حين أجابت الوثيقة عن الجدل

حين أجابت الوثيقة عن الجدل
- عبدالرحمن مراد
الاحد 27 سبتمبر 2026-
البردوني في أربعة أجزاء.. من مخطوطٍ أثار السؤال إلى أعمالٍ شعريةٍ كاملة
لم يكن صدور ديواني عبدالله البردوني «رحلة ابن شاب قرناها» و«العشق على مرافئ القمر» عن الهيئة العامة للكتاب بصنعاء عام 2022م، مجرد إضافة عنوانين إلى المكتبة اليمنية؛ فقد جاء الإصداران بعد أكثر من عقدين على رحيل الشاعر، وفي ظل تاريخ طويل من الأسئلة حول مصير أعماله المخطوطة، ومكان وجودها، والجهات التي احتفظت بنسخ منها، وأسباب تأخر وصولها إلى القارئ.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يثير ظهور الديوانين نقاشًا واسعًا؛ فقد كان البردوني قد رحل عام 1999م، بينما ظلت أعمال غير منشورة منسوبة إليه خارج التداول الكتابي الرسمي. وكانت المعلومات المتداولة قبل ذلك تشير إلى وجود نسخ ومخطوطات لدى أكثر من جهة وشخص، وإلى أن قصائد من الديوانين كانت قد ظهرت متفرقة في بعض الملاحق الثقافية. بل إن دراسات صحفية سابقة على صدور الديوانين رصدت تعدد النسخ والروايات المتعلقة بمصيرهما، وهو ما جعل المسألة، منذ البداية، قضية توثيق أدبي، لا مجرد قضية طباعة.
وعندما تمكنت الهيئة العامة للكتاب من الوصول إلى المخطوطين، لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد الحصول على نصين جاهزين للطباعة؛ فقد تسلمت المادة التي كانت في عهدة محمد الشاطبي، ثم آلت إلى نجله خالد محمد الشاطبي، بمحضر حضره ممثلون عن أسرة البردوني وممثلون عن الهيئة. وتذكر المصادر المنشورة أن المحضر حدد المادة المستلمة، وعدد القصائد والأبيات، وأن إجراءات الاستلام تمت بحضور عدد من الشخصيات الأدبية والقانونية.
وهنا تحديدًا بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الديوانين.
فبعد الإعلان عن صدورهما، ظهرت اعتراضات على نسبتهما إلى البردوني، وعلى عدد القصائد، وعلى بعض العناوين والصياغات، ثم امتد النقاش إلى بعض المضامين السياسية التي قرأها منتقدون بوصفها موضع إشكال. كما أثيرت أسئلة حول ما إذا كانت المادة المستلمة هي المخطوط الأصلي، وما إذا كانت النصوص قد تعرضت للتغيير أو الإضافة.
كان من الممكن أن يتحول الأمر إلى معركة إعلامية لا تنتهي؛ لكن المسألة، في جوهرها، كانت تحتاج إلى شيء آخر: إخراج الوثيقة من دائرة الرواية الشفوية إلى دائرة الإتاحة العامة.
وهذا ما يجعل الخطوة الأهم في مسار القضية لاحقةً على صدور الديوانين أنفسهما.
فقد اختارت الهيئة العامة للكتاب، عند إعادة إصدار الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني، ألا تكتفي بإضافة الديوانين إلى المجموعة، بل أن تجعل المخطوط الذي تسلمته الهيئة جزءًا من الملف المنشور للعمل. وهكذا صدرت الأعمال الشعرية الكاملة في أربعة أجزاء، مضافًا إليها الديوانان اللذان ظهرا عام 2022م، مع إرفاق صورة المخطوط الذي تسلمته الهيئة من ورثة البردوني في الجزء الرابع.
وهذه الخطوة تحمل قيمة تتجاوز قيمة الإضافة الببليوغرافية.
فحين تكون هناك أسئلة حول نسبة نص إلى شاعر، فإن نشر النص وحده يظل قابلًا لمزيد من الأسئلة؛ أما إتاحة صورة الوثيقة التي اعتمد عليها الناشر، فإنها تنقل النقاش إلى مستوى آخر: ليكن الحكم للنص والوثيقة، وللباحثين أن يفحصوا ويقارنوا ويحققوا.
وهذا هو الفارق بين الدفاع عن إصدار أدبي بالكلام، وبين وضع مادته الأصلية أمام النقد العلمي.
لقد سبق أن أعلنت الهيئة أنها تعاملت مع الديوانين بوصفهما جزءًا من تراث البردوني، وأنها راجعت النصوص ودققتها، واستعانت بلجنة من الأدباء، كما أشارت إلى وجود نسخ أخرى لدى عدد من المهتمين بالبردوني، وإلى مقارنة بعض تلك النسخ بالمادة التي وصلت إليها.
لكن الأهم أن المشروع لم يتوقف عند القول: «نحن نثق في هذه المخطوطات».
بل اتجه إلى ما هو أبعد: نشر الأعمال الشعرية كاملةً، وإضافة الديوانين، ثم إرفاق صورة المخطوط الذي تسلمته الهيئة، حتى يصبح أصل المسألة متاحًا للباحث والقارئ.
وبذلك لم يعد القارئ مضطرًا إلى تلقي المسألة باعتبارها خلافًا بين الهيئة ومنتقديها، أو بين رواية ورواية؛ أصبح أمامه كتاب، ونص، ومخطوط، وسجل نشر، ومسار يمكن للباحث أن يعود إليه ويقارن بين عناصره.
إن تاريخ البردوني نفسه يفرض هذه الدرجة من الحذر.
فهو شاعر ارتبطت حياته بالنص، وبالكتابة، وبإعادة النظر، وبالتعديل، وبالعمل المستمر على القصيدة. كما أن جانبًا من تراثه ظل موزعًا بين دواوين منشورة، وقصائد منشورة في الصحف، ومخطوطات ونسخ لدى أفراد ومؤسسات. ولذلك فإن جمع أعماله لا ينبغي أن يكون مجرد عملية تجميع ميكانيكي، بل مشروعًا علميًا مفتوحًا على التحقيق والمقارنة والمراجعة.
ومن هنا يمكن فهم إصدار الأعمال الشعرية الكاملة في أربعة أجزاء بوصفه مرحلة من مراحل استعادة تراث البردوني، لا بوصفه إغلاقًا نهائيًا لكل الأسئلة المتعلقة به.
فالكتاب الكامل لا يمنع النقد، والمخطوط المنشور لا يلغي التحقيق، وإضافة الديوانين لا تعني أن الباحثين مطالبون بتعليق أدواتهم النقدية.
على العكس تمامًا.
إن نشر المخطوط يتيح للنقد أن يبدأ من أرض أكثر صلابة.
فمن لديه نسخة أخرى من الديوان، أو قصيدة مختلفة، أو دليل مادي أو تاريخي أو لغوي يمكن أن يضيفه، يستطيع أن يضعه أمام الباحثين للمقارنة. وإذا وجد نصًا يحتاج إلى مراجعة، فليحقق فيه. وإذا ظهرت وثيقة أخرى أكثر قدمًا أو أوضح صلة بالبردوني، فلتُعرض. وإذا ثبتت سلامة النصوص، فليكن ذلك أيضًا موثقًا بالبحث، لا بالانطباع.
ذلك أن عبدالله البردوني أكبر من أن يتحول تراثه إلى ملكية سجالية لفريق أو جماعة أو مؤسسة.
إنه شاعر يمني ذو حضور عربي وإنساني، وتراثه ملك للبحث والمعرفة والذاكرة الثقافية. ومن هذه الزاوية، فإن مسؤولية المؤسسات الثقافية لا تتمثل فقط في الطباعة، وإنما في حفظ الأصول، وإتاحة الوثائق، وتيسير المقارنة، وفتح الباب أمام التحقيق العلمي.
لقد بدأ الطريق في عام 2022م بإخراج ديوانين ظلا غائبين أكثر من عشرين عامًا، وكان صدورهما مناسبة للفرح، كما كان مناسبة للأسئلة. ثم جاء المشروع الأوسع بإعادة إصدار الأعمال الشعرية الكاملة في أربعة أجزاء، وإدماج الديوانين ضمن البناء العام للمجموعة، وإرفاق المخطوط الذي تسلمته الهيئة.
وبذلك أصبحت القضية أمام التاريخ في صورة مختلفة.
لم تعد المسألة مجرد رواية عن مخطوط قيل إنه موجود، ولا حديثًا عن قصائد قيل إنها للبردوني، ولا سجالًا صحفيًا بين مؤيد ومعترض.
أصبح هناك كتاب منشور، ونصوص محددة، ومخطوط مصوَّر، وسياق توثيقي يمكن الرجوع إليه.
وهذه هي الطريقة التي ينبغي أن تُحسم بها قضايا التراث الأدبي: لا بالضجيج، وإنما بإتاحة الوثيقة؛ لا بالاتهام، وإنما بالمقارنة؛ ولا بإغلاق باب السؤال، وإنما بتحويل السؤال إلى بحث.
ولعل القيمة الأبعد لمشروع الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني لا تتمثل فقط في أن أربعة أجزاء جديدة أصبحت بين أيدي القراء، وإنما في أن قصائد ظلت سنوات طويلة في منطقة الغياب عادت إلى المجال العام، وأصبح بإمكان جيل جديد من الباحثين أن يقرأها ويفحصها ويضعها في سياق التجربة الشعرية الكاملة لصاحب «مدينة الغد».
وفي النهاية، فإن الزمن كفيل بفرز الروايات، لكن الوثيقة هي التي تمنح الزمن مادته.
والبردوني، الذي ظل طوال حياته يكتب في مواجهة النسيان، يستحق أن يكون تراثه محفوظًا بالطريقة التي تليق به: نصًّا، ومخطوطًا، وتحقيقًا، وذاكرةً مفتوحةً على البحث؛ لا تراثًا محاصرًا في الجدل.
اقرأ أيضا:البردوني في مواجهة العدوان .. قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل



