الخطاب القرآني وتحديد شكل الدولة

الخطاب القرآني وتحديد شكل الدولة
- أمين الجبر
الأربعاء 4 مارس 2026-
يرتكز الخطاب القرآني في بنيته الإعتقادية على مركزية التوحيد بوصفه الحقيقة المؤسسة التي لا تقبل التعدد ولا التكييف ولا التأويل الذي يمس جوهرها المطلق. فـ لا اله الا الله ليست مجرد عبارة إيمانية، بل قاعدة وجودية ومعيار كوني تنتفي معه كل اشكال الشرك الصريح او المقنع، وتسقط دونه كل محاولات إعادة إنتاج الإلوهية في صورة بشرية أو تاريخية أو مؤسسية. وقد اجتمعت على هذا الأصل مختلف المدارس الكلامية، من المعتزلة الى الأشاعرة إلى الماتريدية، رغم ما دار بينها من جدل، إذ كان مقصدها النهائي تنزيه الله وتثبيت وحدانيته وربوبيته.
غير أن هذا الحسم العقدي الصارم لا ينسحب بالكيفية ذاتها على المجالات الانسانية المتغيرة. فالقرآن، وهو يؤسس للمرجعية القيمية العليا، لا يقدم نماذج تفصيلية مغلقة في الإقتصاد أو الإجتماع أو السياسة، بل يضع إطارا معياريا عاما ويترك للإنسان مساحة الحركة والتدبير ضمن سنن الله في الكون. فمجال العمل والانتاج، على سبيل المثال، مناط بالسعي والكفاءة والإبداع، لا بالإنتماء أو الإصطفاء. التنوع في الحرف والمهن ليس تراتبية قيمية، بل تجل لسنن التكامل والتسخير المتبادل بين البشر، حيث يتفاضلون بالإتقان والتقوى لا بطبيعة الوظيفة أو الموقع.
أما المجال السياسي، وهو أكتر المجالات حساسية وتدافعا، فقد تعاطى معه الخطاب القرآني باعتباره شأنا بشريا تدبيريا تحكمه القيم لا القوالب الجاهزة. لم يحدد القرآن شكلا للدولة، ولا رسما تفصيليا لنظام الحكم، ولا آلية جامدة لتداول السلطة، بل أرسى مبادئ كلية من قبيل الشورى والعدل والمسؤولية والتداول. هذا التأسيس المقاصدي لا الشكلي يكشف أن السياسة في التصور القرآني ليست عقيدة مغلقة، ولا قدرا وراثيا، ولا إمتيازا ميتافيزيقيا، بل مجال اختبار اخلاقي وتاريخي تتحقق فيه إرادة البشر ضمن حدود القيم.
ومن هنا يمكن فهم أن قول الله: “يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء” لا يؤسس لإصطفاء سياسي دائم، بل يقرر سننية التداول وتقلب الموازين، بما يجعل السلطة عرضة للحركة والتغير تبعا للشروط الموضوعية والكفاءة والوعي الجمعي. فالملك ليس صفة لاهوتية، بل ظاهرة تاريخية تخضع لسنن التداول وتبدل الايام.
لقد خاض الفكر السياسي الاسلامي، منذ تشكل الدولة الأولى، جدلا واسعا حول مفهوم الإمامة والحكم، وتنازعته إتجاهات متعددة، من التنظيرات الفقهية المبكرة إلى التحليلات العمرانية اللاحقة، غير أن هذا الجدل ظل مفتوحا لأن النص المؤسس لم يغلقه بنموذج نهائي. ولو شاء الله في القرآن ان يحسم شكل الدولة حكما قاطعا، لفعل، لكنه ترك الأمر في دائرة الشورى والإجتهاد، لحكمة تتصل بطبيعة الإجتماع البشري المتحول.
إن أخطر ما يصيب المجال السياسي هو تحويله الى مقدس مغلق، أو إكسابه حصانة عقدية تجعله فوق النقد والمراجعة. ذلك ان السياسة، بخلاف التوحيد، مجال يؤخذ منه ويرد، وتخضع فيه الإجتهادات للتقويم والتصويب. وإدعاء العصمة لتجربة تاريخية معينة، أو إضفاء القداسة على صيغة حكم بعينها، هو في جوهره خلط بين المطلق الإلهي والنسبي البشري.
بهذا المعنى، يتجلى التمييز الحاسم في الخطاب القرآني بين دائرة الثابت العقدي ودائرة المتغير السياسي. الأول قطعي تعبدي لا مجال للإجتهاد في اصوله، والثاني تدبيري إنساني مفتوح على التاريخ، تحكمه القيم العليا من عدل وأمانة وشورى، دون ان يقيد بشكل واحد او صيغة نهائية. وفي هذا التوازن تتبدى حكمة النص، إذ يثبت ما ينبغي أن يكون ثابتا، ويترك ما ينبغي أن يظل خاضعا لحركة الإنسان وسننه في العمران.
لعلكم تفقهون.




