الاستشراق والاستبداد: قراءة نقدية في الخطاب الاستشراقي

الاستشراق والاستبداد: قراءة نقدية في الخطاب الاستشراقي
د. رياض الصفواني
الأحد 15 فبراير 202
دأبت الكتابات الاستشراقية على جعل الشرق موطن الاستبداد وبيئته الحاضنة على نحو يبدو حصري، وهو مانقرأه في بعض كتابات المستشرقين العاملين في الحقل الاستعماري، اعتماداً على بعض الشواهد، منها – على سبيل المثال – الاستشهاد بقول الفيلسوف اليوناني أرسطو للإسكندر المقدوني عند غزوه مصر” إنك ستواجه مجتمعاً شرقياً غير حر، هو أقرب إلى مجتمع العبيد”، وبوقائع من تاريخ حكم بني أمية ثم بني العباس وغيرهم ممن لايسعف المقام لسرد تجارب حكمهم المرتكز على الاستبداد وفق نظرية هؤلاء المستشرقين. ومن هذه البيئة الحاضنة للاستبداد وفق طروحاتهم تشرّب الحاكم الشرقي ثقافته الاستبدادية المرتكزة على شواهد – غير مُلزمة – من تراث الفكر السياسي الإسلامي (الجبرية) و (القدَرية) و (وفكرة الحق الإلهي المطلق في الحكم)، و (الحاكم ظل الله ومنفذ مشيئته في الأرض) ونحوها – من المشتركات الإنسانية – التي لم تكن حكراً على الشرق أو روافع حصرية له، وذلك بالنظر إلى الظاهرة الكنسية والملكيات المطلقة في أوروبا (آل هابسبورج، آل بوربون).
إن تعميم وصف الشرق بالاستبداد مع ازدحام تاريخ العرب السياسي بنماذج من الاستبداد السياسي عوضاً عن مظاهر أخرى من الاستبداد غير السياسي المستند على قواعد تربوية غير سليمة وفق ما تشيعه الكتابات الاستشراقية ينطوي على جهل بحقائق التاريخ السياسي للمجتمعات الشرقية، واعتساف للوقائع التاريخية أو قراءة اجتزائية اختزالية لها في أحسن الأحوال، ذلك أن الاستبداد السياسي كما هو معلوم تاريخياً ظاهرة إنسانية عابرة للزمان والمكان والمجتمعات وإن بدت أكثر حضوراً في الشرق في مراحل من تاريخه ( ينظر الكواكبي: طبائع الاستبداد)، فمن تجارب التاريخ نعرف أن المجتمعات الغربية شهدت أنواعاً وأشكالاً مختلفة من الاستبداد، غير المحصور في حقل السياسة والسلطة، وإن كانت الصدارة للأخيرة، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد كان حكم الطغاة في بلاد اليونان علامة مميزة في مرحلة من مراحل تاريخها؟
فقد قَتل الملك البطلمي “بطليميوس الثامن” ابن شقيقه الصغير ليمنعه من منافسته على السلطة، وقُتل “يوليوس قيصر” على اعتاب مجلس الشيوخ الروماني من أجل السلطة، وسملت الامبراطورة البيزنطية “إيرين” عيون ابنها لتمنعه من انتزاع السلطة منها.
وما الحروب الدينية والقومية والطبقية ونموذج الكنيسة الغربية الكاثوليكية في مطلع العصور الحديثة ببعيدة عنا، فقد تزاوج فيها الديني بالسياسي، بالاقتصادي، بالإثني، في تحول فكرة الاستبداد إلى نماذج عملية صارخة سادت قروناً عدة، حتى أذِن الوعي بإجهاضها لحظة أن نضجت فكرة مقاومة الاستبداد ضمن سياق زمني فارِق في تاريخ الغرب الأوروبي (في القرنين ١٥، ١٨م). ولا علاقة للأديان بوصفها منظومة أخلاق قيمية بالاستبداد على النحو الذي يسوّقه الاستشراق، في مسعاه الدؤوب إلى تجذيره أو تأصيله وشرعنته لتمرير مشروعات سياسية استعمارية بعينها، وتصدير لفكرة تفوق الرجل الأبيض ورسالته الحضارية للعالم غير المتحضر، فلم يجبر النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) الناس على اعتناق الإسلام { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } يونس: الآية ٩٩، {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} البقرة: ٢٥٦، ولم يفعل ذلك أيٌ من الأنبياء السابقين بالبداهة المنطقية، وذلك بوصف الإسلام العنوان الجامع الحاضن لكل الأديان وهو أساس انطلاقها { إن الدين عند الله الإسلام} آل عمران: ١٩، فلا إكراه إذاً ولااعتساف.
وما كان للحاكم يوماً أن يفرض دكتاتوريته وأن يطغى ويستبد لو لم يتوفر لاستبداده حاضنة اجتماعية مسوَّغة فقهياً على نحو “سلطان غشوم خير من فتنة تدوم”، “أطِعه وإن أخذ مالك وجلد ظهرك …الخ”، ومالم تتوفر القابلية المجتمعية لاستبداده – وفق مالك بن نبي – مع غياب أو لنقُل ضعف أو سطحية مستوى الوعي السياسي الجمعي، الذي سهّل للحاكم توظيف القراءات والتأويلات الصادرة عن فقهاء السلاطين التي تجنح إلى تقديس الحاكم والاستسلام لاستبداده وشرعنته وفق المصلحة المتعيَّنة لهم من وراء ذلك.
اقرأ أيضا: نور الفكر في ظلمات الأمة: إبراهيم بن علي الوزير


