كتابات فكرية

الغش آفة التعليم في اليمن

الغش آفة التعليم في اليمن

  • امين الجبر

السبت 18 أبريل 2026-

حين تنتشر ظاهرة الغش في الاختبارات النهائية، ولا سيما الاختبارات الوزارية للشهادة العامة في أي بلد من البلدان، وتتحول هذه الظاهرة إلى ما يشبه الثقافة المعتادة التي يسكت عنها رسمياً وشعبياً، ويصبح الحديث عنها كحديث عن المطر أو عن حر الصيف، فاعلم حينها أنك أمام كارثة صامتة، وأمام سم زعاف يتسرب إلى جسد التعليم ليقتله قتلاً بطيئاً، وعندها اقرأ على هذا البلد الفاتحة، واحكم على تعليمه بالفشل الذريع والإعدام سفاحاً من دون رحمة أو هوادة.

إن الواقع الذي نعيشه في بلادنا اليمن يؤكد وبشكل لا يقبل الشك أن التحذيرات الرسمية العلنية من خطورة تفشي ظاهرة الغش وانتشارها بهذا الشكل المخيف، لم تعد تجدي نفعاً، ولم تعد ترهب أحداً، ذلك أن التعليم في حالة استمرار الغش على هذا النحو سيكون في مهب الريح لا محالة، إن لم يكن قد قرئت عليه الفاتحة بالفعل، وحكم عليه بالإعدام بحضور كل من سكت عنه أو تهاون فيه أو برره تحت أي ذريعة كانت، وإذا لم يتدارك الجميع هذا الأمر الخطير بمسؤولية وطنية حقيقية من قبل الجهات الرسمية ورجال الدولة، ومعهم المجتمع بكل أطيافه وفئاته، فإن الكل سيكون شريكاً في ذبح الوطن من الوريد إلى الوريد، وسيكون الكل مساهماً بفعالية في تدهور التعليم وضياعه واندثاره.

وما جدوى التحذيرات الرسمية من خطورة انتشار هذه الآفة، وما جدوى العقوبات الرادعة المفترض أن تزجر من يعبث بمستقبل الأجيال، إذا ما أصبح الغش مألوفاً يمارسه الجميع، من دون وازع من ضمير، ومن دون رقابة ذاتية تحمل صاحبها مسؤولية ما يفعل، وتذكره بخطورة الأمر على مستقبل الأجيال وعلى الوطن عامة؟ لقد أثبت الواقع الذي نعايشه أن ثمّة من يمارس الغش بدافع المصلحة الشخصية فقط لا غير، وأن البعض يمارسه من منطلق مفهوم خاطئ بأنه يقدم خدمة للطالب لعله يقتنص وظيفة في المستقبل، ظاناً منه أنه يقدم خدمة جليلة له ولأسرته، غافلاً أو متناسياً أن هذه الخدمة المزعومة ما هي إلا جريمة نكراء في حق التعليم قد تؤدي إلى هدمه من أساسه.

وهناك من يمارس الغش من باب تكثير أتباعه من المتعلمين والمدرسين، ظناً منه أنه بهذه الطريقة الرديئة يمكن له السيطرة على جهة وظيفية معينة أو نيل ولاءات هشة لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي للحياة، وهناك ثالث يمارس الغش من زاوية مماثلة لتلك المقولة التي يرددها من يتساهل مع الشر، زاوية أن الغش رحمة بالطالب المسكين، ومساعدة له، وهو المثقل بكثافة المنهج الجهنمية من جهة، وبأعباء الدراسة المالية الفادحة من جهة أخرى، وكأن مصير أمة يبنى على الرحمة التي تأتي من باب الحرام، وكأن الفقر والجهد يبرران الغش ويحولانه إلى فضيلة، وهذا والله من أشد أنواع العمى والبصيرة.

بل إن هناك من يمارس الغش بغية حصد الدرجات العليا ومراتب الأوائل، من أجل الظفر بالمنح الدراسية لأبنائه، أو من أجل إضفاء سمعة طيبة زائفة على مدرسته الخاصة الأهلية، وهلم جراً، فتجد هذا الصنف من الناس يجند المدرسين المتخصصين لهذه المهمة اللاوطنية، ويستغل عوزهم المادي، حيث تدفعهم الفاقة والحاجة إلى ممارسة الغش تحت ضغط البطش والإذلال والرغيف، فتصبح المدرسة مؤسسة لتخريج الغشاشين، والمعلم أداة لقتل القيم.

إن انتشار ظاهرة الغش بهذا الشكل المخيف، وهذا التمدد المريع في الجسد التعليمي، ينذر بكارثة محققة قد لا نستطيع التحكم فيها على المدى الطويل، وقد لا يحمد عقباها إذا ما تدارك الجميع خطورتها البتة، وعملوا على معالجتها واجتثاثها من جذورها على الفور، باعتبارها خطراً وجودياً على مستقبل التعليم، وآفة مجتمعية لا تحتمل التأجيل، ولا التسويف، ولا التبرير، ولا المواسم، فالكل مسؤول عن محاربة هذه الآفة المقيتة، والتحذير من مخاطرها، وعدم التساهل مع ممارسيها أياً كان موقعهم ومستواهم، ومهما كانت ظروفهم وحاجتهم المادية أو النفسية، علينا أن نجرم كل من يمارسها، وعلينا أن نجرّم كل من يتساهل في ردع وزجر من يبررها، إذا كنا حريصين وصادقين في ازدهار التعليم ونجاحه.

والأدهى من ذلك والأمر أن نجد من يمارس ظاهرة الغش بشكل ممنهج ومنظم، وبحجج واهية وغير معقولة، كادعائه أن هؤلاء الطلاب الذين يغشون هم من المجاهدين، أو من الحزب الفلاني، أو من الجماعة الفلانية، أو من الرفاق، أو من المواليين للحاكم الفلاني، والذين ينبغي مساعدتهم وتشجيعهم ودفعهم نحو النجاح ولو على حساب ضمير الأمة ومستقبلها، ولا منقذ لنا مما نحن فيه من الجهل والتخلف والانحطاط إلا بالتعليم الجيد والنوعي، فكيف لنا أن نضيعه بأيدينا، ونساعد على تدميره من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم؟

لقد تزايدت مظاهر الغش في الاختبارات بشكل مخيف ومرعب، خصوصاً مع توفر الوسائل الحديثة التي تسهل عملية الغش، من هواتف ذكية وأجهزة لاسلكية ومنصات إلكترونية، وبالإضافة إلى ذلك صمت الجهات الرسمية المخزي، وسكوت المجتمع المخزي أيضاً، والذي أدى بدوره إلى سرعة انتشار الظاهرة وقبولها كأمر واقع لا يمكن تغييره، تحت ذريعة ما تشهده البلاد من حروب وصراع وحصار ودمار، وقد صرح وزير التربية والتعليم والبحث العلمي بذلك بنفسه، وحذر من خطورة تفشي هذه الظاهرة، كاعتراف رسمي خطير بوجودها وممارستها على نطاق واسع، في الوقت نفسه الذي توعد فيه بمعاقبة مرتكبيها، ونأمل منه ومن كل مسؤول حقيقي سرعة معالجتها وتفعيل القوانين الصارمة في معاقبة كل من ثبت عليه ممارستها، سواء كان تربوياً أو طالباً أو مراقباً أو مديراً، وبكل قسوة وبدون أي استثناء أو محاباة أو مجاملة.

كما أن هناك من أولياء أمور الطلاب من يحضر بنفسه إلى مراكز الامتحانات بغية إدخال الغش لابنه الطالب بعدة طرق ملتوية، وقبل ذلك يتفق مع بعض المدرسين المتخصصين لحل الأسئلة بعد تسرب ورقة الاختبار بمبلغ محدد من المال مقابل ذلك، وكأن العملية برمتها صفقة تجارة رابحة لا امتحان مصيري، إن الغش، يا حضرات، ويا أصحاب السمو والمعالي، ويا أيها المواطنون الشرفاء، إن الغش يعد كارثة حقيقية على مستقبل التعليم في بلادنا، كما يعد السكوت عليه جرماً وطنياً وأخلاقياً لا يغتفر، ولا يمحوه الزمن، ولا تبرره أي ظروف، إن هذه الظاهرة اللا أخلاقية هي أم المصائب، وأس الدمار، ورأس الخطيئة في جسد التعليم اليمني.

لذا فإننا نناشد كل ذي ضمير حي من المسؤولين وأصحاب القرار، وكذلك عموم الشعب اليمني في الداخل والخارج، نناشدهم بالله ثم بالوطن وبمستقبل أبنائهم، أن يقفوا وقفة رجل واحد لمحاربة الغش ومعالجة قضاياه وجذوره مهما كان الثمن، وقبل فوات الأوان، وقبل أن ندفع جميعاً ثمن هذا التفريط بجيل كامل، وقبل أن نقرأ الفاتحة على تعليمنا ونحن لا نملك إلا الحسرة والندامة.

اقرأ أيضا للكاتب: العرف القبلي في اليمن: شرعة مؤازرة أم بنية معيقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى