حين يتحول النص الديني إلى شيك على بياض: قراءة في مقولة “أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر”

حين يتحول النص الديني إلى شيك على بياض: قراءة في مقولة “أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر”
د. رياض الصفواني
السبت 13 يونيو 2026-
قبل عقدين ونيف كنت أسمع البعض يردد مقولة “أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر”، فتلفت انتباهي صيغتها المميزة، دون أن أبدي اهتماماً يُذكر بمعرفة مصدرها. واكتفيت فقط بإدراك معناها السطحي، وهو فصل هذا عن ذاك، على غرار الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك” (١٦٣٢ – ١٧٠٤م) الذي يُنسب إليه أحياناً مفهوم فصل الدين عن الدولة، حتى عرفتُ لاحقاً ودون بحث أنها منسوبة للسيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، حين سأله يهود من الطائفة الفريسية: “أيجوز أن نعطي الجزية لقيصر أم لا؟”. فطلب ديناراً، وسأل: “لمن هذه الصورة والكتابة؟” قالوا: “لقيصر”. فأجاب: “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”.
في جوابه هذا، لم يقُل “لا دين في السياسة” ولا “لا سياسة في الدين”. بل يقول: لكلٍ حقه وحدوده. للقيصر حقه في الضريبة وإدارة النظام والعمران، ولله حقه في القلب والنية والعبادة والضمير.
وبقليل من التأمل في المقولة يُظهِر أنها تؤسس لفكرتين متجاورتين لا متصادمتين: فكر ديني يحفظ قداسته من التلويث، وفكر سياسي يمارس سلطته دون وصاية كهنوتية. من هنا استشهد بها العلمانيون العرب كحجة لترسيم الحدود بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية، وذلك على نحو ما فعل الشيخ الأزهري “علي عبدالرازق” في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، والذي جعل الخلافة شأن دنيوي مفصول عن الدين، والشيخ محمد عبده الذي عُرف عنه دعوته الشهيرة “لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة”، والتي فُسرت بأنها سعي لتخليص الدين من استبداد الحكام وتخليص السياسة من وصاية الفقهاء، وربما بالغوا في ذلك الترسيم، بحيث نظر إليه بعض الفقهاء ورواد الفكر السياسي الإسلامي مثل الشيخ “محمد رشيد رضا” والشيخ “محمد الغزالي” على أنه فصل قطعي حدِّي. ودعوا إلى مقاطعة القائلين به من منظور أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وسياسة. وقد دعا نفرٌ من العلمانيين العرب أو الحداثيين كما يصفهم أنصار طروحاتهم إلى فك الاشتباك بين السلطتين الزمنية والدينية، لا إلغاء الدين، بل تنزيهه عن أن يُستخدم سلعة في سوق السياسة. فصلٌ يحفظ للدين روحه، وللسياسة عقلها، وللناس حريتهم في أن يعبدوا ربهم بلا وصي، وأن يحاسِبوا حاكمهم دون تجريم أو خوف من تكفير، كما نقرأ في طروحات “محمد عابد الجابري”.
لكن جوهر المقولة يُظهِر العكس، وهو تدخل رجل السلطة في الدين وتجييره لصالحه. وذلك يعني أن يتحول الدين إلى أداة استعباد، ورسالة الدين قطعاً ليست كذلك.
فحين يصدر الحاكم قوانين جائرة ثم يستدعي “رجال الدين” ليفتوا بـ”طاعة ولي الأمر وإن جلد ظهرك وأخذ مالك”، يحوّل نصاً دينياً إلى ما يشبه شيك على بياض. فالدين هنا يصبح ختماً على قرارات القيصر، لا ميزاناً يحاسبه.
وفي ذات السياق، يُنشئ الحاكم مؤسسة دينية رسمية واحدة، ويقصي كل صوت مخالف. فمن يخرج عن خطابها يُتهَم دينياً بالزندقة والمروق ويُحكم عليه سياسياً بالعصيان والتمرد. وهنا يصبح الدين ما يقوله القيصر، لا ما جاء به الوحي. وهكذا على مر العصور.
فعلى سبيل المثال، تتحول صلاة الجمعة من منبر وعظ وتذكير بالله وتعاليم رسوله إلى منبر مديح للحاكم وإنجازاته. ويُمنع الدعاء للمظلومين “حتى لا تكون فتنة”. فيُفرغ الدين من جوهره ويُحشى بخطاب السلطة.
كل معارض سياسي يُلبَس لبوس الكفر أو البدعة، فلا تُناقَش فكرته، بل تُكفّر. بهذه الحيلة يلغي القيصر خصمه دنيوياً ودينياً معاً، ويقنع الناس أن معارضته معصية. وكأنما يريد أن يقول للناس: أنا لست حاكماً فقط، أنا امتداد للمقدس، فمن يعارضني يعارض الله. مثلما فعلت الكنيسة الكاثوليكية طيلة عشرة قرون من تاريخها، واقتفى أثرها جمهور في المؤسسة الفقهية الإسلامية بصورة غير مباشرة ودونما سابق معرفة، دون فك الارتباط بين مفهومهم الاجتهادي للنص الديني وبين الأخير بصفته نص مقدس.
وبالنتيجة، تتشوه صورة الدين في الوعي الجمعي، فيراه الناس أداة قمع لا رحمة، وسلطة لا هداية. وهنا يتحقق الخطر الذي حذّرت منه المقولة. لأنك حين تخلط ما لله بما لقيصر، تخسر الاثنين معاً: تُفسد السياسة حين تحرمها من المراجعة الأخلاقية، وتُفسد الدين حين تجعله خادماً للسلطان. وإذا بنا “نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعُ”.
ولهذا، لاتبدو المقولة دعوة لعلمنة تُقصي الدين بالضرورة، بقدر ماهي دعوة لإنصاف الدين من أيدي القياصرة. أن يبقى لله ما لله: المحبة، العدل، الرحمة، محاسبة الظالم. وأن يبقى لقيصر ما لقيصر: الضريبة، الطريق، المستشفى، القانون.
المقولة على هذا الأساس ليست فصلاً وقطيعةً، بل تبدو كعقد توازن، تحمي المقدس من التدنيس والاستثمار السياسي، وتحمي الدنيوي من الاستبداد.
اقرأ أيضا:الحاضر بوصفه تاريخاً يتكرر





