حين يتكلم الشعر بلسان الوفاء

حين يتكلم الشعر بلسان الوفاء
قراءة في قصيدة الشاعر الأستاذ عباس الديلمي في رثاء المناضل حسين محمد المسوري مع نبذة عن سيرته الوطنية
بقلم: الأسيف/ حسن الدولة
الدمعة 10 يوليو 2026-
كتبتُ قبل أيام في صفحتي مخاطبًا الأصدقاء أنني لم أجد تفسيرًا لعدم كتابة أي رثاء في وداع فقيد الوطن اللواء الركن المناضل حسين محمد المسوري، رغم المكانة الوطنية الكبيرة التي احتلها، ورغم الصداقة الحميمة التي جمعتني به سنوات طويلة، إذ كنت أحد رواد مقيله العامر، وشاهدًا على ما كان يتمتع به من سعة صدر، ودماثة خلق، وثراء في الفكر والتجربة.
وما هي إلا ساعات حتى فاجأني الصديق الشاعر الكبير الأستاذ عباس الديلمي بقصيدته العصماء في رثاء الفقيد، وقد خطها بيده الجميلة، وكأنها جاءت لتملأ ذلك الفراغ الذي شعرت به، ولتؤكد أن الوفاء لا يموت، وأن الكلمة الصادقة قد تتأخر، لكنها لا تغيب.
ورأيت أن أغتنم هذه المناسبة لأقف وقفة متأملة أمام هذه القصيدة، وأن أقرنها بإضاءة موجزة على سيرة رجل كان واحدًا من رجالات الجمهورية الأوفياء.
يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:
رَحَلَ الصَّدِيقُ، فَغُصْتُ فِي أَحْزَانِي
غَرَقًا أَلُوذُ بِرَحْمَةِ الْمَنَّانِ
ومنذ المطلع يختار الشاعر كلمة “الصديق” قبل أي لقب أو منصب، ليعلن أن الرثاء هنا ليس رثاء مسؤول أو قائد فحسب، وإنما رثاء إنسان وصديق عزيز، وأن الحزن الذي يعتمل في النفس حزن شخصي عميق قبل أن يكون مناسبة عامة.
ثم ينتقل إلى التسليم بقضاء الله، فيقول:
وَدَّعْتُهُ بِجَمِيلِ صَبْرِي إِذْ سَمَا
وَتَلَقَّفَتْهُ بَشَاشَةُ الرِّضْوَانِ
وهي صورة إيمانية مشرقة، إذ لا يقف الشاعر عند حدود الفقد، وإنما يفتح باب الرجاء، فيصور الفقيد وقد استقبلته بشاشة الرضوان، في توازن جميل بين لوعة الفراق والرضا بقضاء الله.
ويبلغ التفاؤل ذروته في قوله:
فَهُوَ الْمُنَعَّمُ فِي الرِّيَاضِ بِحُورِهَا
لَا فِي دِيَارِ مَشَقَّةٍ وَهَوَانِ
فالدنيا دار تعب، أما الآخرة فهي دار الجزاء والنعيم، وهي رؤية تنتمي إلى مدرسة الرثاء الإسلامي التي تجعل الدعاء والرجاء جزءًا أصيلًا من البناء الشعري.
أما أكثر أبيات القصيدة تأثيرًا فهو قوله:
لَمَّا تَبَسَّمَ فِي الْجِنَانِ لِمَا حَبَا
هُ اللَّهُ، إِنَّ فِرَاقَنَا أَبْكَانِي
ففي هذا البيت مفارقة وجدانية مؤثرة؛ ابتسامة الراحل في نعيم الآخرة تقابلها دموع الأحياء لفراقه، وكأن الشاعر يرسم مشهدين متوازيين: سعادة الراحل بما أعده الله له، وحزن أصحابه الذين فقدوه.
ثم يلتفت إلى مناقب الفقيد، فيقول:
أَحُسَيْنُ، بَعْدَكَ مَنْ لِنُبْلِ فَضَائِلٍ
جَمَعَتْ خِصَالَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ
إنه استفهام لا ينتظر جوابًا، وإنما يقرر فرادة الشخصية التي يرثيها، ويعدد خصالها من بر وإحسان ووفاء ونبل.
ويتواصل هذا المعنى في قوله:
مَنْ لِلصَّدَاقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِخَاءِ
وَغَيْرَةِ النُّبَلَاءِ وَالْفُرْسَانِ
وهنا يختصر الشاعر شخصية الفقيد في منظومة أخلاقية كاملة، فالصداقة والمحبة والإخاء ليست صفات عابرة، وإنما كانت عنوانًا لحياته، وهو ما يشهد به كل من عرفه عن قرب.
ثم يختم القصيدة بخاتمة يغلب عليها الدعاء والرجاء، إذ يسأل الله أن يجعل الفقيد شفيعًا له، وأن يجمعهما في دار كرامته، وهي نهاية تنسجم مع الروح الإيمانية التي سرت في القصيدة من أولها إلى آخرها.
ومن الناحية الفنية، جاءت القصيدة على نهج القصيدة العربية العمودية، محافظة على وحدة الوزن والقافية، بلغة جزلة، وألفاظ واضحة، وصور بعيدة عن التكلف، وهو أسلوب عرف به الشاعر عباس الديلمي، إذ يجمع بين فصاحة العبارة وصدق العاطفة، فلا يطغى الصنع على الشعور، ولا يغلب الزخرف اللفظي على حرارة الوجدان.
