كتابات فكرية

التدخل الإسرائيلي في اليمن… محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد فشل العدوان على إيران

التدخل الإسرائيلي في اليمن… محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد فشل العدوان على إيران

  • وسام إسماعيل

السبت 26 سبتمبر 2026-  

إذا كان التقدير أن أنصار الله هم العدو المشترك لكل من المملكة والكيان، فإن المصلحة الإسرائيلية قد تكون مضمونة إذا استطاعت المملكة تحقيق هدف إضعاف أنصار الله أو القضاء عليهم.

في خضم الواقع الذي فرضته الأحداث الأخيرة في اليمن، أدت المواجهات بين أنصار الله من جهة، والمملكة العربية السعودية ومن يتبعها في اليمن من جهة أخرى، إلى تغيير في خارطة التوازن الاستراتيجي لمصلحة أنصار الله الذين باتوا على شواطئ باب المندب، وتمكنوا من فرض معادلات الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، بما دلَل على تراجع ملموس في قدرة الرياض على الردع، وكذلك قدرتها على الاحتفاظ بموقعها المتقدم في توازنات النظام الإقليمي الذي كان قائماً حتى لحظة العدوان الأميركي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

فإذا كان من الممكن القول، إن نتائج العدوان على الجمهورية الإسلامية قد تمحورت حول فشل الولايات المتحدة في تحقيق انتصار كان هدفه الأساسي إسقاط النظام واقتلاع فكرة الجمهورية الإسلامية كقوة ممانعة من جذورها بما أمكن ترجمته على أنه تغيير جذري في موازين القوة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، فإن هذا الفشل قد انعكس شعوراً بالقلق لدى دول المنطقة المتظللة بالمظلة الأمنية الأميركية، لناحية حدود قدرتها وإمكانية الاعتماد المطلق عليها، بالتوازي مع شعور أطراف محور المنطقة بوجود أرضية تمكّن من تغيير واقعها المعقد الذي رزحت في ظله منذ عدة سنوات. وبالتالي، إذا كانت طبيعة الحصار المفروض على اليمن لم تشهد تغيراً ملموساً يستدعي تحرك أنصار الله في الفترة الأخيرة، فإن تغير موازين القوى هو الذي لعب دوراً أساسياً في دفع أنصار الله إلى التحرك بهذه الطريقة الدراماتيكية.

فالخبرة التي راكمها أنصار الله خلال العدوان الذي واجهوه طيلة الأعوام بين 2015 و2022، إضافة إلى نجاحهم في تطوير قدرات ذاتية مكّنتهم من الصمود من دون أي دعم حقيقي خارجي، معطوفاً على نجاحهم في حرب إسناد غزة، وإرغامهم الولايات المتحدة على سحب القوات البحرية التي كانت تستهدف ثنيهم عن ضرب الكيان الإسرائيلي، وإغلاق البحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية، كانت عوامل كافية لمراكمة القوة والخبرة الذاتية الضرورية لشنّ حرب دفاعية من الناحية النظرية.

غير أن كل ذلك لا يمكن أن يُعتبر كافياً متى قاربنا المسألة اليمنية من خلال اعتبارها جزءاً من معادلة أمنية أوسع تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة. وبالتالي يتحول المتغير الإقليمي الذي فرضته الجمهورية الإسلامية إلى عامل مؤثر بفاعلية في القرار اليمني.

من ناحيتها، وبعد أن تمكنت المملكة من إنهاء الوجود المباشر للإمارات في اليمن، لم تنجح المملكة في تحويل الفصائل المناوئة لأنصار الله في اليمن إلى كتلة عسكرية متجانسة وفاعلة بشكل يمكّن من تحقيق التوازن العسكري مع أنصار الله.

وعليه، حيث بدأ أنصار الله بفرض معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد ضد المملكة، لم تنجح فصائلها الموالية في تحقيق هدف ردع أنصار الله ومنعهم من التمدد نحو المحافظات الجنوبية الغربية، وباتت المملكة مرغمة على إدارة الحرب ضد أنصار الله بقوتها الذاتية.

وبنتيجة هذا الواقع، وبعد أن فشلت الغارات السعودية التي تجاوزت الألف غارة خلال التصعيد الأخير في تحقيق هدف الردع، وبعد أن تمكّن أنصار الله من ضرب الداخل السعودي واستهداف خط البترولاين ومصافي النفط والمطارات في خميس مشيط وأبها والرياض وغيرها، توجهت المملكة نحو البحث عن حلفاء باتت مشاركتهم ضرورية لتحقيق الانتصار على أنصار الله.

