البراغماتية المتطرفة.. حين تصبح الغاية تبرر أي وسيلة
البراغماتية المتطرفة.. حين تصبح الغاية تبرر أي وسيلة
البراغماتية المتطرفة.. حين تصبح الغاية تبرر أي وسيلة
بقلم / إبراهيم الحبيشي
الاثنين 10 أغسطس 2026-
في زحام الحياة اليومية، حيث تتسارع الأحداث وتتشابك المصالح، يبرز سؤالٌ يلحّ على العقل والضمير: هل يمكن للإنسان أن يتنازل عن مبادئه وقيمه في سبيل تحقيق أهدافه؟
وهل أصبحت البراغماتية، بمعناها المتطرف، سلوكًا مبررًا يضمن البقاء والنجاح، أم أنها مجرّد مرض نفسي واجتماعي ينمّ عن تراكمات وخلفيات قاسية دفعت صاحبها إلى اختيار الطريق المختصر، مهما كان ثمنه؟
البراغماتية، في جوهرها الفلسفي، تدعو إلى تقييم الأفكار بناءً على نتائجها العملية، لكنها حين تتطرف تتحول إلى أداة حادة تقطع كل ما هو إنساني وقيمي. فالمبررون لهذا السلوك يرون أن الحياة ليست ساحة مثالية، وأن القيم النبيلة قد تكون عبئًا ثقيلًا يعيق التقدم. يقولون: “العالم ليس أبيض وأسود، بل درجات من الرمادي”، وفي هذه الرمادية، يصبح الكسب المادي والنفوذ الاجتماعي هما المعيار الوحيد للنجاح. لكن السؤال الأعمق: هل النجاح الذي يُبنى على حساب المبادئ هو نجاح حقيقي أم مجرد وهم سرعان ما يتبدد؟
ان الذين ينظرون إلى البراغماتية المتطرفة باعتبارها مرضًا، فقد يرون فيها انعكاسًا لقسوة الحياة التي مرّ بها الفرد. فالإنسان الذي يُربى في بيئة تعتمد على الصراع والبقاء للأصلح، أو الذي يعيش تجارب متكررة من الفشل والخيانة، قد يتبنى تدريجيًا فلسفة “الغاية تبرر الوسيلة” كآلية دفاع نفسي. إنها استجابة مكتسبة لتجنب الألم، وطريق مختصر لتحقيق الأمان المفقود. لكن هذا الطريق، رغم سرعته، يترك خلفه ندوبًا نفسية عميقة، إذ أن التخلي عن القيم يخلق شعورًا دائمًا بالفراغ الداخلي، ويحوّل العلاقات الإنسانية إلى صفقات تجارية، والضمير إلى صوت مكتوم يمكن إسكاته بأي ثمن.
في الواقع العملي، نرى مظاهر هذه الظاهرة في كل مكان: في عالم الأعمال، حيث تُهمش الأخلاق لصالح الأرباح السريعة، وفي السياسة، حيث تُتخذ القرارات بناءً على المكاسب الآنية لا المصلحة العامة، وفي العلاقات الشخصية، حيث يصبح الآخر وسيلة وليس غاية. إنها ثقافة تكرّس الفردية وتُضعف النسيج المجتمعي، لأنها تنشر عدم الثقة وتجعل الناس يعيشون في حالة من الترقب الدائم للانقضاض.
لكن هل يمكن القول إن البراغماتية المتطرفة هي خيار واعٍ أم سلوك مرضي؟ ربما يكون الجواب بينهما، فهي خيار يتخذ تحت ضغط الظروف، لكنه يتحول إلى مرض حين يصبح نمطًا حياة لا يمكن التخلص منه. فالذي يبدأ باستغلال الآخرين كوسيلة لتحقيق مكسبٍ ما، قد يجد نفسه يومًا أسيرًا لآليته الخاصة، حيث لم يعد قادرًا على التمييز بين الصواب والخطأ، ولم يعد يثق حتى بنفسه.
في النهاية، تبقى المعادلة صعبة، فالحياة ليست مثالية، لكنها أيضًا ليست ساحة حرب بلا قواعد. البراغماتية المتطرفة قد تكون مغرية كحلٍ سريع، لكنها مثل السراب، تراها بعيدةً قريبة، لكنها حين تقترب منها تتبدد، تاركةً خلفها صحراء من القيم المحطمة والعلاقات المهترئة. ربما يكون التوازن هو الحل، حيث نأخذ من البراغماتية ما يعيننا على التعامل مع الواقع بمرونة، مع الحفاظ على مبادئنا كبوصلة ترشدنا في الظلام. لأن السقوط في هاوية “الغاية تبرر الوسيلة” ليس سقوطًا أخلاقيًا فحسب، بل هو سقوط وجودي يحرم الإنسان من معنى حياته.


