ليس استذكار لمظلومية الإمام الحسين بل رؤية سياسية متكاملة لتفسير الصراع الإقليمي والدولي

ليس استذكار لمظلومية الإمام الحسين بل رؤية سياسية متكاملة لتفسير الصراع الإقليمي والدولي
عاشوراء في خطاب السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي: من كربلاء إلى معادلات الصراع الإقليمي
قراءة في الأبعاد الدينية والسياسية والاستراتيجية لخطاب عاشوراء 1448هـ
مقال رأي بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف
الجمعة 26 يونيو 2026-
ليست عاشوراء في الوعي الإسلامي مجرد ذكرى تاريخية لاستشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام، وإنما تمثل، لدى كثير من المدارس الإسلامية، مدرسةً متجددةً في مقاومة الظلم، والدفاع عن العدالة، ومواجهة الانحراف السياسي والأخلاقي. ومن هذا المنطلق جاءت كلمة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في العاشر من محرم 1448هـ، لتقدم قراءة تربط بين ثورة الإمام الحسين والواقع السياسي الذي تعيشه المنطقة، واضعةً كربلاء في قلب المشهد الجيوسياسي المعاصر.
ولم يكن الخطاب مجرد استذكار لمظلومية الإمام الحسين، بل حمل رؤية سياسية متكاملة حاولت تفسير الصراع الإقليمي والدولي من خلال النموذج الحسيني، حيث قُدمت كربلاء باعتبارها نموذجًا تاريخيًا متجددًا للصراع بين مشروعين: مشروع الإصلاح والعدل، ومشروع الهيمنة والاستبداد.
أولاً: كربلاء بوصفها إطارًا لفهم الحاضر
يرتكز الخطاب على رؤية تعتبر أن نهضة الإمام الحسين لم تكن معركة على السلطة، وإنما ثورة إصلاحية هدفت إلى حماية الإسلام من الانحراف، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما ينسجم مع ما نُقل عن الإمام الحسين في خروجه: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.”
ومن هذا المنظور، يعيد الخطاب قراءة الواقع السياسي المعاصر من خلال النموذج الكربلائي، فيربط بين مفاهيم الطغيان والاستكبار الواردة في القرآن الكريم وبين الصراعات القائمة في المنطقة، معتبراً أن مواجهة الهيمنة الخارجية تمثل امتدادًا للموقف الحسيني في رفض الظلم.
وهذه المقاربة ليست جديدة في الفكر السياسي الإسلامي، بل تمثل أحد أبرز أنماط توظيف الذاكرة التاريخية في بناء الهوية السياسية، حيث تتحول الشخصيات التاريخية إلى رموز معيارية يُقاس عليها الواقع.
ثانياً: البعد القرآني في بناء الخطاب
اعتمد الخطاب بصورة واضحة على المفاهيم القرآنية المرتبطة بالثبات والجهاد والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقدماً الإمام الحسين بوصفه النموذج العملي لتجسيد هذه المبادئ.
وفي هذه القراءة، لا تصبح عاشوراء مناسبة للبكاء على الماضي فحسب، بل مدرسة لإعداد الإنسان المؤمن القادر على تحمل التضحيات دفاعًا عن المبادئ، وهو ما يفسر تأكيد الخطاب أن الأمة تستمد “عزم الإيمان ونور القرآن والإمام الحسين” في مواجهة الطغيان.
ومن الناحية الفكرية، يمثل هذا الربط بين القرآن وكربلاء محاولة لبناء منظومة قيمية متكاملة تجعل من الثورة الحسينية مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد.
ثالثاً: فلسطين… القضية المركزية
احتلت القضية الفلسطينية مساحة واسعة في الخطاب، حيث قُدمت باعتبارها الامتحان الأكبر لضمير الأمة الإسلامية، وربط الخطاب بين ما يجري في غزة وبين المظلومية التاريخية التي جسدتها كربلاء.
ووفق الرؤية التي عرضها الخطاب، فإن استمرار الحرب على غزة، وما يرافقها من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، يعكس استمرار منطق القوة في مواجهة الشعوب، وهو ما دفع إلى اعتبار دعم الفلسطينيين واجبًا دينيًا وأخلاقيًا وسياسيًا.
ويلاحظ أن الخطاب أعاد التأكيد على مفهوم “وحدة الساحات”، بوصفه إطارًا للتنسيق بين القوى المتحالفة في مواجهة إسرائيل، مع الإعلان عن استمرار التنسيق مع الحلفاء في حال وقوع أي تصعيد جديد.
رابعاً: البحر الأحمر والقرن الإفريقي… توسيع مفهوم الأمن الإقليمي
من أبرز ما حملته الكلمة انتقالها من الإطار العقائدي إلى قراءة الجغرافيا السياسية للمنطقة.
فقد تناول الخطاب التطورات المتعلقة بالبحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الإفريقي، مع التركيز على الصومال، معتبراً أن أي حضور إسرائيلي في تلك المنطقة يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي ولممرات التجارة الدولية.
ومن منظور الدراسات الاستراتيجية، فإن البحر الأحمر أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مسارح التنافس الدولي، بسبب موقعه الحيوي الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس، الأمر الذي يفسر الاهتمام المتزايد بموازين القوى في هذه المنطقة.
خامساً: من الهوية الإيمانية إلى التعبئة المجتمعية
لم يقتصر الخطاب على البعدين الديني والعسكري، بل امتد إلى البعد الاجتماعي، حيث دعا إلى تعزيز التماسك الداخلي، واستمرار المبادرات المجتمعية، والتعبئة العامة، وربط ذلك بما وصفه بالهوية الإيمانية والمسيرة القرآنية.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا لأهمية الجبهة الداخلية في إدارة الصراعات الممتدة، إذ تشير أدبيات العلوم السياسية إلى أن قدرة المجتمعات على الصمود ترتبط بدرجة التماسك الاجتماعي، ومستوى الشرعية الداخلية، وقدرة القيادة على تعبئة الرأي العام حول أهداف مشتركة.
سادساً: عاشوراء والذاكرة السياسية
من الناحية الأكاديمية، يمكن تصنيف هذا الخطاب ضمن ما يعرف في دراسات الخطاب السياسي بـ”توظيف الذاكرة الجمعية”، حيث تُستدعى الأحداث المؤسسة في التاريخ لبناء رؤية معاصرة للصراع.
وتُعد كربلاء، في هذا السياق، أكثر من مجرد واقعة تاريخية؛ فهي تتحول إلى نموذج تفسيري لفهم الحاضر، وإطار مرجعي لتحديد الموقف من القضايا السياسية الكبرى، وهو ما يمنح الخطاب قدرة كبيرة على التعبئة واستنهاض الهوية.
خاتمة
يكشف خطاب السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في عاشوراء 1448هـ عن رؤية متكاملة تربط بين العقيدة والسياسة، وبين التاريخ والواقع، وبين الذاكرة الدينية والجغرافيا السياسية.
وسواء اتفق الباحث مع هذه القراءة أو اختلف معها، فإنها تمثل نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف الرموز الدينية في تفسير الأحداث المعاصرة، وبناء هوية سياسية تعبّئ جمهورها حول قضايا تراها مصيرية، من فلسطين إلى البحر الأحمر، ومن السيادة الوطنية إلى الأمن الإقليمي.
إن كربلاء، في هذه الرؤية، ليست حدثًا انتهى في سنة 61 للهجرة، بل مرجعية مستمرة في قراءة الصراع، ومنهجًا أخلاقيًا وسياسيًا يُستحضر كلما برزت قضايا العدل والهيمنة والمقاومة في العالم الإسلامي.
—
المصادر والمراجع
– القرآن الكريم.
– نهج البلاغة.
– تاريخ الرسل والملوك.
– الإرشاد.
– اللهوف في قتلى الطفوف.
– مقتل الحسين (كما حفظته المصادر اللاحقة).
– دراسات في تحليل الخطاب السياسي، والذاكرة الجمعية، والهوية السياسية، والعلاقات الدولية، والجغرافيا السياسية للبحر الأحمر.
– نص كلمة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في ذكرى عاشوراء 1448هـ، بوصفه المصدر الأساسي لتحليل مضامين المقال.
اقرأ أيضا: قائد الثورة يؤكد أهمية التحرك لمواجهة العدوان على اليمن



