اخبار محليةثقافة وسياحةكتابات فكرية

الشاعر علي عبد العزيز نصر.. وقضايا النضال الوطني

الشاعر علي عبد العزيز نصر.. وقضايا النضال الوطني

دراسة أعدادها: علوان الجيلاني

الاحد 14 يونيو 2026-

أ- تمهيد

كان الشعر وسيظل تلك القوة السحرية التي تحفظ توازننا، بما له من قدرة على الإمتاع والتغيير؛ لأنه أكثر الفنون تعبيراً عن حلم الإنسان المتألق أبداً، البعيد دوماً. «وهو كحلم عظيم ينطوي كل تحقق له على بذرة حلم جديد، لأن الشعر هو الجوهر الكامن في كل معرفة، وهو البذرة الثاوية في كل نزوع بشري نحو ارتياد الأصقاع المجهولة» ([1]).

والشعر يستهدف الحقيقة العامة الفعالة التي لا تعتمد على دليل خارجي، وإنما ينبع دليلها من داخلها فتهب الحق والثقة إلى القضية التي تستشهد بها كما تتلقاها في نفس الوقت. ولقد صاحب الشعر رحلة الإنسان منذ وُجد الإنسان، فكان صورة خوالجه، ومرآة تطوراته؛ فليس ثمة شك في وجود وشائج قوية بين ما أنتجه الإنسان في تاريخه، وبين الظروف التاريخية التي صاحبت إنتاجه، بغض النظر عن نوعية تلك الظروف.

وتاريخياً، كان الإطار الفكري الذي تنطلق من خلاله رؤية الشاعر لما حوله، يؤثر تأثيراً بعيداً في تحديد الزاوية التي ينظر منها إلى الحياة، حيث يكون لون وشكل الإطار الفكري واضحاً على كل إنتاجه. ورغم تبدلات الواقع وتغيرات المفاهيم -تبعاً لحتمية تطور وتبدل الوضع البشري- إلا أن ما هو إنساني أو أخلاقي قيمي أو ارتقائي إيجابي، يظل باقياً ومستمراً ومحتفظاً بنضارته، وقادراً على أن يطل بوجهه الحقيقي، فيما يتلاشى دائماً ما ينتجه الزيف أو تخلقه الانحرافات.

ذلك تمهيد كان لا بد منه قبل الولوج إلى ساحة الشاعر علي عبد العزيز نصر رحمه الله، ([2])وقد سقتُ ذلك التمهيد ليكون سهلاً عليَّ أن أحدّد من البداية الزاوية التي ستنطلقُ منها قراءتي له، ولأكون قادراً -ولو جزئياً- على وضع أعماله داخل الإطار التاريخي والاجتماعي الذي صدرت عنه. وبما أنه من اليقين أن الشعر جنس فنّي يحلّق بالقرب من القضايا، ولكنه لا يتلبسها بشكل صارم، فإنني سأحاول ما استطعت الابتعاد عن اقتراف الأحكام، وكذلك عن مطالبة الشاعر علي عبد العزيز نصر بالعيش في غير زمنه.

ب- الشاعر مرآة

في الفترة التي بدأ فيها الشاعر علي عبد العزيز نصر يكتب الشعر، كانت اليمن ما تزال تعيش في غبش التاريخ، وكان التفكير الشعري ما يزال تفكيراً قديماً، لم ينتمِ بعد إلى قضايا الناس الحيوية ومشكلاتهم الاجتماعية. «ولم يكن موقف الشاعر من الحياة ووجهة نظره فيها، وفيما يعيشه الناس من قضايا، موضع نظر وتفهّمٍ وتقدير» ([3]).

كانت القيم الجمالية والزخارف البديعية هي شغل أهل الإبداع وناقديهم؛ فكانوا يحاسبون الشعراء على الصورة وقيمتها الجمالية، وعلى المحسن البديعي ومقدار توفيق الشاعر في المجيء به. وكان أغلب الشعراء مشغولين إما بمعارضة شعراء سابقين أو بالمفاضلة بينهم، ولم يكن المعنى يمثل هماً كبيراً لهم؛ فكانوا إذا تجاوزوا القيم الجمالية إلى القيم المعنوية، كان موقفهم من المعاني انعكاساً لموقفهم الجمالي كذلك، فكانوا يحاسبون الشاعر على صحة المعنى في ذاته أو خطئه، وعلى ما فيه من ابتكار، أو ما فيه من اقتفاء لمعنى سابق أو تأثرٍ به، ثم يزنون المعنى في حدود العرف والتقاليد.

ولم تبرز فكرة الربط بين الأدب بعامة والحياة إلا في فترة الحراك الوطني قبيل 1948م، وهي الفترة التي كان فيها شاعرنا يفتح صدره لكل جديد، مستفيداً من نوافذ النور التي بدأت تتفتح. وإذا كانت النظرة الناقدة للحياة تفترض الاندماج فيها وتفهم أبعادها أولاً، فإن العمل السياسي الذي انخرط فيه الشاعر قد وفر له فرصة القراءة الفاحصة لمعطيات التخلف والعبودية التي كان يعيشها المجتمع آنذاك. ومما لا شك فيه أيضاً، أن ثقافة الشاعر ومعرفته التحصيلية كانت أداة مساعدة إلى جانب انخراطه في الحياة ومعاناته لها.

وبعد أن حدث ما حدث عام 1948م، بدأ التحول في إبداع الشاعر علي عبد العزيز نصر؛ حيث لم يعد يهتم بالمعيار الجمالي الصرف، وهو معيار المتعة الفنية التي يقدمها النص لنا، كما أنه لم يعد يهتم -إلى ذلك القدر البعيد- بالمغزى الفني للنَّص من وجهة نظر العادات والتقاليد. ولقد ترسخ هذا المنحى لديه عقب مغادرته الحديدة إلى عدن هارباً عام 1950م، ومشاركته هناك بقوة في المشهد الثقافي الذي كان -بحكم ظروف عدن إبان ذاك كمستعمرة بريطانية- مفتوحاً على كل الاتجاهات. وقد تجلى ذلك من خلال مشاركته بالنشر في أغلب الصحف؛ مثل: «الفجر» التي كان يحررها، و«الزمان» و«الشعب» اللتين اشترك في تحريرهما، وكذلك من خلال نشره لمقالات وتعليقات وقصائد في صحف: «فتاة الجزيرة»، «القلم العدني»، «النهضة»، «اليقظة»، «الجنوب العربي»، «الكفاح»، و«البعث»([4]).

ومن فكرة الالتزام التي روَّج لها العصر الثوري، وجعلها رابطاً بين المبدع ومشكلات الحياة الواقعية، تفتحت -كما يظهر من قصائد الشاعر- نوافذ وأبواب. ولما كانت أهم القضايا التي تلح على الساحة حينها تتمثل في استبداد الحكم في الشمال، وطغيان الاستعمار في الجنوب، ثم التخلف الرهيب الذي يعانيه الشعب، فإن فكرة الالتزام التي تحدد مفهوم الأدب بأنَّه «نقد للحياة» كانت الوسيلة الفعالة التي يستطيع الشاعر أن ينبه من خلالها الشعب إلى حقيقة واقعه، وتوعيته بمصيره.

ولم تكن تلك قناعة الشاعر وحده، بل كانت تياراً عارماً خاض فيه الجميع بغضِّ النظر عن قدرتهم الحقيقية على إنتاج أعمال إبداعية تمس الحياة مساً عميقاً؛ فمن الثابت الآن أن الكثير من مبدعي تلك الفترة التزموا بمواضيع وطنية وإنسانية وأيديولوجية التزاماً فجاً وساذجاً أهمل الفن، ولم ينجح في إبراز الوعي الجديد، فصار فيما بعد كماً مهملاً، لا يثير انتباهاً ولا يحدث أثراً.

والحقيقة أن ما حدث لهؤلاء الشعراء لم يكن شيئاً جديداً؛ فعلى مر التاريخ ظل أغلب المبدعين يسيرون في ركب السائد، ويبدعون من داخله بإيمان عميق وتفانٍ لا حدود له. فإذا كان السائد في زمنهم جديداً -في شكله أو في موضوعه- كان إخلاصهم له أكثر، حتى يطغى على ما عداه. ولا ينبع إخلاص المبدع للسائد في زمنه من داخله ومن قناعته وحدهما، بل من محيطه الذي قد يتعامل مع ذلك السائد وكأنه ذروة ما وصل إليه تطور البشرية؛ فيزداد الترويج له، والتعصب لمظاهره، حتى إن الخارج عليه أو المتردد في أخذه بتمامه يواجه إرهاباً حقيقياً من استنكار الآخرين واستهجانهم الذي يعزله ويبعده عن دائرة الاهتمام.

ولم يكن علي عبد العزيز نصر في منأىً عن ذلك؛ فقد كان كشاعر ومثقف وسياسي يندفع من تلقاء نفسه في هذا الاتجاه الذي تجلى في ديوانه «كفاح شعب»، ولكنه لم يكن مندفعاً بنفسه فحسب، وإنما كان يدفعه إلى ذلك دافعان:

الأول: أن العالم العربي كله كان يعيش عصر الثورة على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وكانت تلك الثورة تسعى جاهدة نحو بلورة شكل محدد وجديد للحياة. وفي داخل الثورة التي كان الإبداع العربي يبرز مضامينها على مختلف الأصعدة (والشعر على رأسها)، كانت تتردد أصداء تيارات الفكر العالمي، بما فيها التيار الأكثر طغياناً آنذاك، وهو تيار الالتزام بقضايا النضال الوطني والتحرر العالمي. وكان علي عبد العزيز نصر مثل كثير من المبدعين اليمنيين الذين تفاعلوا مع ما يحدث في محيطهم العربي والعالمي.

الدافع الثاني: الذي كان يدفع بنصر إلى ذلك المعترك فهو تلك النخبة المثقفة التي كان يتعايش معها، فيؤثر فيها وتؤثر فيه.

