الحركة التعاونية: قراءة في تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي من خلال كتاب “إطلالة على حياتي” للمؤرخ سيد مصطفى سالم (1 – 2)

الحركة التعاونية: قراءة في تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي من خلال كتاب “إطلالة على حياتي” للمؤرخ سيد مصطفى سالم (1 – 2)
- د. رياض الصفواني
الجمعة 14 أغسطس 2026-
قبل الغوص في تفاصيل تجربة الحركة التعاونية كما وردت في الكتاب، من الضروري أن نضع قراءتنا في إطارين مركزيين:
الإطار الأول يتعلق بالكتاب بوصفه مصدراً، والإطار الثاني يتعلق بصاحبه بوصفه شاهداً ومؤرخاً وأكاديمياً. فلا يمكن فصل الشهادة عن الشاهد، ولا يمكن فهم التجربة بمعزل عن السياق الذي صاغها.
أولاً: “إطلالة على حياتي” كنافذة على مرحلة التصحيح:
يغطي الكتاب حقبة مفصلية من تاريخ اليمن المعاصر تمتد من عام ١٩٧١ في عهد الرئيس عبدالرحمن الإرياني وحتى أكتوبر ١٩٧٧م مع نهاية عهد الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي. وهو ليس كتاب تاريخ تقليدي، بل سرد ذاتي لتجربة المؤلف الشخصية منذ عمله أستاذاً للتاريخ الحديث والمعاصر في جامعة عين شمس ثم إعارته الخاصة إلى جامعة صنعاء عام ١٩٧١م. وقد مكنته هذه النقلة من الانغماس في الحياة اليمنية، وتسجيل حضور فاعل في أوساطها الثقافية والسياسية والاجتماعية.
وتكمن قيمة الكتاب في بنيته الثقافية. فهو لا يكتفي بالرواية، بل يستند إلى شهادات أبرز السياسيين والقادة العسكريين، وإلى خطابات الرئيس الحمدي، وإلى آراء المقربين والمعارضين له.
إلا أن قراءتنا هنا ستتوقف عند نافذة محددة فتحها المؤلف على نطاق واسع، هي نافذة تجربة الحركة التعاونية في عهد الرئيس الحمدي. وقد نالت هذه التجربة مساحة كبيرة في الكتاب لسبب جوهري: فهي لم تكن معزولة، بل ارتبطت عضوياً بمشروع “حركة ١٣ يونيو ١٩٧٤م” التصحيحي، وامتدت خيوطها لتشمل التصحيح المالي والإداري، والتعداد السكاني، والتجربة الديمقراطية التي كانت من صميم اهتمامات الحركة، وجميعها عكستها خطابات الحمدي بوضوح.
ثانياً: سيد مصطفى سالم المؤرخ المنقب لا الشاهد العابر:
لم يكن البروفيسور سيد مصطفى سالم مجرد أستاذ جامعي تنقل بين جامعتي صنعاء وعين شمس، بل كان مؤسساً ومؤرخاً منقباً. وتشهد على ذلك مؤلفاته الكثيرة من “تكوين اليمن الحديث – اليمن والإمام يحيى” إلى “البحر الأحمر والجزر اليمنية”، ومشاركات في المحافل العلمية المحلية والدولية. والأهم ان المؤرخ نقّب في أرشيف لندن وإسطنبول وقطر وقبلها القاهرة، وشارك في لجان سيادية مثل لجنة إثبات سيادة اليمن على أرخبيل جزر حنيش. هذا الرصيد الأكاديمي والوثائقي هو ما يمنح “إطلالة على حياتي” وزنها. فالمؤرخ لا يروي كمتفرج، بل كعالِم قضى عمره في تفكيك خيوط التاريخ اليمني الحديث، ومن هنا جاءت مذكراته امتداداً لمشروعه العلمي.
ثالثاً: تجربة الحركة التعاونية من مبادرات أهلية إلى مشروع دولة:
تجسدت الحركة التعاونية في صيغة “الاتحاد العام لهيئات التعاون للتطوير الأهلي”، وهي حركة تنظيمية اجتماعية خدمية تنموية، ظهرت في عام ١٩٧٣م في عهد الرئيس عبدالرحمن الإرياتي، ثم نمت واتسعت وتطورت بمرور الوقت لتشمل شق الطرقات الفرعية بين القرى، وبين القرى والمدن، وبناء المدارس والمستوصفات الصحية، وحفر الآبار وإيصال مشروعات مياه الشرب إلى القرى والعزل، وإنشاء الجمعيات الزراعية والسمكية والمهنية، وكان التمويل قائماً على شراكة: جهد ذاتي من الأهالي ومساهمة الدولة. وقد بلغت هذه التجربة أوجها في فترة الرئيس الحمدي، حيث أولاها جل اهتمامه ورعايته، وتولى رئاسة الاتحاد العام للتعاونيات بنفسه.
ويتحدث الكتاب عن “اهتمام الرئيس إبراهيم الحمدي بالتعاونيات حتى أصبح رئيساً لهيئات التطوير التي كانت قد تشكلت من قبل، وزاد هذا الاهتمام منذ الأيام الأولى بعد قيام الانقلاب، إذ كان يرى أن ارتباط هيئات التعاون بالريف وبالقبائل اليمنية خير مجال لتطوير اليمن، ففيه إشراك الأهالي مع الحكومة مادياً وفكرياً”ص١٥٤
وذكَر المهام والجوانب التي أنيطت بها، كشق الطرقات، والاهتمام بالصحة، والتعليم، والمياه، وحفر الآبار، وإيصال الكهرباء.