أما الفقيد اللواء الركن المناضل حسين محمد المسوري، فقد كان واحدًا من رجال الجيل الجمهوري الأول الذين ارتبطت أسماؤهم بميلاد الدولة اليمنية الحديثة بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر. ولد في صنعاء عام 1942م، وتخرج في كلية الطيران عام 1961م، ثم انخرط في صفوف الثورة والجمهورية منذ أيامها الأولى، متنقلًا بين مواقع القيادة العسكرية حتى تولى قيادة سلاح المشاة، ثم نائبًا لرئيس هيئة الأركان، قبل أن يعين رئيسًا لهيئة الأركان العامة عام 1969م، وهي مرحلة مفصلية شهدت إعادة تنظيم القوات المسلحة وترسيخ مؤسسات الدولة.
ولم تتوقف مسيرته عند المؤسسة العسكرية، بل انتقل إلى العمل الدبلوماسي سفيرًا لليمن في جمهورية مصر العربية ومندوبًا دائمًا لدى جامعة الدول العربية، ثم تقلد مناصب إدارية وسياسية عدة، كان من أبرزها أمين العاصمة صنعاء، ثم عضوًا في مجلس الشورى.
وعرف الفقيد كذلك باهتمامه بالتوثيق التاريخي، فدوّن جانبًا مهمًا من تجربته الوطنية في مذكراته وكتاباته، وأسهم في الحفاظ على الذاكرة الوطنية للأجيال. كما كان من الداعمين للحركة الرياضية والثقافية، ومن المهتمين بصون التراث اليمني، وفي مقدمته مدينة صنعاء القديمة، إلى جانب ما عُرف عنه من تواضع، ودماثة خلق، وسعة أفق، وعلاقات إنسانية واسعة.
لقد جمع اللواء حسين المسوري بين شجاعة المقاتل، وحكمة الإداري، ورؤية الدبلوماسي، وأخلاق الإنسان النبيل، ولذلك لم يكن غريبًا أن يترك في نفوس من عرفوه هذا الأثر العميق الذي نلمسه في قصيدة الأستاذ عباس الديلمي.
رحل الرجل، وبقيت سيرته، وبقيت أعماله، وبقي الشعر الصادق شاهدًا على أن الرجال الكبار لا يغيبون ما دامت مآثرهم حية في ذاكرة الوطن، وأن الكلمة الوفية قادرة على أن تحفظ ما قد تعجز عنه صفحات التاريخ الجافة.
رحم الله اللواء الركن المناضل حسين محمد المسوري، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، ورحم الله الشاعر الذي أنصف صديقه بقصيدة ستظل من أجمل ما كُتب في رثائه، لأنها خرجت من قلب عرف قيمة الصداقة، فبلغت قلوب القراء بصدقها قبل جمالها.
رحم الله اللواء الركن المناضل حسين محمد المسوري، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، ورحم الله الشاعر الذي أنصف صديقه بقصيدة ستظل من أجمل ما كُتب في رثائه، لأنها خرجت من قلب عرف قيمة الصداقة، فبلغت قلوب القراء بصدقها قبل جمالها.
وفي الختام، نسأل الله عز وجل أن يُلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وأن يعصم قلوبهم، وأن يُنزل شآبيب رحمته ومغفرته ورضوانه على روح الفقيد، وأن يُسكنه فسيح جناته، جوار الشهداء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
—————————————–
واليكم القصيدة :
((رَحَلَ الصَّدِيقُ
للشاعر الأستاذ عباس الديلمي
(قصيدة رثاء في فقيد الوطن اللواء الركن حسين بن محمد المسوري رحمه الله)
رَحَلَ الصَّدِيقُ، فَغُصْتُ فِي أَحْزَانِي
غَرَقًا أَلُوذُ بِرَحْمَةِ الْمَنَّانِ
وَدَّعْتُهُ بِجَمِيلِ صَبْرِي إِذْ سَمَا
وَتَلَقَّفَتْهُ بَشَاشَةُ الرِّضْوَانِ
فَهُوَ الْمُنَعَّمُ فِي الرِّيَاضِ بِحُورِهَا
لَا فِي دِيَارِ مَشَقَّةٍ وَهَوَانِ
يا من تَبَسَّمَ فِي الْجِنَانِ لِمَا حَبَاهُ اللَّهُ،
إِنَّ فِرَاقَنَا أَبْكَانِي
إِنْ صِرْتَ فِي أَسْمَى الْمَرَاتِبِ رِفْعَةً
فَبِمَا صَنَعْتَ، وَطَاعَةِ الرَّحْمَنِ
أَحُسَيْنُ، بَعْدَكَ مَنْ لِنُبْلِ فَضَائِلٍ
جَمَعَتْ خِصَالَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ
مَنْ لِلصَّدَاقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِخَاءِ
وَغَيْرَةِ النُّبَلَاءِ وَالْفُرْسَانِ
مَنْ لِلتَّرَفُّعِ عَنْ شُرُورِ صَغَائِرٍ
وَمَكَارِمٍ شَهِدَا لَهَا الثَّقَلَانِ
لَا عَيْشَ بَعْدَكَ، لَا سُلُوَّ وَلَا
انْشِرَاحَ لِمُهْجَةٍ، بِمَثَالِثَ وَمَثَانِي
وَبِمَا حَبَاكَ اللَّهُ مِنْ إِحْسَانِهِ
كُنْ شَافِعِي وَنَاطِقًا بِلِسَانِي
قَبْلَ اللِّحَاقِ بِمَنْ أُحِبُّ، تُحَفُّنِي
ثِقَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وَالْغُفْرَانِ