وهذا ليس مستغرباً؛ ففي أحوال كثيرة يكون للوسط المحيط بالمبدع دورٌ كبيرٌ في اعتناقه لأفكار واتجاهات إبداعية، سواء كان ذلك على مستوى الشكل أو المضمون. وقد انعكست أفكار الوسط الفكري والعقدي الذي عايشه الشاعر في كتابات ثلاثة من أصدقائه الذين علقوا على ديوانه «كفاح شعب». وهذه نماذج مما كتبوا:

(1)

«قديماً كانوا يقيسون الشعر حسب روعة اللفظ وجمال البيان، ويطيفون بأعذب الشعر أكذبه، غير أن مثل تلك المفاهيم لا تعدو أن تكون اليوم ضرباً من العبث والحمق والغباء، أو أنها من جانب آخر تصدر عن رغبة عامدة للتشويش والخداع والتضليل؛ ذلك أن كل شاعر إنما هو مرتبط بالضرورة بموقف سياسي اجتماعي معين. هذا الموقف السياسي الاجتماعي المعين يتلخص في كلمة واحدة: إما أن يكون مع الحياة أو ضد الحياة، ولا وسط، ولا شعر للشعر في حد ذاته؛ وأروع الشعر أصدقه، وأصدق الشعر هو الذي يسير مع الحياة ويدفعها إلى الأمام. ومع الحياة ينطلق صوت صديقي الشاعر علي عبد العزيز نصر يغني الشعب، وبعث الكلمة المشرقة دافئة إلى قلوب الجماهير وينير الطريق».

[علي باذيب – صفحة الغلاف الأخير من ديوان علي عبد العزيز نصر (كفاح شعب)، طبع بمطبعة الحكمة، المعلا].

(2)

«وإنا لنلمس في هذه المجموعة الشعرية الزاخرة بالحياة ما تطفح به نفس الشاعر من إيمان مطلق بالشعب، ويقين راسخ بانتصاره على حماة الفاقة وصانعي الحرمان في حياته، وثقة عميقة بقدرته على كسح كل ركام الأوضاع والظروف اللا إنسانية، وخلق الظروف الإنسانية التي تنعتق فيها الجهود المستغلة، وتتحرر القوى المسخرة، وتنسحق كل أشكال العبودية، وينمحي الظلام والقيود، وينطلق إنسان يمن الغد يبني الحياة له وللأجيال، ويفجر خيرات أرضه الزاخرة بالطيبات لينعم بها الجميع».

[محمد عبد الرحمن الرباعي – من ديوان (كفاح شعب)، طبع بمطبعة المعلا].

(3)

«إن المنطلقات الأساسية لشعر نصر تتلخص في أنه تحمل مسؤوليته الكاملة ووعاها، ابتداء من الماضي الممتد بما فيه من رواسب ومخلَّفات، إلى الحاضر المعقد الذي تتحكم فيه قضايا مفتعلة أو أصلية من جهل أو فقر وتفرقة مذهبية وسلالية، إلى ما أصاب الحركة الوطنية من خيانة الانتهازية وضعف القوى الوطنية وما يتبع ذلك من ذيول، إلى المؤامرة الاستعمارية في الجنوب؛ حيث تحيك العبقرية الاستعمارية شباكها لتوقع فيها الشمال والجنوب، أو على الأقل السذج من العملاء لتقيمهم سدنةً يحمون الفاقة والحرمان والتأخر. ومن هنا انطلق يعدُّ اليمنيين للكفاح بعد أن عرّى أسباب المأساة، مستعيناً بإمدادات ثورية آتية من بعيد: من كولومبيا أو كوبا الثائرة، إلى الجزائر المناضلة، إلى إفريقيا المشتعلة، ومن بغداد حتى مراكش. ثم انتهى به المطاف إلى الدعوة إلى خلق جديد، وإنسانية جديدة متمردة على أغلالها وأكفانها، منبعثة من رفات ماضيها كقوة جديدة (للإنسانية البالية المهترئة)».

[زيد بن علي الوزير – دراسات في الشعر اليمني (القديم-الحديث)، ص 283، إصدار مركز التراث والبحوث اليمني، لندن- بريطانيا].

إن المقاطع الثلاثة السابقة التي استشهدتُ بها من آراء أصدقاء لنصر حول شعره، تعطينا صورة صادقة للسائد في تلك الفترة؛ إنها صورة متطورة لموقف المثقف والسياسي، كما هي صورة متطورة لموقف المبدع، وهي في نفس الوقت مرآة عاكسة للتطور في المضمون الفكري للشعر العربي بعد 1948م (عام نكبة فلسطين، وعام حركة شباط في اليمن).

وقد ذكرتُ التطور في المضمون الفكري للشعر، ولم أذكر الشكل، رغم أن الثورة على الشكل كانت جزءاً من هذا التطور الشعري بشكل عام؛ حيث كان المبدعون العرب يتساءلون على هذا النحو: «أيستطيع شاعر مثلاً أن يعبر في قصيدة عن مضمون ثوري في شكل تقليدي دون أن يحتبس هذا المضمون على نحو أو آخر داخل هذا الشكل؟ ودون أن يتضاءل التفاعل الحقيقي بين المضمون والشكل؟»([5]).

فهم لا يستطيعون أن يفهموا شاعراً ثورياً في روحه تقليدياً في ظاهره؛ «لأن ذلك من شأنه أن يجعل القصيدة مضطربة فيما تدل عليه من موقف».

وعندما لم أقل إن الصورة عندنا كانت أيضاً انعكاساً للتطور في الشكل، فما ذلك لأن الشعراء اليمنيين في ذلك الوقت لم يكونوا قد قدموا شيئاً لافتاً على مستوى الشكل يجاري ما وصل إليه إخوانهم في العراق والشام ومصر؛ والقارئ لشعر علي عبد العزيز نصر في مجموعته «كفاح شعب» سيلاحظ أن اعتماده على الشطر أو على التفعيلة لم يحدث جديداً في شعره؛ «لأن العمودي المتطور عنده يحمل العمودية القديمة وأكثر أشكالها اللغوية»، فهو «بين العمودي المتطور والعمودي الخالص وأول الحداثة»([6]).