وأشار إلى أن “كل تعاون كان يُجمع من الأهالي بحسب قدراتهم المالية وبقدر المشروع الذي تقدم به أهل المنطقة”، وبأن “الحكومة كانت تمد التعاونيات ببعض المال لتغطية نفقات المشروع”.
وتحدث عن مدى حرص الحمدي على نشر فكرة التعاون الأهلي في كل أنحاء الجمهورية، وبذْل جهوده لزيادة مواردها المالية. وفي كلمة له ألقاها في الجلسة الختامية للمؤتمر العام الثاني لاتحاد هيئات التطوير، تحدث الحمدي عن فخره بكل ما قدمته هيئات التطوير التعاونية الأهلية من خدمات وأعمال، “وأن تلك التعاونيات قد أثبتت أن طريق التصحيح هو الطريق السليم الذي يتزين بالأعمال وليس بالأقوال”ص١٦٧.
نتج عن “الجلسة الختامية للمؤتمر العام الثاني للاتحاد العديد من القرارات، التي نظمت كيفية تأسيس جمعيات تعاونية جديدة في أنحاء الجمهورية تنظم علاقاتها ببعضها البعض وعلاقاتها بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وباتحاد هيئات التطوير العام”، وذلك على النحو الآتي:
بدايةً، ضم المؤتمر خمساً وستين هيئة تعاون، بدفع من الحكومة ومجلس القيادة اللتان حثتا على الإسراع في التأسيس، ومد الحكومة للهيئات بالمساعدات، ومنها التوجيه بصرف نصف زكاة المنطقة المعنية بالمشاريع الخدمية والتحتية.. وكانت أهم القرارات التي تم اتخاذها:
١. استبدال اسم هيئات التطوير باسم التعاون الأهلي للتطوير.
٢. إقرار عقد الاجتماعات السنوية للهيئات في مراكز الألوية، ويتولى الاتحاد العام تنظيم ذلك.
٣. الدقة في اختيار أعضاء التعاونيات الجديدة.
٤. تحديد العقوبات التي تحل بالأعضاء الخارجين على القواعد التي تمس ميزانية كل جمعية. ص١٦٧.
رابعاً: الخطاب السياسي للتجربة:
لم يكتفِ الحمدي بالإدارة، بل جعل من التعاونيات خطاباً سياسياً، فقد ذكر الكتاب أن الحمدي “كان يتنقل بين المحافظات لافتتاح المشروعات التي تقوم بها هيئات التطوير، ويشرف على تنفيذها، ففي شهر مايو ١٩٧٥م قام بزيارة إلى محافظة إب لافتتاح بعض المشروعات، ومما قاله في خطبة ألقاها في المدينة: إذا كنا اليوم نلتقي في مدينة إب لنفتتح مشروع المياه، فإننا قبل أشهر قد التقينا في مدينة حجة – مدينة النصر – لنفتتح مشروع المياه هناك، كما أننا بالأمس القريب قد التقينا بالإخوان الأعزاء العمال والمواطنين في الحديدة، وإننا سنكون أوفياء لكم ولثقتكم فينا، أوفياء للشهداء ودماء الشهداء. وإذا كنا اليوم نناضل بجهودنا الذاتية وبإمكانياتنا المحدودة من أجل خلق مجتمع أفضل، ومن أن يسيطر ويرفرف على أرضنا راية الحق والعدل والخير والمساواة والعدالة”ص١٨٩.
وفي ذات الإطار، ترأس الحمدي في٢٠ مايو ١٩٧٥م الاجتماع الذي عقدته الهيئة الإدارية بالاتحاد العام لهيئة التعاون الأهلي، وتم في الاجتماع مناقشة المشروعات التالية:
١. مناقشة مشروع تطوير البنود المقدمة من المنظمة بألمانيا الاتحادية.
٢. تحديد المعايير التي يتم بموجبها توزيع المساعدات الدولية على الهيئات الحكومية.
٣. إقرار موعد المؤتمر العام الثالث للاتحاد في ٢٥ أغسطس بلواء تعز.
٤. الإعداد لإقامة أسبوع ثقافي عن التجربة التعاونية في البلاد، وتنظيم ذلك بمحافظات ومناطق الهيئات التعاونية بمناسبة ذكرى تأسيس الاتحاد العام في أربعة وعشرين يونيو. ص١٩٢.
مما سبق، يتضح أن الحركة التعاونية لم تكن في عهد الحمدي مجرد مشاريع خدمية متفرقة، بل كانت مشروعاً سياسياً وتنموياً متكاملاً، حوَّلها من مبادرات أهلية محدودة إلى مؤسسات منظمة تحت لواء واحد، وربطَها بخطة الدولة، وجعل منها أداة لتعبئة الناس حول فكرة “التصحيح بالأعمال لا بالأقوال”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما الذي حققته هذه المؤسسات على الأرض؟ وكيف انعكست شهادات المقربين وأرقام الباحثين على حجم هذا الإنجاز؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الجزء الثاني من هذه القراءة، من خلال استعراض بعض شهادات المؤيدين، وتحليل أرقام المنجزات، وفهم فلسفة الحمدي في خطابه الأخير للتجربة.




