواء علي محمد صلاح سطور ومقاطع تتحدث عن وقائع سياسية وطنية تاريخية في منتهى الحساسية، في تاريخنا السياسي اليمني المعاصر، حيث نجده يتحدث عنها بمنتهى الشفافية والصدق الوطني، مثل حديثه عن أحداث 23/24 أغسطس 1968م، فهو يكتب جملة اعتراضية طويلة وردت في المذكرات تقول إن الغشمي كان “يتخوف من استغلال عبد الله عبد العالم للأحداث التي وقعت في أغسطس 1968م، وما جرى فيها من تصفيات وإبعاد وتسريح للعديد من القادة والكوادر العسكرية على أساس مناطقي وطائفي من قبل بعض القيادات ومراكز القوى التي تغلبت مصالحهم الشخصية والأنانية على المصالح الوطنية العليا، لتخوفهم من بروز القيادات الشابة التي صمدت خلال الحصار وأحدثت تلك التصرفات جراحاً لا تزال آثارها قائمة .. وجرى ما جرى للأسف .. وما عانته اليمن أثناء أحداث مناطق الأطراف والمناطق الوسطى هو من تبعات تلك الأحداث والتصرفات غير المسؤولة، وأن تلك الجروح في حال استطاع عبد الله – يقصد عبد الله عبد العالم – نبشها من جديد قد تؤدي إلى تجييش أبناء المنطقة بمختلف شرائحهم للوقوف معه ضد نظام الغشمي”
اللواء علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص385
إن ذلك الهاجس الطائفي والقبلي والمناطقي، كان حاضراً بالفعل في عقل وتفكير الغشمي وعلي عبد الله صالح، وهو ما سنشير إليه إلماماً في سياق هذا العرض حول طبيعة وذهنية ونفسية علي عبد الله صالح.
الشيء الذي أستطيع قوله وتأكيده جرياً مع ما ذهب إليه اللواء علي صلاح هو أن “منطقة الحجرية لم تشهد منذ قيام الثورة حالات تمرد أو عصيان ضد النظام مثل بعض المناطق الأخرى التي وقفت ضد الثورة، بل على العكس من ذلك كانت من أولى المناطق التي وقفت مع الثورة ودافعت عنها وساندتها”.
اللواء الركن علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص384.
إن الشيء الثابت والأكيد أن وضع الرئيس الغشمي وعلي عبد الله صالح كان في غاية الصعوبة والحرج، قياساً بوضع القائد عبد الله عبد العالم، على أن غياب الرؤية السياسية والعملية الاستراتيجية لدى عبد الله عبد العالم، لما بعد الخروج من صنعاء والوصول إلى تعز، ثم الانتقال إلى التربة، هو ما ساعد نظام الغشمي في توظيف الفرصة لصالحه سياسياً وأمنياً وعسكرياً وإعلامياً، وهو ما كان.
ولذلك “وجه الغشمي بعدم الاعتراض للتحرك” أي تحرك عبد الله عبد العالم من صنعاء إلى تعز.
انظر اللواء علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص422.
أرسل الغشمي عبد العزيز عبد الغني رئيس الوزراء للقاء عبد الله عبد العالم، وتحدد أن يكون هناك لقاء في “وادي البركاني” في تعز المكان الذي أرسل إليه الغشمي بقوة عسكرية كبيرة لتحاصر مقر الاجتماع من كل مكان، وهو ما وصل علمه إلى عبد الله عبد العالم، ورفض الحضور لأن من مهمة هذه القوة افتعال معركة عسكرية كبيرة يكون المستهدف الأول فيها هو عبد الله عبد العالم، وعبد العزيز عبد الغني، بحجة، أن بعضاً من القوة المتمردة التي مع عبد الله عبد العالم هي من افتعلت المعركة العسكرية التي ذهب ضحيتها الاثنان عبد الله عبد العالم، وعبد العزيز عبد الغني، ولذلك رفض الحضور، هذا ما كرره على مسامعي وعلى مسامع غيري في أكثر من لقاء، بل وهو ما كتبه اللواء علي صلاح في مذكراته، فمن قتل رئيس الدولة في عزومة غداء مع أخيه، وصهره لن يتورع عن هكذا عملية قتل. وهو تفسير سياسي منطقي وواقعي، وليس من خيال نظرية المؤامرة.
كان عبد الله عبد العالم يدرك جيداً لماذا اختار الغشمي وعلي عبد الله صالح، الأستاذ عبد العزيز عبد الغني رحمة الله تغشاه، ليكون الوسيط لأنه أحد أهم شهود العيان على قتل الرئيس الحمدي في عزومة الغداء، وليس هناك ما يضمن صمته إلى النهاية، من هنا ضرورة التخلص منه ومن عبد الله عبد العالم بضربة واحدة.
ولذلك استقدم إلى تعز ليكون مشروع قتيل وليس وسيطاً، كما يعلنها النظام.
أي أن الغشمي، وعلي عبد الله صالح على استعداد تام وكامل “وبضمير مستريح”، للتخلص من كائن من كان، بمن فيهم الوسطاء، لتبرير شن الحملة العسكرية على الحجرية، وهو ما رفضه بقوة الشيخ أحمد سيف الشرجبي.
لقد تأكد للغشمي، وعلي عبد الله صالح، أن لا علاقة للنظام في الجنوب بأي تحرك داعم ومساند للقوات المتواجدة في الحجرية، ولذلك اطمأن النظام أكثر إلى سهولة القضاء على قوات عبد الله عبد العالم.
وبمثل ما كان نظام الغشمي وعلي صالح يدبران للتخلص من عبد الله عبد العالم، وعبد العزيز عبد الغني في ضربة واحدة، فإنه فعل ذلك مع مشايخ وأعيان تعز، بصورة متفرقة بعد أن اشتغل الإعلام على ذلك سياسياً وإعلامياً طيلة أكثر من أربعة عقود من الدعاية والإعلام المنظم والمبرمج في استهداف عبد الله عبد العالم وتشويه صورته مع وعند بعض أولياء دم القتلى والشهداء من أعيان ووجهاء تعز.
كانت خطة علي عبد الله صالح قبل الغشمي هي كيف يتخلص من بعض شيوخ وأعيان تعز/ الحجرية، الذين عرفوا في واقع الممارسة، من هو علي عبد الله صالح من خلال وجوده في تعز (المفرق/ والمخا)، رمزاً للفساد المالي، (التهريب)، وقائداً للواء، بدلاً عن ابن أبو لحوم، (درهم)، وهو الموقع الذي تعين فيه بقرار من الرئيس الحمدي في العام 1975م.
كان عبد الله عبد العالم يتجنب زج مشايخ وأعيان ووجهاء تعز في قضية سياسية صارت معقدة أكثر من اللازم، وفوق قدرة أي وسيط على حلها، ولذلك كان يرفض اللقاء بهم في أكثر من مرة، وهو ما أشار إليه اللواء علي محمد صلاح حيث كتب قائلاً: “كان عبد الله عبد العالم- رفض مقابلتهم باستمرار أو التواصل معهم من بعد لقائه مع الشيخ الشرجبي والشيخ شمسان –مضيفاً- لعدم وقوفهم إلى جانبه واتهامهم بالعمالة للغشمي ولا يثق بأحد منهم ولا بغيرهم”.
اللواء علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص388.
إذا كان عبد الله عبد العالم يتجنب زج المشايخ في لعبة الوساطة، ويرفض اللقاء بهم كما جاء في حديث اللواء علي صلاح، فكيف يسعى لقتلهم!!. ثم ما هي الفائدة السياسية والعملية من قتله لمشايخ وأعيان تعز/ الحجرية؟
وإضافة اللواء علي محمد صلاح، اللاحقة في مذكراته حول موقفه السلبي من الشيخ أحمد سيف الشرجبي، لا سند واقعياً لها، إنما تصب في خدمة نظام الغشمي وصالح، وهي عبارة عن مقدمة سياسية لتحميله وزر جريمة قتل المشايخ والأعيان من قيادة أبناء تعز، وهو ما كان يستشعره عبد الله عبد العالم من خلال معرفته العميقة بنفسية وسلوكيات الغشمي وعلي صالح وطريقة تفكيرهما في حل المشاكل السياسية. فهما لم يعذرا ولي نعمتهما الرئيس إبراهيم الحمدي الذي وثق بهما كل الثقة، وقربهما منه، ورفع من مواقعهما السياسية والعسكرية في قمة السلطة، لمستويات سياسية عليا لم يحلموا بها، رغم تحذيرات الكثيرين ممن حوله من الغشمي تحديداً، وخصوصاً تحذيرات عبد الله عبد العالم، وأخيه الأكبر محمد الحمدي، والكبسي وغيرهم.
كان عبد الله عبد العالم يتابع ما يجري في الكواليس السياسية من مخططات أمنية قذرة ضده وضد كل تعز، فالاثنان الغشمي وعلي عبد الله صالح إلى جانب كونهما عناصر طائفية، وقبلية ومناطقية، فإنهما يتميزان ويعرفان باستسهالهما عملية القتل.
مرة التقى الغشمي بمجموعة من المثقفين والأدباء والكتاب اليمنيين، بعد طلوعه رئيساً بأشهر قليلة، قال للحاضرين ومن بينهم د. عبد العزيز المقالح وكان حاضراً اللقاء الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي إلى جانب آخرين من المثقفين اليمنيين بما معناه: أنا ما عنديش معارضة ولا سجون أنا عندي السيف والقتل والقبر.
وهي رسالة سياسية مبكرة وواضحة للحاضرين بقدر ما تكشف طبيعة تكوينه الفكري والذهني والسياسي والسيكولوجي، وستلاحظون أنهما مشتركان في قتل الرئيس إبراهيم الحمدي ضمن مؤامرة أمنية منسقة ومرتبة مع دولة أجنبية/ السعودية:
وحول ما يسميه البعض رسل المصالحة التي كان يرسلها الغشمي إلى عبد الله عبد العالم، كانت لا تعني أو لا يقصد بها التوفيق للوصول إلى صورة تسوية سياسية وطنية توصل لحل يرضي الطرفين بقدر ما كانت تعني إذعان وقبول عبد الله عبد العالم بما يريده الغشمي، وعلي صالح، لأن مقترحات الغشمي- كما كتب اللواء علي محمد صلاح- “كانت تعني إما الموافقة على مقترحاته – أي الغشمي – أو المواجهة في حالة الرفض – ويضيف اللواء علي صلاح- ولا أدري هل كان الغشمي قاصداً ذلك أم لا وعلى ما يبدو -والكلام للواء علي صلاح- أن الغشمي كان يدرك أن عبد الله عبد العالم لن يتجاوب مع تلك المساعي ولا مع مقترحاتهم – التي هي في الأصل مقترحات الغشمي – لذا واصل محاولاته عبر مشايخ المحافظة حتى آخر لحظة”.
اللواء علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص388.
هذا ما كتبه اللواء علي محمد صلاح، أي أن الوساطات المختلفة، كانت لعبة سياسية وإعلامية وإعلانية، بل ولعبة أمنية قذرة من الغشمي، وعلي صالح. كان عبد الله عبد العالم، قد عرف وقرأ حقيقة نوايا القتل الكامنة خلف تلك الرسائل التي كان يُحمّلها للمشايخ وهو يعرف مسبقاً كما كتب علي صلاح من أنه لن يوافق عليها.
أي أن الرئيس الغشمي كان يدرك عميقاً أن خلافه مع عبد الله عبد العالم لم يكن اختلافاً حول بعض تفاصيل الشأن السياسي الخاص أو العام، بل خلاف يتصل بقتل رئيس الدولة، أي أننا أمام خلاف صفري وجودي، يتجاوز مرحلة الوساطات، وبوس اللحى وهو ما لم تستوعبه براءة وطيبة وحسن نية بعض الوسطاء، حتى بعد أن وضح لهم عبد الله عبد العالم سبب خلافه مع الغشمي في إحدى اللقاءات مع الوسطاء، وهو ما أشار إليه اللواء علي صلاح في مذكراته.
أي أن الغشمي وصالح، كانا يستخدمان المشايخ والأعيان لعبة سياسية لا أقل ولا أكثر، على الأقل هذا ما أشار إليه مباشرة اللواء علي محمد صلاح حين كتب التالي:
”بصراحة أقول إن الرئيس الغشمي عندما طلب تدخل مشايخ وأعيان المنطقة لم يطرح عليهم ضمن المهمة التي كلفوا بها معرفة وجهة نظر عبد الله عبد العالم ومقترحاته للحل لإعطاء الوسطاء مرونة كاملة للتوفيق بين طرحي الطرفين للخروج بحل وسط يرضي الجميع وتجنب المواجهة، لأن مقترحات الغشمي كانت تعني إما الموافقة على مقترحاته أو المواجهة في حالة الرفض”.
هذا ما كتبه علي محمد صلاح في مذكراته، ص388.
في تقديري ليس صحيحاً ما يقوله اللواء علي محمد صلاح، من أن عبد الله عبد العالم لم يكن يثق بالوسطاء من المشايخ، هو لم يكن يثق بالغشمي ولا بعلي عبد الله صالح، وهو ما أدركه من خلال خبرة وتجربة في الجيش وفي قيادة الحكم، (خلال تجربة مجلس القيادة)، وكان لديه إحساس ووعي بل وإدراك عميق من الغشمي وعلي صالح، كانا يستخدمان النوايا الطيبة للمشايخ لتحقيق هدف سياسي ما ولكنه لم يكن يتصور أن الأمر سيصل بهما حد اغتيالهم بطرق مختلفة ومموهة بما فيه بالقصف بالطيران.
إن معظم الحكايات التي أوردها اللواء علي محمد صلاح حول قتل المشايخ لا يصدقها عقل، بمن فيهم قتل المشايخ والأعيان الذين لا صلة لهم بالسلطة السياسية في كل تاريخهم ولم يكونوا قريبين سياسياً وأمنياً ومالياً من أي سلطة، أو خدم لها، وتم استهدافهم بالقتل، وكأن الأوامر والتوجيهات بالقتل كانت تطال الجميع.
فمن تجرأ وأقدما على قتل رئيس الدولة، وولي نعمتهما بطريقة بشعة في عزومة غداء مفترضة، ولم يكتفيا بذلك بل وأقدما على قتل مضيفتين فرنسيتين ونقل جثتيهما إلى مكان وجود جثمان الرئيس إبراهيم الحمدي، وأخيه عبد الله الحمدي في سلوك ينم عن فقدان الحد الأدنى من الضمير الأخلاقي، والإنساني، هنا تكون المقاربة والمقارنة دقيقة وواقعية، حول من قد يتجرأ ويقدم على قتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية.
لأن القائد العسكري الوطني الحقيقي والمهني يعف عن مقاربة وممارسة هكذا أعمال مجردة من الروح الإنسانية.
أنا في هذه القراءة لا أستطيع أن أقطع وأجزم أنه لم يتعرض أي من المشايخ للقتل من قبل بعض عناصر عبد الله عبد العالم، هذا أمر وارد – أقول وارد وليس أكيد – في مثل هكذا أوضاع صعبة ومعقدة ومرتبكة، وفي مثل هكذا مماحكات وتنابزات وتوترات، على أن الأمر في كل حالات القتل يحتاج لمزيد من البحث والأدلة والوثائق.
الشيء الذي أنا متأكد منه أن هناك مشايخ وأعياناً، كان عبد الله عبد العالم يكن لهم تقديراً كبيراً ويثني عليهم بكل الإجلال والتقدير، ولا أتصور مجرد تصور أنه يمكن أن يكون على علم بقتلهم ناهيك عن أن يسهل عملية قتلهم.
وفي هذا السياق فإنني أطالب بجعل قضية اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي مفتوحة على التاريخ السياسي والقانوني والوطني اليمني ولا يغلق هذا الملف وكذلك ملف قتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية.
كائناً من كان القاتل/ القتلة.
من المهم أن يبقى هذان الملفان مفتوحين لجمع الأدلة والوثائق وما تبقى من الشهادات وليصدر التاريخ السياسي والوطني والقانوني والقضائي حكمه حتى لا تتكرر هكذا جرائم في حق الناس والوطن ويفلت القتلة من العقاب.
هذه قضايا لا تسقط بالتقادم.
إلى الحلقة الثالثة:
اقرأ أيضا:قادري حيدر يتحدث عن تقويض الغشمي وعلي عبدالله صالح في بناء دولة يمنية مستقلة