وإذن، فإن أكثر ما تمثله شعر نصر من أطر التيار السائد في تلك الفترة هو المضمون الجديد؛ المضمون الملتزم بقضايا التحرر الوطني من المستعمر الخارجي، أو الثورة على المستبد الداخلي، والوقوف مع الشعب ضد الطبقية. والالتزام بهذه القضايا -كمضمون لما يكتبه الشاعر- كان مقياس جديته واحترامه لدور الكلمة في أسمى مقاماته. وعلى هذا الأساس، وقفت أشعار نصر بحميمية بالغة إلى جانب الشعب المقهور في وجه قاهريه، متخذة أحياناً أبعاداً إنسانية تنشد النضال مع كل شعب في سبيل التحرر والعدالة الاجتماعية، وفي ظل مفهوم يرى أن الشعر الثوري المتمرد هو الألصق بحياة الشعب والأكثر ارتباطاً به. فغاية هذا الشعر -كما يقول الأستاذ والمفكر زيد بن علي الوزير-: «هو تفجير الطاقات الثورية والإنسانية الحبيسة في أعماق الأمة -أي أمة- الواقعة تحت حكم أجنبي خارجي، أو فريسة حكم دكتاتوري داخلي، وتهيئة الأمة تهيئة ثورية لبناء المستقبل وتعميره، لا تعتمد على إثارة السخط وحده إلا بقدر ما تضبط غليانه المنتظر». وبعبارة موجزة: «خلق أمة ثورية تعرف ما تريد»([7]).

ج- الصورة المنعكسة

والآن سأحاول تلمس مدى استجابة الشاعر علي عبد العزيز نصر لمواجع الشعب من خلال تمثله للمضامين السائدة في الخمسينيات، وهي الالتزام بقضايا النضال الوطني. وسأنطلق من ثلاث نقاط مركزية دارت حولها هواجسه، وعبرت عنها نفثاته، وهي:

الإيقاظ الجماهيري، وتبصير الشعب بحقيقة الواقع الأليم الذي يعيشه، وتفهم أبعاد هذا الواقع السياسية والاجتماعية، والعوامل التي شكلته على ما هو عليه.

الرفض والاحتجاج الصارخ والتمرد.

الإيمان بالمستقبل، وبحتمية انتصار الشعب المكافح الرافض للاستبداد والدكتاتورية.

وقبل أن نفصل في تلك النقاط الثلاث، أود الإشارة إلى أنها كانت نقاطاً جوهرية عند كل شعراء النضال الثوري في العالم، ولا يختلف شعراء البلدان المختلفة إلا فيما هو خصوصية إقليمية أو وطنية.

كان الاستعمار يُخيِّمُ على الجنوب، وكان الشمال يرزح تحت مخلفات ما حدث عام 1948م. ولا أحتاج إلى تفصيل كيف أن الشعب كان هو أداة الإمام أحمد للقضاء على رجال 1948م، وبالتالي فقد كان على الشعر أن يتحمل مسؤولية إيقاظ الجماهير، وزرع معاني الثورة والتمرد في الوعي الشعبي؛ فانخرط الشعراء يؤدون دورهم بحماس واندفاع حتى صاروا صوت الشعب وأنفاس الجماهير، وكلما ازداد التنكيل بهم ازدادوا حماساً ويقيناً. وكان شاعرنا علي عبد العزيز نصر في طليعة هؤلاء الشعراء، يصور ليل المأساة الرهيب فيقول:

أخي لا تلمني

فإن الذي حل في سوقنا

ليس من صنعنا

ولكنه صنع قادر

جريء مقامر

صناعته في بلادي متاجر

تمصّ دمائي

وتنسج ثوب فنائي

أخي لا تلمني

دمائي الصبية

جرت في ترابي بذره

نمت في حقولي زهره

وكانت -كما شئت- بناً وقطناً

ولكنني

مقابل فلس تقاضيته

جنته يداي لتاجر

غريب المشاعر

مشاريعه في بلادي مساخر

تشوّه عمري

وتخنق أنفاس فجري

أخي لا تلمني

فما في بلادي مغزل

وليس بأرضي مصنع

وما هي بلقع

ولكن أرضي غازٌ ونار

وأرضي رصاص

وأرضي حديد

بها يحلم البائسون..

ملايين أرضي متى يقلبون؟

صخور بلادي مصانع

خبوت بلادي مزارع!!

وهم يحلمون

متى نحن نمضي..؟

نصد عدوّاً مخادع

نداوي مريضاً.. ونطعم جائع

ولكن..

مناجم أرضي خفيّه، فأرضي شقيه

(ديوان كفاح شعب، قصيدة: أنا لست حراً، ص 11)

وعلى هذا المنوال يواصل الشاعر في نفس القصيدة مصوراً الشعب وحكامه والخانعين من أبنائه:

على أنني لست أنسى

فبعضُ رجالي حراب

ضمائرهم للدنايا جراب

مجالسهم للخطايا كتاب

وأفواههم في سمائي مزامير بوم

وبعض رجالي ذباب تحوم

مشاعرهم جامده

مدامعهم راكده

ولكنهم مخلصون

لمستهتر جائر

ومستثمر غادر

وهم خائنون

يقيمون حولي سدودا

وكم يبذلون جهودا

تغل يدي

وتخنق يومي بقبضة عار

فعيشي سوط وقيد ونار

(من ص 10 إلى ص 14، كفاح شعب)

هكذا يصور الشاعر ليل المأساة، ويضعه تحت عين القارئ لا بوصفه صورة موضوعية كاشفة عبر إطار شعري عن رؤية الشاعر للحال الواقع فحسب، ولكن أيضاً بوصفه حالة من الضروري تخطيها. لقد عمد إلى التكرار للمعاني ومحاولة استقصاء كل جوانب المأساة وكل وجوهها، حتى إنك لتحس أن ذلك الواقع كان بمثابة الكابوس الطويل الذي يشعر به الشاعر وهو يكبس على صدره، بل هو ليل سادر كالأبدية نجتر مرارته ونرتجف تحت جهامة لونه الكئيب.

وبعد أن بسط أمامنا أبعاد المأساة ووجه الفاجعة التي يتعرض لها الشعب، بدأ يعلمنا كيف نرفض الاستسلام في خزي لمصيرنا المؤلم، متخلياً فجأة عن ألفاظه الحادة العارية من كل زخرف -والتي كانت أكثر التصاقاً بلغة الشعارات الخطابية- لينتقل إلى التبشير بواقع آخر جميل ومشرق سوف يتحقق إذا آزره أخوه وتفهم ما يجب أن يحدث، كما يقول من نفس القصيدة «أنا لست حراً»:

أخي.. يا أخي

إذا عصفت بالوجوه الغريبه رياح شقائي

إذا خسفت بالقصور المريبه رعود سمائي

إذا برقت في سماء الخطايا بروق المنايا

وأنت معي..

هنالك يخفق قلب الحياه

ويشرق وجه الزمن

وتغدو ابنتي

وكل رفاق ابنتي ينعمون

بغلة أرضي

بكل مناجم أرضي

فلا يحرمون.. ولا يفزعون

ولا يسجنون.. ولا يطردون

ولكنهم يمرحون

كضوء الصباح

يراقص فوق شفاه الزهر..

نسيماً يدغدغ قلب السحر..

ويوقظ في الأرض لحن الحياه..

(كفاح شعب، قصيدة: أنا لست حراً، ص 15)

وبعد ذلك طفق يحلم بمدارس تبنى، وبطون تشبع، وأمراض تنتهي وتزول متى ساد السلام واستغلت خيرات الأرض، حيث الشعب سيد نفسه والممسك بزمام أمره:

ونبني لابنتنا والولد

مدارس أهدافها ساميه

تنسق في أرضنا الغاليه

جميع مرافقنا الناميه

وتربط أيامنا الماضيه

بمولود أيامنا الآتيه

وفي أرضنا…

لأن صخوري مصانع

لأن خبوتي مزارع

سنمضي لصد عدوٍ مخادع

نداوي مريضاً.. ونطعم جائع

وليس بغير السلام

وغير الوئام

سنحيا على أرضنا

وليس بغير العناق

وغير القبل

نصبِّح إخواننا وأطفالنا..

وألحظ شخصك بين الزحام

لأنك مثلي على موعد

فتلقي السلام وتمضي..

فأمضي أرد عليك السلام..

ولكنه يدرك أن ذلك لن يحدث إلا إذا عادت الثقة إلى النفوس؛ وكيف تعود الثقة إلى النفوس وقد تبعثرت الأحلام وتناثرت مزقاً وأشلاء، ووقع فرسان التغيير أسرى قضبان الصمت، وسيطرت القوى الجائرة، وامتلأ قلب الشعب رعباً إزاء هذا الوضع المذل؟ إن السبيل إلى زرع الثقة من جديد في النفوس يحتاج إلى جهد خارق يبذل في توعية الناس، وبالتالي فإن على الشعر أن يمهد التربة لبذور الحياة القادمة، عليه أن يحرث الأرض البوار وينعش فيها القدرة على العطاء والإخصاب. وإذن، فلا بد من إيقاظ النفوس التي تبدلت حتى ماتت وتعفنت، وللقارئ أن يقدر جسامة هذه المهمة؛ فهي بمثابة استنبات الحياة في كائن فقد كل مقومات الحياة. ومع ذلك راح الشاعر يصرخ منادياً:

يا صبح وثبتنا تحرك… وانطلق…!

فعلى بساطك من طلائعنا زمردة…

أضاءت في مرابعنا تهيب بنا.. أفق..

(كفاح شعب، قصيدة: الخالدون، ص 28)

ويعود فيكتب رسالة إلى الشعب يعده فيها بالفجر الذي ستبسطه السماء لهم إن استيقظوا من سباتهم وشدوا عزائمهم لقطع دابر الخنوع:

في دمائي ثورة تحتدم

وأنا في القيد عزم ملهم

وسلاحي… ما سلاحي؟

نبضات بأحاسيس الجموع..

في ضلوعي تغتلي شوقاً إلى الفجر

فهيا يا رفاقي

قد رسمناه مثالا ووعيناه نضالا

وسنلقاه على ربوتنا مشرق الطلعة من غبطتنا

واليتامى بسمة تأتلق، موجة تصطفق

والثكالى نسمة نشوى وألحان رقاق

فاستعدوا يا رفاق

فغداً يطوي الكفاح وحشة الصمت..

وتمضي ذكريات الأمس تذروها الرياح..

(كفاح شعب، في غدٍ موعدنا، ص 77)

بيد أن الشاعر كان يشعر على نحو قوي بهامشية الشعب وبضآلة، بل بفقدان دوره المحوري في الحياة وعزلته عن القوى المحركة لمقدراته. وهذا الإحساس يفجر أحزان الشاعر ويكون المنابع التي تنهل منها شاعريته الكثيفة؛ فأدان الخمود في روح الشعب، في نفس الوقت الذي كان يصب جام غضبه على الحاكمين الذين استبدوا فلم يتركوا متنفساً:

فنحن عبيدٌ نقدس في أرضنا الترهات

ونحني الرؤوس ونلثم رجلاً تدوس على المكرمات

إمام وشيخ.. بأرضي ضلال ينيخ

ورجعية تستريح لمرأى دمائي

وكم ذا تبيح شقائي

ونحن على أرضنا نخضع لما هو في جهلنا أفظع

(كفاح شعب، أنا لست حراً، ص 8)

لقد استجابت شاعرية علي عبد العزيز نصر لمواجع الشعب، وكان يرى في الحاكم المستبد وأعوانه، وفي الجهل المستحكم والمستعمر الطاغي، بقعاً سوداء كثيرة يتحتم تطهير الأرض منها قبل البدء في بذر بذور جديدة للمستقبل. ولتكن البداية تمرداً يرفض كل ذلك الواقع ويرفع راية الكفاح التي يقودها الشعب عاصفة مدمدمة، وهكذا نجد في قصيدته «كفاح شعب»:

بلى.. نحن أقوى

وفي أرضنا ستخفق أرواحنا..

وينشد أبناؤنا: هنا نحن في شرايين ودياننا

توارت دماء لتحيا دماء..

…………………………

………………………..

……………………….

فلا ترهبوا الفئة الطاغيه

سنكتسح القوة العاتيه بأرواحنا ونبني الحياه

(كفاح شعب، قصيدة بنفس الاسم، ص 82 وما بعدها)

وتتكرر هذه النغمة؛ نغمة التمرد الرافض لأشكال العبودية والاستكانة للطغيان، أو الاستسلام لثلاثي الجهل والفقر والمرض الذي يفتك بالأمة فتسير -كما شاءت لها الخفافيش- سادرة في نومها العميق، فنجده يقول:

وفيم نهاب الطغاة؟

أنحن لأعراضهم هاتكون؟

أنحن بأقواتهم متخمون؟

أنحن لخيراتهم غاصبون..؟

ألا يعلمون..؟ بلى يعلمون

بأنهم الغاصبون، وأنهم المترفون، وأنهم المنعمون..

بما نزرع.. وما نصنع

ولا يجهلون بأنا هنا السادة المالكون

وأنا لأعراضنا مانعون، وأنا إلى حقنا سائرون..

(كفاح شعب، نفس القصيدة، ص 84)

إنه لا يتمرد لوجه التمرد، إنه يسبب تسبيباً مقنعاً دوافع التمرد الذي يجب على الشعب أن ينتهجه، مسقطاً تماماً هيبة المستبدين وغطرستهم؛ فالشعب هو صاحب الحق، وهم الذين هتكوا أعراضه وغصبوا خيراته وبشموا بأقوات أبنائه، ومن شأن الآثم المجرم أن يكون شديد الخوف مرعوباً وإن أظهر غير ذلك. وفي قصيدة أخرى يقول الشاعر:

يا أيها الجبار غضبة ثائرين

يقفون ملء صدورهم.. نارٌ

وفي أسماعهم.. جرس القيود يرن في سمع الوجود…

(كفاح شعب، قصيدة: الخالدون، ص 28)

إن نصراً ينطلق في إيمانه بالمستقبل وتعويله على حتمية انتصار الشعب المتمرد من قاعدة ثورية تقدمية، ومن بديهية تاريخية هي أن كل وضع لا بد أن يتغير، وكل مستبد سينهار في النهاية، وأن الجماهير إذا عُبئت بعاطفة الثورة وحرارتها لا بد منتصرة. ولكن الحذر كل الحذر من الخونة؛ وفي كل شعب خونة من أبنائه هم الذين يساعدون المستعمر على التمكن من البلاد، وهم أذناب الظلمة وبطانية المستبدين، وخناجر الغدر التي تنغرس في ظهر الشعب. وإلى هؤلاء التفت نصر فاضحاً دورهم ومحذراً منهم ومتوعداً لهم:

على أنني لست أنسى

فبعض رجالي حراب

ضمائرهم للدنايا جراب

مجالسهم للخطايا كتاب

وأفواههم في سمائي مزامير بوم

وبعض رجالي.. ذباب تحوم

مشاعرهم جامده، مدامعهم راكده..

ولكنهم مخلصون لمستهتر جائر ومستثمر غادر

وهم خائنون يقيمون حولي سدودا

وكم يبذلون جهودا تغل يدي

وتخنق يومي بقبضة عار

فعيشيَ: سوطٌ.. وقيدٌ.. ونارْ

(كفاح شعب، أنا لست حراً، ص 14-15)

أكتفي بهذه الوقفة مع الديوان الحافل بمواضيع غير ما طرقت، وأظن ما أسلفت صورة واضحة عن الكيفية التي عكس بها علي عبد العزيز نصر في ديوانه «كفاح شعب» قضايا النضال الوطني والكفاح الشعبي ضد الاستعمار والاستبداد، وما صاحبهما من جهل وفقر ومرض وتخلف شامل وظلم غاشم ونهبٍ لخيرات الأمة وتهميشٍ لدور الشعب.

على أنني لن أغادر ساحة شاعرنا الراحل قبل أن أبدي بعض الملاحظات التي كان لزاماً عليَّ التوقف عندها، رغم ما أخذت نفسي به في التمهيد من أنني سأنأى ما استطعت عن اقتراف الأحكام، حيث إن ملاحظاتي لن تتعدى صفة الملاحظات إلى صفة الأحكام القاطعة.

الملاحظة الأولى: أن الشاعر استطاع أن يكون صوتاً واضحاً في محاولته التعبير عن كفاح الشعب وقضايا نضاله، وما يرتعش في ضمير الأمة من طموحات وأحلام. وقد اهتمت هذه المحاولة للدخول إلى عالمه بالتعرف على ملامح إبداعه من الناحيتين الفكرية والمضمونية بالدرجة الأولى، ولم نتطرق إلى الناحية البنائية إلا بشكل سريع.

الملاحظة الثانية: أن قراءة ديوان الشاعر «كفاح شعب» الذي ركزت عليه القراءة، إلى جانب ديواني الشاعر الآخرين: «شذرات من أدب المسيرة» الصادر من الدار اليمنية للنشر والتوزيع عام 1983م، و«أحلام المسيرة» الصادر من نفس الدار عام 1985م، قد لفتت نظري أو أثارت في ذهني بعض القضايا.

وأول تلك القضايا قضية الشكل؛ حيث يبدو أن الشاعر يصدق في شعره المنشور في «كفاح شعب» رأي البردوني الذي قال عنه في كتابه «رحلة في الشعر اليمني – قديمه وحديثه» والتي سبق لي أن استشهدتُ بها، ومؤداها: «أن اعتماد نصر على الشطر أو التفعيلة لم يحدث جديداً في شعره؛ لأن العمودي المتطور عنده يحمل العمودية القديمة وأكثر أشكالها اللغوية.. فهو بين العمودي المتطور، والعمودي الخالص وأول الحداثة…». أقول: يبدو أنه -كما يقول البردوني أيضاً-: «كان يدخل الشعر بتحقيق الأستاذ وفضول الصحفي»، وأضيف أيضاً: «بأسلوب الخطيب»؛ حيث المباشرة والخطابية تطغى دائماً، بينما يحاول هو استقصاء كل شيء في القصيدة التي تبتعد عن التركيز ويقل فيها الاهتمام بتقنيات الشعر.

بمعنى آخر، نجح الشاعر على صعيد الفكرة والمضمون في التعبير عن أحوال الشعب، ونجح كذلك في تمثل أفكار ومضامين وأطر النضال الوطني وموجة الثورات التي كانت تجتاح العالم؛ نجح في قول ما كان يقوله غيره في بلدان يماثل وضعها إلى حد كبير وضع اليمن، ولكنه قدم كل ذلك دون احتفال لائق بالفن، فأنت تبحث في قصائد الديوان عن شعر يفيض بأبعاد شعرية حقيقية مستفادة من غنى التجربة وثرائها، إلا أنك لا تجد إلا ومضة هنا أو ومضة هناك، وهي ومضات قليلة لا تشبع. وسأعرض فيما يلي نماذج تدل على ما أقول:

1- قصيدة (أنا لست حراً): تتألف هذه القصيدة من مائتي سطر وسطرين، وعندما تقرأ هذه القصيدة ستجد أن الشاعر قد استقصى كل وجوه المأساة اليمنية آنذاك:

الاستعمار ونهبه لخيرات البلاد.

الإمامة واستبدادها وانغلاقها.

الشعب المستعبد المنهوب من الاستعمار في الجنوب ومن الحاكمين في الشمال.

الجهل والفقر والمرض.

التحريض على التمرد والثورة.

التبشير بغد أجمل بعد أن يتحرر الشعب من المستبدين والغاصبين.. إلى آخر كل ذلك.

ولكنك حين تأتي إلى الفن… إلى الشعر بمواصفاته المتعارف عليها، فإنك لن تجد في القصيدة أكثر من عشرين سطراً، هي:

وإن هي قد نشأت عاريه / فمئزرها وحشة ضاريه

بأرضي ضلال ينيخ

عقائدها في حياتي مراجل / مناهجها في بلادي سلاسل

إن الذي حل في سوقنا ليس من صنعنا

دمائي الصبيه.. جرت في ترابي بذره

إذا عصفت بالوجوه الغريبة.. رياح شقائي

إذا خسفت بالقصور المريبة رعود سمائي

إذا برقت في سماء الخطايا بروق المنايا

وأنت معي / هنالك يخفق قلب الحياه / ويشرق وجه الزمن.

ولكنهم يمرحون / كضوء الصباح / يراقص فوق شفاه الزهر / نسيماً يدغدغ قلب السحر / ويوقظ في الأرض لحن الحياه / فيخشع قلب الزمن.. / وترقص أرضي..

في هذه الأسطر توفر قدر من الفن الشعري هو ما يمكن أن يعده القارئ للشعر مقبولاً، أما بقية ما جاء في القصيدة فقد وقع -مع الأسف- في حبائل لغة الصحافة ولغة الخطب الحماسية التحريضية، فجاءت كلها عبارات على منوال قوله:

ونحن على أرضنا نخضع / لما هو في جهلنا أفظع

فذا ابن هاشم / وذا يعربيُّ / وذلك خادم

وما بيننا للحقيقة خادم / شريعة مستهتر / مناهج مستثمر

أضعنا بها شرعة آدميه / فأرضي شقيه..

وقوله:

ولكنني لست أنسى / فأرضي مستثمره / وأرضي مستعمره

وأرضي يعيش بها الغامطون / تراث جدودي والموهبه

وأرضي يعيث بها الحاقدون / من الحاكمين..

وهنا أريد القول إن خروج علي عبد العزيز نصر على العمود -وإن كان محدوداً- فقد كان مجاراة لما يحدث في العراق والشام ومصر كما أسلفت، ولكن هذا الخروج جعله يتساهل كثيراً في الالتفات إلى الفن من حيث الصورة والتعبير الجديد؛ ليس مقارنة بما عند الشعراء الآخرين، ولكن بما عنده هو عندما كان يعمد إلى الكتابة في الشكل العمودي كما في قصيدته «ماذا رأيت» التي أوردها له البردوني في كتابه «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه»([8]) وأشار إلى أنها ليست من ديوان «كفاح شعب»، وكما في قصيدته «شورى» وهي منشورة في ديوان الشاعر «أحلام المسيرة»، وهي مكتوبة في عدن ومؤرخة بتاريخ 7/8/ 1957م، أي إنها من نفس الفترة التي كتب فيها ديوانه «كفاح شعب».

وهناك ملاحظة أخرى تتعلق بالتكرار؛ ففي مرات كثيرة تجد الشاعر في القصيدة الواحدة يكرر الأفكار والمعاني وحتى الألفاظ، يكررها ليس التكرار المعقول وليس التكرار الفني، ولكنه التكرار المبالغ فيه. وكمثال على ذلك قصيدته «ذكرى بطولة» (ص 35 من ديوان كفاح شعب)؛ حيث تتكرر ألفاظ بعينها في القافية بشكل عجيب، فقد تكررت لفظة «يدي» إحدى عشرة مرة أكثرها في القافية، وتكررت لفظة «غدي» اثنتي عشرة مرة أكثرها أيضاً في القافية، وتكررت «معتقدي» خمس مرات، وتكررت لفظة «كبدي» أربع مرات، وتكررت أيضاً ألفاظ مثل: «بلدي، معتقلي، جسدي، مضطهدي».

وربما قال قائل إن للتكرار دلالات، وهو في الحقيقة لا بد أن تكون له دلالات، ولكنه عند نصر غالباً لم يكن يضيف دلالة، فهو يجيءُ:

زائداً على الحاجة؛ كما نجده في قصائد تتعدد مقاطعها مثل «أنا لست حراً»؛ حيث يكرر كل مقطع سابقه ألفاظاً ومعاني دون إضافة تذكر.

ويجيء كرافعة تقيل عثرة البيت عروضياً؛ وفي مثل هذه الحالة يحس القارئ بأن التكرار -رغم محافظته على موسيقى البيت وصيانتها- شيء زائد عن الحاجة وملتصق بالبيت بلا مبرر، كما في قوله:

أخي يمشي على جسدي / لأن يدي تعامتهُ..

لأن يدي / تجاوزته بأفكاري ومعتقدي..

(من قصيدة: ذكرى بطولة، ص 35)

والملاحظ أن الشاعر كان يهدف في البداية إلى أن يجعل التكرار في خدمة المضمون والفكرة، غير أنه كان يضر بالجماليات الشعرية في أغلب الأحيان.

في الختام أقول: إن ما أوردته من ملاحظات لا ينفي شاعرية علي عبد العزيز نصر ولا ينتقص منها، إذ استطاع بكل جدارة أن يكون من أكثر الشعراء تعبيراً عن قضايا النضال الوطني، في وقت كان الشعب محتاجاً إلى هذه النغمة التي تفضح واقعهُ وتتغنى بأحلامه وتحمسه للوثوب، وقد كان؛ فعليه رحمة الله.

صنعاء – 27-1-1999م

الهوامش:

([1]) د. صبري حافظ – استشراف الشاعر – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985م، ص 5.

([2]) قبل أسابيع من إنجاز هذه المادة في 27-1-1999م.

([3]) د. عز الدين إسماعيل – الشعر في إطار العصر الثوري – دار الحداثة، ص 6.

([4]) علي عبد العزيز نصر – أحلام المسيرة – الدار اليمنية للنشر والتوزيع، ط 1985م، ص 155.

([5]) د. عز الدين إسماعيل – الشعر في إطار العصر الثوري، ص 30.

([6]) عبد الله البردوني – رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه – دار العودة، بيروت، ط 4، ص 181-182.

([7]) زيد بن علي الوزير – دراسات في الشعر اليمني (القديم-الحديث)، ص 275.

([8]) عبد الله البردوني – رحلة في الشعر اليمني، ص 184.

اقرأ أيضا:جولة سريعة في وجدان الشاعر الراحل قاسم بن علي الوزير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى