شكل الدولة في اليمن .. رحلة بين التاريخ والواقع

شكل الدولة في اليمن .. رحلة بين التاريخ والواقع
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الجمعة 17 أبريل 2026-
تعد الدولة في شكلها المؤسسي المنظم اليوم مطلب كل الشعوب، وغاية كل الأمم التي تنشد العيش في رخاء ووئام مع نفسها، وسلام وود مع محيطها وعمقها السياسي والاجتماعي، فالدولة بصورتها الحضارية متجذرة في طبيعة الإنسان منذ القدم، وهذا ليس ادعاء بقدر ماهي حقيقة صنعها بقدراته ومهاراته، وكان اليمنيين نموذج في مثل هكذا انجاز في هذه الرقعة الجغرافية الحيوية، التي تحولت بمرور الوقت، إلى مركز اشعاع حضاري أمتد تأثيره إلى اصقاع العالم القديم، من خلال القوافل التجارية، التي كانت تشق طريقها من اليمن، محملة بمختلف السلع التجارية إلى بلاد الشام، وبلاد الرافدين، وبلاد فارس، وروما وغيرها، من البلدان والشعوب الإفريقية والأسيوية، فكانت الحضارة اليمنية محل اعجاب شعوب وحضارات العالم القديم، على اختلاف مشاربها المتعددة آنذاك، وما يؤكد ذلك؛ تلك التسميات التي اطلقت عليها اسم العربية السعيدة لتميزها عن البلاد العربية الصحراوية.
أمام هذه المعطى من الارث التاريخي العظيم يبرز سؤال ذو طبيعة اشكالية عن المتغير الذي طرئ في شكل الدولة الحضارية اليمنية؟ وكيف استجاب الإنسام اليمني لهذا التغيير الذي مس بنية حضارته بصورة جذرية، أن المتأمل في تاريخ اليمن قبل الإسلام يجد أن الدولة اليمنية الحضارية تعرضت للتدمير الممنهج نتيجة الغزو الحبشي الذي حاول إلغاء الشخصية الاعتبارية لليمن، وصهرها وفق محددات تقاطعت مع جذورها وفكرها الذي بناه اليمنيين، وجسد على الواقع في تطور بعد الدولة السياسي ومؤسساتها، المختلفة، وفي تطور موروثها الثقافي الذي قولب في لغة حفرت حروفها على الصخور، ولازالت حديثاً يروى إلى اليوم، فتلاشت الابعاد الحضارية بمرور الزمن، واندثرت المقومات، لاسيما مع دخول الفرس الذين قدموا إلى اليمن، لتخليصه من الاحتلال الحبشي، لتبدا البلاد رحلة جديدة مع احتلال أخر، مكنته الظروف السياسية من وراثة ما سبق، للتسارع الخطى نحو التلاشي بعد الاندثار الكبير، قبل بزوغ فجر الإسلام، الذي مثل حلقه جديدة شكلت قطيعة كاملة مع ما تبقى من مأثر يمنية حضارية، نتيجة الاختلاف البنيوي في طبيعة بناء الدين الإسلامي لشكل الدولة، وهذا الأمر يكتنفه الكثير من الجدل نتيجة انعدام نموذج محدد لشكل الدولة، لكن الشي الواضح بينته قيم ومبادئ تحكم طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبرزت مفاهيم جديدة في شكل الدولة الإسلامية، مثل الخلافة: التي تعني أن الحاكم خليفة الله على الأرض، يلتزم بالحكم وفق الشرع الإسلامي، ثم مفهوم الشورى: الذي يقوم على التشاور والاستشارة لأهل الحل والعقد في الأمور المصيرية، ثم مفهوم العدل: وهو تطبيق العدل والمساواة بين الناس، ثم المسؤولية: التي تعني مسؤولية الحاكم عن شعبه أمام الله في جميع أعماله وتصرفاته، وهذه المنظومة بشكل عام ألغت جميع مفاهيم الحكم والإدارة في اليمن قبل الإسلام، وصبغته بها، بعد دخول اليمن في الإسلام.
شكل دخول اليمن الإسلام قطيعة تامة مع الارث الحضاري الذي ظل سائد في هذه البلاد لألاف السنين، لتبدا رحلة جديدة في البحث عن الشرعية والمشروعية التي تم حصر الحكم داخلها ليكون مرتبط حصراً بقريش ليمنح مسوغ شرعي ديني، لفصيل محدد داخل الأمة الإسلامية، وجعل ما دون قريش تابع، يخضع لها في الحكم، إلا أن الشي المختلف في اليمن، أن الزعامات المحلية، لاسيما في فترة ضعف الدولة العباسية ابتعدت عن هذه الصبغة، ونجح عدد من الزعماء اليمنيين المحليين الاستقلال باليمن عن الخلافة العباسية ساعدهم في ذلك بعد اليمن عن مركز الدولة في العاصمة بغداد، ولم تكن هذه النزعة حكراً على اليمنيين، بل أن العلويين الذين قدموا إلى اليمن بقيادة الإمام الهادي يحيى بن الحسين عام 284ه، وعرفوا فيما بعد بالزيدية نسبة إلى الإمام زيد بن علي رضي الله عنه، وجدوا في اليمن ضالتهم المنشودة في الاستقلال عن العباسيين ابناء عمومتهم، من جهة، ومن جهة أخرى، استغلال المسوغ القرشي في الحكم، فنجحوا في بناء دولة مستقلة في اليمن، تفاوتت في حكمهم بين الضعف والسيطرة المركزية التي شملت كامل جغرافية اليمن، لاسيما في عهد المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم.
أن هذه الرحلة الطويلة في مسار تغيير شكل الدولة في اليمن طوال التاريخ الحديث يقود إلى سؤال جدلي يطرح فكرة كيف نجح الأخرون في بناء دولهم بينما فشل اليمنيين في تحقيق ذلك في الفترة المعاصرة وتحديداً من نهاية الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨م؟
أن اختزال بناء الدولة في اليمن خلال هذه الفترة، له طبيعته ومحدداته على الرغم من استقلال اليمن كقطر مستقل جاء نهاية الحرب العالمية الأولى، بقيادة الإمام يحيى حميد الدين، الذي تسلم الحكم من العثمانيين، وأسس الدولة اليمنية الحديثة في شكلها العصبوي، ذو النزعة السلالية (آل البيت)، مستنده على دعم القبلية، في النفوذ والسيطرة، لتخلق مركز حكم ممزوج بمسحة دينية كشرعية حاكمة منحت الإمام يحيى الأحقية بالحكم دون غيره، ومن هنا اختزل شكل الدولة اليمنية الحديثة في شخصية الإمام يحيى، ذو النزعة الدينية الصرفة، وعلى أثرها تركز مفهوم الحكم والدولة على اساس الدين، كالحلال والحرام، والمسلمين والكفار، وهذا منع بناء الدولة كمؤسسات ودوائر حكومية مختلفة، تنظمها نظم وقوانين تحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبدلاً من السير في هذا الاتجاه، فضل الإمام يحيى تركيز كل شيء بيده بدون وعي بأهمية بناء مؤسسات الدولة، وظل الأمر مرتبط بشكل وثيق بالمخاوف من الاطماع الخارجية، وهذا التفكير يحمل في طياته الكثير من اللغط تجاه نظرة الإمام يحيى للخارج، وأي تفسير لهذه النظرة البسيطة خارج بعدها الديني، يعد اتهام سياسي لشخصية الإمام يحيى ذات النزوع الديني، لا السياسي، فكان من الطبيعي أن تكون له نظرة قاصرة ومحدودة، وهذا الأمر سرعان ما تغير بعض الشي بعد تولي الإمام أحمد للحكم، وأن كان في إطار محدود إلا أنه أكثر بكثير في مسار بناء مؤسسات الدولة، من عهد والده.
شكلت ثورة ٢٦ سبتمبر عام ١٩٦٢م، مرحلة مفصلية في شكل الدولة ومؤسساتها، بصورة أكثر تطوراً من العهد الملكي، إذ نجحت الثورة في التأسيس للعديد من المؤسسات الحكومية، واستحداث العديد منها، وتوسيع عملها لتشمل مختلف المدن، ثم النواحي فيما بعد، وعلى الرغم من النهج الثوري ذو النزعة الاشتراكية، لم تحظى اليمن بفرصة حقيقية لبناء الدولة، كمشروع حقيق جامع لجميع اليمنيين.
وما تم كان عبارة عن محطات سياسية، لم ترقى لمستوى بناء الدولة كمشروع وطني جامع، بعيدا عن الاقصاء والتهميش، ولغة الانتقام التي طبعت جميع المراحل السياسية بعد فشل ثورة عام ١٩٤٨م.
ونتيجة للصراع السياسي على السلطة، الذي نتج عنه غياب أي مشروع حقيقي لبناء نظام سياسي يتمتع بقدر كبير من العدالة والمساواة، والغاء الفوارق الطبقية بين ابناء الشعب، وهذا الاخفاق كان نتيجة طبيعية لضعف الارادة السياسية، في بناء مؤسسات ضامنة تحمل على عاتقها حماية الدولة ورعاية مكاسبها، وصون حقوق ابنائها، وهذا لا يعفي النخب السياسية والمثقفة من مسؤولياتهم في هذا الاخفاق العجيب الذي حرم اليمن من الوصول إلى مصافي الدول التي تمتلك مؤسسات رائدة وتمتلك تجارب واسعة في تنمية الانسان وبناء مواهبه التي من شأنها أن تزيد عملية البناء والتطور بصورة أكبر وأعمق.
لكن المأمول أن يأخذ اليمنيين الدروس والعبر من التجارب المأساوية التي مروا بها نتيجة الصراع على السلطة، والشروع في بناء مشروع الدولة اليمنية الجديدة التي ينشدها جميع ابناء الشعب دون اقصاء، أو ثأر فالجميع أخطأ، والجميع أخوة، كلنا نحتاج لبعض، لبناء الدولة المأمولة التي نعيش فيها بسلام ورخاء وعدالة ومساواة ومواطنة متساوية، فالدولة اليمنية بحاجة لكل ابنائها دون تمييز، فما نشعر انه خيبة أمل وفشل في مسار بناء الدولة الضامنة ومؤسساتها طوال العقود الماضية، بالإمكان إصلاحه اليوم معاً من خلال وضع ايدينا مع بعض لنمضي قدماً بدلاً من الركون إلى هذه الترهات التي نعيشها بألم.
اقرأ أيضا:المتطرفون ضحايا ثقافة لا فطرة



