الصراع الأمريكي – الإيراني وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: من أزمة السفارة في طهران إلى تداعيات حرب غزة

الصراع الأمريكي – الإيراني وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: من أزمة السفارة في طهران إلى تداعيات حرب غزة
- بقلم: حسن الدولة
الاثنين 15 يونيو 2026-
منذ اقتحام السفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر 1979، دخلت العلاقات الأمريكية – الإيرانية مرحلة من العداء الاستراتيجي المفتوح الذي تجاوز حدود الخلاف الثنائي ليصبح أحد أهم المحددات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. وعلى امتداد ما يقارب نصف قرن، تعاقبت الإدارات الأمريكية وتغيرت القيادات الإيرانية، لكن جوهر الصراع ظل قائماً، وإن تبدلت أدواته وأشكاله بين المواجهة المباشرة والعقوبات الاقتصادية وحروب الوكالة والصراع الاستخباراتي.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على أزمة الرهائن، يجد الشرق الأوسط نفسه أمام مرحلة جديدة من هذا الصراع، خصوصاً في ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من حرب عدوانية واسعة على غزة، ثم المواجهات التي امتدت إلى لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر، وصولاً إلى الاحتكاك المباشر وغير المسبوق بين إيران وإسرائيل. كما جاءت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد، في إطار رؤية أمريكية وإسرائيلية تتحدث عن إعادة صياغة التوازنات الإقليمية ضمن ما بات يُعرف بمشروع الشرق الأوسط الجديد.
كانت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 نقطة الانعطاف الكبرى في العلاقات بين واشنطن وطهران. فقد أطاحت الثورة بأحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وهو نظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي مثل لعقود ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط. ولم تمضِ أشهر قليلة حتى اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا اثنين وخمسين دبلوماسياً وموظفاً أمريكياً لمدة أربعمائة وأربعة وأربعين يوماً، في أزمة شكّلت بداية القطيعة السياسية والدبلوماسية بين البلدين.
أحدثت تلك الأزمة تحولاً عميقاً في الإدراك المتبادل بين الطرفين. فواشنطن رأت في النظام الإيراني الجديد تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها الإقليمي، بينما اعتبرت القيادة الإيرانية الولايات المتحدة رمزاً لما أطلقت عليه “الاستكبار العالمي”. ومنذ ذلك التاريخ تشكلت عقيدة سياسية وأمنية لدى الطرفين تقوم على الشك المتبادل والصراع طويل الأمد.
خلال الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980 واستمرت حتى عام 1988، دعمت الولايات المتحدة العراق بصورة مباشرة وغير مباشرة، في حين سعت إيران إلى تثبيت نظامها الجديد ومواجهة محاولات احتوائه إقليمياً. ورغم انتهاء الحرب دون انتصار حاسم لأي من الطرفين، فإنها أسست لمرحلة جديدة من الصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران.
ومع نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت إيران تدريجياً في تطوير شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في المنطقة، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط. لكن الحدث الأكثر تأثيراً جاء عام 2003 مع الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين. فالمفارقة التاريخية تمثلت في أن التدخل الأمريكي الذي استهدف إعادة تشكيل المنطقة أدى عملياً إلى توسيع النفوذ الإيراني داخل العراق، ومن ثم في أجزاء واسعة من المشرق العربي.
خلال العقدين التاليين، تمكنت طهران من بناء منظومة نفوذ إقليمية واسعة امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، كما عززت علاقاتها مع فصائل فلسطينية مختلفة. وأصبح ما يُعرف بمحور المقاومة أحد أبرز معالم التوازنات الجديدة في المنطقة. وفي المقابل، انتقلت الاستراتيجية الأمريكية من المواجهة العسكرية المباشرة إلى سياسات الاحتواء والعقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية.
أخذ الملف النووي الإيراني موقع الصدارة في هذا الصراع. وبعد سنوات من المفاوضات، تم التوصل عام 2015 إلى الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية الكبرى، في محاولة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني عبر الوسائل الدبلوماسية. غير أن هذا المسار لم يدم طويلاً، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وإعادة فرض عقوبات مشددة على إيران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”.
وصل التوتر إلى ذروته مطلع عام 2020 عندما نفذت الولايات المتحدة عملية اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد. ورغم خطورة الحدث وما تبعه من ردود فعل إيرانية، فإن الصراع ظل محكوماً بقواعد اشتباك غير معلنة حالت دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
غير أن المشهد الإقليمي شهد تحولاً جذرياً بعد السابع من أكتوبر 2023. فقد أعادت العملية التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل القضية الفلسطينية إلى مركز الأحداث الدولية والإقليمية، وأطلقت سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية غير المسبوقة. ومنذ ذلك التاريخ دخلت المنطقة مرحلة من إعادة التموضع الاستراتيجي شملت معظم ساحاتها الرئيسية.
أظهرت الحرب في غزة أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى المواجهة باعتبارها صراعاً مع فصيل فلسطيني فحسب، بل باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع مع البنية الإقليمية التي ترى أنها مرتبطة بإيران. ومن هنا برزت محاولات إعادة صياغة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط من خلال إضعاف أو تحجيم القوى المتحالفة مع طهران في أكثر من ساحة.
في هذا السياق، برزت حدود القوة الإيرانية وحدود القوة الإسرائيلية في الوقت نفسه. فرغم امتلاك إيران شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين، فإن التطورات الأخيرة أظهرت تعرض هذه الشبكة لضغوط واستنزاف متزايدين. وفي المقابل، كشفت الحرب أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يكفي وحده لإنتاج استقرار سياسي دائم أو فرض ترتيبات نهائية على الأرض.
وتزامنت هذه التطورات مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، وهو ما أعاد إلى الواجهة الحديث عن مشاريع إعادة هندسة الشرق الأوسط. فالمفهوم الذي بدأ مع شمعون بيريز في تسعينيات القرن الماضي باعتباره مشروعاً للتكامل الاقتصادي الإقليمي، ثم تطور خلال عهد كوندوليزا رايس إلى فكرة “الفوضى الخلاقة”، عاد اليوم بصيغة مختلفة تقوم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة بما يضمن التفوق الإسرائيلي ويحد من النفوذ الإيراني ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية.
ضمن هذه الرؤية، تبدو القضية الفلسطينية أقل حضوراً في الحسابات الاستراتيجية لبعض الفاعلين الدوليين والإقليميين، إذ يجري التعامل معها بوصفها ملفاً أمنياً وإنسانياً أكثر من كونها قضية سياسية مرتبطة بحق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال. غير أن الوقائع التي أفرزتها حرب غزة أظهرت أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى اختفائه، بل إلى عودته بأشكال أكثر تعقيداً وعنفاً.
ومن منظور أوسع، تكشف تجربة الصراع الأمريكي – الإيراني منذ عام 1979 أن المنطقة عاشت سلسلة متواصلة من محاولات إعادة التشكيل السياسي والأمني، من دون أن تنجح أي منها في إنتاج نظام إقليمي مستقر. فالعقوبات لم تُسقط النظام الإيراني، والحروب لم تنهِ النفوذ الإيراني، كما أن الترتيبات الأمنية المتعاقبة لم تتمكن من معالجة الأسباب العميقة للصراعات القائمة.
لذلك تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، هناك مشروع لإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى اعتماداً على التفوق العسكري والتحالفات الأمنية. ومن جهة أخرى، تفرض الوقائع السياسية والقانونية نفسها، سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو بمستقبل العلاقات الأمريكية – الإيرانية أو بمصير التوازنات الإقليمية برمتها.
لقد أثبتت العقود الماضية أن إدارة الصراع تختلف عن حله. وربما يكون الدرس الأبرز المستفاد من مسار الصراع الأمريكي – الإيراني أن القوة تستطيع تغيير الوقائع الميدانية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو استقرار مستدام. وبينما تستمر محاولات بناء شرق أوسط جديد، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو نظام إقليمي أكثر استقراراً، أم أنها تعيد إنتاج صراعاتها التاريخية بأدوات وأشكال جديدة.



