ما يجب على الدول العربية إزاء حرب الإبادة في غزة وجنوب لبنان

ما يجب على الدول العربية إزاء حرب الإبادة في غزة وجنوب لبنان
- حسن الدولة
الأربعاء 30 سبتمبر 2026-
في مثل هذا اليوم قبل عامين، كتبت أن التاريخ لن يعذر العرب إذا اكتفوا بمشاهدة المأساة من خلف شاشات التلفاز، وأن غزة ولبنان لا يحتاجان إلى بيانات التضامن بقدر ما يحتاجان إلى موقف عربي وإسلامي يتحول من الكلام إلى الفعل. وبعد عامين، لم يعد السؤال: ماذا ينبغي أن تفعل الدول العربية؟ بل أصبح أكثر قسوة: كم من الدم والدمار نحتاج حتى ندرك أن البيانات وحدها لا توقف حربًا، ولا تحمي إنسانًا، ولا تعيد بيتًا إلى صاحبه؟
في 29 سبتمبر 2024 كتبت مقالًا بهذا العنوان، دعوت فيه إلى اجتماع طارئ للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وتوحيد الموقف العربي والإسلامي، وتشكيل لجنة مشتركة لتنسيق الجهود السياسية والدبلوماسية والإنسانية، والتحرك في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ودعم المسارات القانونية، وتقديم العون للمتضررين في غزة وجنوب لبنان، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار، وصولًا إلى استراتيجية طويلة الأمد تمنع تكرار المأساة.
لم تكن تلك الدعوة ترفًا سياسيًا ولا انفعالًا عابرًا؛ فقد كان واضحًا منذ ذلك الوقت أن الحرب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، وأن آثارها ستطال الإنسان والأرض والدولة والنظام الإقليمي كله. واليوم، وبعد عامين، جاءت التطورات لتؤكد أن القضية لم تعد تحتمل إدارة عربية موسمية للأزمات، تبدأ ببيان وتنتهي ببيان.
فالمسار القانوني الدولي نفسه شهد تطورات بالغة الأهمية. فقد أصدرت محكمة العدل الدولية، في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، تدابير مؤقتة وأكدت في مراحل لاحقة ضرورة اتخاذ إجراءات لمنع الأفعال التي تدخل في نطاق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة. أما المحكمة الجنائية الدولية فقد أصدرت في نوفمبر 2024 أوامر قبض بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على أساس وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق ما ورد في قرار الدائرة التمهيدية. وهذه التطورات، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها، تؤكد أن القضية الفلسطينية انتقلت إلى مستوى غير مسبوق من الحضور أمام مؤسسات العدالة الدولية.
وهنا تحديدًا يتجدد السؤال الذي طرحته قبل عامين: أين الحضور العربي والإسلامي في هذا المسار؟
ليس المقصود أن تحل الدول العربية محل المؤسسات القضائية الدولية، وإنما أن تستخدم أدواتها القانونية والدبلوماسية والسياسية لدعم المساءلة وحماية المدنيين، وأن تتعامل مع القانون الدولي باعتباره ساحة من ساحات العمل السياسي، لا مجرد عنوان في البيانات الرسمية.
والأهم أن فكرة التحرك الجماعي لم تعد مجرد اقتراح نظري. ففي مارس 2025 أقرت القمة العربية الاستثنائية في القاهرة خطة للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، تضمنت تصورًا لإعادة البناء وإنشاء آليات لتمويل الإعمار والتحرك العربي المشترك. ثم جاءت تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في أبريل 2026 لتكشف حجم الكارثة بصورة أكثر وضوحًا، إذ قدرت احتياجات التعافي وإعادة إعمار غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات.
فهل يمكن بعد هذه الأرقام أن تظل إعادة إعمار غزة مسؤولية المانحين المتفرقين، أو أن تبقى الدول العربية في موقع المتفرج على أكبر عملية إعادة إعمار يحتاجها قطاع عربي منكوب؟
إن إنشاء صندوق عربي وإسلامي دائم لإعادة إعمار غزة وجنوب لبنان لم يعد فكرة مثالية، بل ضرورة سياسية وإنسانية واقتصادية. صندوق له موارد معلومة، وإدارة شفافة، وآليات رقابة، وخطة زمنية، بحيث لا تتحول إعادة الإعمار إلى مؤتمر آخر للوعود، ثم تتبخر الوعود قبل أن تعود الحياة إلى المدن المدمرة.
وفي جنوب لبنان، أثبتت التطورات أن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لصناعة سلام مستدام. فالاستقرار يحتاج إلى احترام سيادة الدولة اللبنانية، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وحماية المدنيين، وإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب، ومعالجة الأسباب التي تجعل الجنوب اللبناني يعود بصورة متكررة إلى دائرة التصعيد.
وهنا أيضًا تصبح المسؤولية العربية عملية وليست عاطفية: دعم الدولة اللبنانية، مساعدة أهل الجنوب، تمويل إعادة الإعمار، والتحرك الدبلوماسي الجاد لمنع عودة الحرب.
أما غزة، فإن المأساة الإنسانية لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار. فالدمار الهائل الذي أصاب المساكن والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب النزوح والفقر وانهيار الاقتصاد، يجعل إعادة بناء الحياة نفسها معركة تحتاج إلى سنوات طويلة.
ولهذا فإن المطلوب عربيًا وإسلاميًا ليس فقط إطفاء الحريق، وإنما منع اشتعاله من جديد.
وهذا يتطلب استراتيجية تتجاوز رد الفعل: موقفًا دبلوماسيًا عربيًا وإسلاميًا منسقًا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، دعمًا للمسارات القانونية الدولية، مساعدات إنسانية مستمرة، صندوقًا لإعادة الإعمار، آلية مشتركة لمتابعة تنفيذ القرارات والاتفاقات، وضغطًا سياسيًا واقتصاديًا يتناسب مع حجم المأساة، مع احترام القانون الدولي والالتزامات التي ترتبط بها كل دولة.
كما أن معالجة أصل المشكلة لا تقل أهمية عن معالجة نتائجها. فلا يمكن أن يكون السلام مجرد هدنة بين حربين، ولا يمكن أن تكون إعادة الإعمار مجرد ترميم للجدران بينما تبقى جذور الصراع قائمة. إن الوصول إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية، تكفل للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته وفق المرجعيات الدولية، يمثل جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية جادة لإنهاء دورة الحروب.
لقد كتبت قبل عامين أن الدول العربية والإسلامية، إذا جمعت إمكاناتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، تستطيع أن تكون أكثر تأثيرًا في مسار الأحداث. واليوم أثبتت التجربة أن بعض الأفكار التي طرحتها آنذاك أصبحت بالفعل جزءًا من خطط عربية ودولية، لكن الفارق بين الخطة والنتيجة هو الإرادة والقدرة على التنفيذ.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من المؤتمرات التي تنتهي ببيانات، ولبنان لا يحتاج إلى مزيد من عبارات التضامن التي لا تتحول إلى فعل. الشعوب تقيس المواقف بما تتركه على الأرض: مستشفى يُعاد بناؤه، طفل يجد دواءه، أسرة تعود إلى بيتها، ومدينة تستعيد حياتها.
لقد طال زمن الاكتفاء بمشاهدة المأساة ثم إصدار بيان.
آن الأوان أن يتحول التضامن العربي والإسلامي من موقف يُعلن إلى سياسة تُنفذ، ومن خطاب يُسمع إلى قوة تُستخدم، ومن اجتماع يُعقد إلى قرار يُتابع ويُحاسب على تنفيذه.
وإذا كانت غزة قد دفعت ثمن الحرب من دم أبنائها وبيوتها ومستقبل أجيالها، فإن أقل ما يستطيع العرب والمسلمون أن يفعلوه هو ألا يتركوها تدفع وحدها ثمن إعادة بناء ما دمرته الحرب.
فالتاريخ لا يسأل فقط: من أشعل الحرب؟
بل سيسأل أيضًا: من رأى المأساة، وكان يستطيع أن يفعل شيئًا، ثم اكتفى بالمشاهدة؟
اقرأ أيضا:اليمن وحتمية الانتصار