غير أنه لو اعتبرنا أن تحالف مكة لن يؤدي إلى تحقيق الغاية السعودية نتيجة الحسابات المعقدة والمتشابكة لتركيا وباكستان، وعدم رغبتهما في الانجرار إلى المستنقع اليمني لتحقيق غايات ضيقة سعودية، إضافة إلى الحسابات المتعلقة بالعلاقة مع إيران، فإن ما لم يكن في حسبان قادة المملكة هو أن تنأى الولايات المتحدة الأميركية بنفسها عن المشاركة المباشرة في المواجهة، وأن تكتفي ببعض المساعدة التقنية والاستخبارية التي لا تعتبرها المملكة كافية.

في هذا الإطار، برز الموقف الإسرائيلي من خلال إرسال إشارات إيجابية لإمكانية التدخل إلى جانب المملكة من دون أن يعني ذلك إمكانية شن الكيان ضربات مباشرة في اليمن. فقد أظهرت تقارير عديدة استعداد الكيان لتعزيز قدرات المملكة بدفاعات جوية إسرائيلية وإدخالها في منظومة الإنذار المبكر، إضافة إلى إمدادها ببيانات التتبع والقياس التي قد تساعد المملكة في اعتراض الضربات اليمنية.

في هذا الإطار، يستند الموقف الإسرائيلي إلى قناعة بعدم إمكانية ردع أنصار الله من خلال القوة الجوية فقط، إضافة إلى التأثير السلبي الذي من الممكن أن تسببه المشاركة الإسرائيلية في الحرب لناحية إغلاق البحر الأحمر وإمكانية استهداف الداخل الإسرائيلي، الذي أثبتت أنصار الله أنها قادرة عليه. من ناحية أخرى، تجب الإشارة إلى أن الرؤية الإسرائيلية لهذه الجبهة لا تضع في المقام الأول ضرورة تسهيل مهمة المملكة بقدر ما تفترض أن تؤدي إلى تحقيق ما تعتبره مصالح استراتيجية خالصة لها.

فإذا كان التقدير أن أنصار الله هم العدو المشترك لكل من المملكة والكيان، فإن المصلحة الإسرائيلية قد تكون مضمونة إذا استطاعت المملكة تحقيق هدف إضعاف أنصار الله أو القضاء عليهم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انخراطاً إسرائيلياً مباشراً قد يكلّف أثماناً غير ضرورية، خصوصاً وأن للكيان انشغالات أخرى تفوق بأهميتها الانخراط في صراع على بعد آلاف الأميال، ومن الممكن تأجيل الانخراط فيه إلى وقت لاحق.

من ناحية أخرى، يفترض الكيان أن مساعدة المملكة لن تكون مجانية، حيث يُفترض أن يكون ثمنها المباشر انخراطاً سعودياً في الرؤية الأمنية والاستراتيجية التي يعمل عليها الكيان. فــ “إسرائيل” الكبرى المزعومة تتطلب التزاماً سعودياً في توجهات الكيان الاستراتيجية في الإقليم، والتي من الممكن تعريفها مرحلياً باتفاقات أبراهام. فالواقع الذي يسعى الكيان إلى تكريسه اليوم لا يخرج عن دائرة النظر إلى القادة الخليجيين والعرب على أنهم مجرد وُلاة تتمحور مهمتهم الأساسية حول دعم موقف الكيان ورؤيته للأخطار المحدقة به في المنطقة، مع ما يفترضه هذا الواقع من تسهيل عربي لمشروع الكيان في غزة والضفة، وتقديم كل الدعم اللازم في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

أما عن المعاهدة الدفاعية التي تم توقيعها في مكة، فالانطلاق من فكرة أنها لا تناسب التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية التي تقوم على تفتيت المنطقة ومنع قيام تحالفات لا يشكّل الكيان مركزها، يدفع إلى تقدير أساسه أن الكيان سيعمل على تفريغ هذه المعاهدة من مضمونها. وعليه، فإن دخول الكيان على خط دعم المملكة سيطرح سؤالاً محورياً حول مدى إصراره على إعادة تشكيل البيئة الأمنية التي نشأ في ظلها اتفاق مكة. فالواضح أن المصلحة الإسرائيلية تتمحور حالياً حول مدى إمكانية دفع المملكة إلى إعادة تقييم واقعها الأمني والتوجه نحو الاعتماد على ترتيبات أمنية خارج إطار الاتفاق مع باكستان وتركيا.

وعليه، يمكن القول إن أي دور إسرائيلي في اليمن يجب ألا يُقرأ في إطار محاولة التخلص من أنصار الله، وإنما يجب أن يُقرأ في إطار محاولة إعادة هندسة الأمن الإقليمي، بعد أن أدّى فشل العدوان على الجمهورية الإسلامية إلى التشكيك في قدرة المنظومة الأمنية الأميركية، التي يشكّل الكيان الإسرائيلي جزءاً محورياً منها، على تحقيق المصالح الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي.

  • وسام إسماعيل-باحث واستاذ جامعي لبناني
  • المصدر-الميادين نت

اقرأ أيضا: مناقشات عمانية إيرانية للتوصل إلى مقاربات لبناء الثقة ولبلوغ حلول توافقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى