اخبار محليةثقافة وسياحة

البردوني في مواجهة العدوان .. قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل

البردوني في مواجهة العدوان .. قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل

الأربعاء 9 سبتمبر 2026-

اختتمت بصنعاء أمس الأول، فعاليات مهرجان البردوني الأول “المبصر في الزمن الأعمى” الذي نظمته في ثلاثة أيام وزارة الثقافة والسياحة، بدعم من صندوق التراث والتنمية الثقافية، بفعالية تكريمية وندوة فكرية ثقافية ونقدية.

وفي الفعالية الختامية، التي حضرها عضو المجلس السياسي الأعلى الفريق سلطان السامعي، ونائب وزير الثقافة والسياحة عبدالله الوشلي، وعدد من المسؤولين والادباء والمثقفين، القيت العديد من أوراق العمل التي تتناول شخصية شاعر اليمن الكبير من زوايا مختلفة وتقدمه من خلال هذه اللحظات التاريخية، منها ورقة هامة للكاتب محمد الشميري

ولاهمية هذه الورقة ننشر في “صوت الشورى” خلال الأسطر القادمة، ورقة عمل الكاتب محمد الشميري، والتي كانت بعنوان “الشاعر البردوني في مواجهة العدوان قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل”  

 البردوني في مواجهة العدوان

قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل

ورقة عمل في مهرجان البردوني

المقام من قِبَل وزارة الثقافة 2026م

أ. محمد أحمد الشميري

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم

الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني في قصائده بعد مفاهيمي وجمالي يكشف عن الماهية الفلسفية لشعره بوصفه “رؤيا” كشفية واستشرافًا تاريخيًا.

الشاعر عند البردوني ليس مترنمًا أفقيًا بالجمال العابر، بل هو كائن ملتهب الحشا يختزن وجع التاريخ ويستنطق المستقبل، فلابد أن يكون لدى الشاعر تماهيًا عميقًا بين الذات المبدعة ومخاضات الواقع والوجود، وهو ما يفسر البعد التنبؤي في فلسفته الشعرية التي تتأتى من صهر الروح في أتون المعاناة والالتصاق العضوي بنداءات الحياة والأمة.

يصور البردوني شاعريته باعتبارها عملية عصر واكتواء ذاتي في سبيل وعي الواقع وتجلية أسراره، وهو ما يظهر جليًا في قوله من قصيدة “أنا والشعر”:

قيثارتي صوت أعماقي عصرت بها

               روحي وأفرغت في أوتارها ذاتي

بهذا البعد يتجاوز البردوني مفهوم الفن لغاية الفن، ليؤسس لفلسفة سياسية واجتماعية تجعل من الشاعر ضميرًا (جمعيًا) للمجتمع، فالشعر لديه لا ينفصل عن هموم المحرومين والباكين، بل يتحول الشاعر إلى كائن منقسم على هموم الناس كما يصور ببراعة في قصيدة “مع الحياة”

أنت باكٍ تحنو على كل باكٍ

               أنت قلبٌ على القلوب مقسم

 هذا التموضع السياسي والأخلاقي يجعل الشاعر صوتًا للبؤساء والمهمشين، ومكتشفًا لأسرار الكينونة وسط ظلمات القهر وأنات الموجوعين.

فتتحول التجربة الحياتية لدى البردوني كما في قصيدة “مع الحياة” إلى معمل تجريبي لتراكم المعرفة والوعي العميق بباطن الأشياء.

قد قرأتَ الحياةَ درساً فدرساً

               وتجليتَ كل سر مكتم

فينتج الحس المرهف، والعاطفة الملتهبة، لدى الشاعر جذوةَ إحساس لا تنطفئ، والتهاب حدسٍ لا يخطئ، يتجلى التوقد الداخلي واستنطاق الآتي في تساؤلاته التي تفصح عن احتراق الذات في سبيل المعرفة الكشفية، بقوله في “طائر الربيع”:

يا شاعر الأزهار والأغصان

               هل أنت ملتهب الحشا أو هاني

ماذا تغني؟ من تناجي في الغنا

               ولمن تبوح بكامن الوجدان

ومن دراسة تجارب الحياة تبرز قدرته المذهلة على تجسيد المجردات ومنحها أجسادًا حية تترنح وتفيض بالحياة والحرارة، ليتحد القلب بنبض الحياة وصياغة الإلهام كما في قصيدة “شعري”:

جسمتَ أنفاس الشذا فترنحت

               فيك الطيوب كأنها أجسام

وغمستَ قلبك في الحياة وصغتها

                 لحنًا صداه وصوته الإلهام

 فيكون الإلهام الحقيقي ثمرةً لاكتواء القلب بندى الحياة والدم والمأساة، بهذا يكتسب صفة الخلود والبقاء فتترنم به الأفواه، وهو ما يعبر عنه في ختام قصيدته “شعري”:

شعري تبناك الخلود فأنت

                في ربواته الأنغام والنغام

 في قصيدة “أنا والشعر” يفصح عن قدرة الشاعر على اختراق حجب الظاهر وشفافية الرؤية لاكتشاف خبايا الكون وجلاله المطلق:

وحدي مع الشعر هزتني عواطفه

               فرقصت عطفه النشوان رناتي

وشف لي خافي الدنيا وألهمني

               سحرَ الجمال وأسرارَ الجلالات

هنا تتألق عبقرية الشاعر في تحويل الطبيعة والعناصر المادية إلى رموز تنبض بالوحي والنبوغ، حيث يصبح الشعر كأسًا ومدامًا، وتتحول القيثارة إلى كائن أبدي يملي التاريخ آياتَه مثلما يصور في “أنا والشعر”:

أودعت نجواك آيات النبوغ فيا

                 قيثارتي لقني التاريخ آياتي

ويمكننا الجمع بين وعي الواقع وتجلية أسراره وبين شفافية الرؤية بالإلهام لدى البردوني بما يسمى “الفراسة”، وهو ما أشار إليه في قصيدة “المقياس”

بيدي ألمس ما تخشونهُ

                 صدّقوا هذا التعيس ابن التعاسهْ

عندكم أجهزةٌ، أسلحةٌ

               عنده قلبٌ، وشيءٌ مِن فَراسهْ

وصفه السيد العلامة محمد يحيى عبد المعطي الجنيد ـ حفظه الله ـ في مقال له بعنوان: “من تجليات النفس الصوفي عند البردوني” نشر في الملحق الثقافي لصحيفة الثورة العدد (13809) المنشور بتاريخ 2 سبتمبر 2002م بقوله: “البردوني رجل نفعه عماه، ولو كان بصيراً لكان أعمى، والحديث عنه متشعب مثل شعره، كان رحمه الله يشغلك بفكاهته، ويذهلك بنباهته، يقول ما يعي ويصدق ولا يدعي، كم آذاه الجهل وخاصم، وراودته المهانة فاستعصم، جمعت آلام أمته في ألمه، كما جمعت أحاسيسها في قلمه، قدرته على تكوين الألفاظ كقدرة الطبيب على تشخيص الأمراض جميل التعبير، قوي التأثير، يحمل ولا يتحامل، ويفصح ولا يتجاهل، قليلة هفواته، جليلة وقفاته، يقول بالعدل والتوحيد، وينبذ الجمود والتقليد، إذا نقد أنصف، وإذا لذع خفف، كان كما وصف نفسه إجمالاً عنده قلب وشيء من فراسة”

إن مقاربة شعر الشاعر الكبير عبد الله البردوني لا تقتصر على حدود التلقي الأدبي التقليدي، بل تضعنا أمام ظاهرة إبداعية فريدة تتجاوز أبعاد الزمان والمكان.

فالشاعر الذي حرم نعمة البصر، مُنح “بصيرة” نافذة تخترق حجب الحاضر وتستشرف مآلات العصور قبل أن تكتمل دورتها.

للبردوني تنبؤات كثيرة ومتنوعة ليست غيبية بالمعنى الديني، بل هي نبوءة الشاعر الذي يقرأ البنية العميقة للأحداث قبل أن تظهر على السطح.

في ظل العدوان الأمريكي السعودي الذي تشهده اليمن طوال سنوات متتالية، للبردوني حضور لافت في توثيق أحداثه واستشراف مآلاته.

وصنعاء ساكنة في قلبه قبل أن يسكنها، عشقًا وهيام، وشوقًا وغرام، ورمزًا ونظام

وعندما يتحدث البردوني عن صنعاء لم يكن يصفها وصفًا سياحيًا، بل كان يجعلها مختبرًا دلاليًا تتفاعل فيه رموز الموت والحياة، الصمت والكلام، الغياب والحضور.

في شعر البردوني، تتحول صنعاء من «مدينة» إلى «قضية».

عام 1874م في قصيدة “يوم 13 حزيران” من ديوان “السفر إلى الأيام الخضر”، يتحدث عنها مستفهمًا بسؤال استنكاري ظاهره الاستفسار وباطنه التهكم المرير والإنكار الواسع لما حل بها. استفهام لا يبحث عن إجابة، بل يصدم المتلقي ليكشف حجم الحدث.

ماذا جرى؟ لم يجر شيء هنا

                صنعاء لا فرحى ولا آسفه

ماذا جرى؟ لا حسّ عما جرى

               ولا لديه ومضة هادفه

ماذا يعي التاريخ؟ ماذا رأى؟

               ولّى بلا ذكرى بلا عاطفه

ثم في قصيدة “مدينةٌ بلا وجه” عام 1971م من ديوان “لعيني أم بلقيس” يتعمق البردوني في الموت الرمزي نفسه بنداء مجازي مكلوم غرضه التفجّع والتحسر واستنهاض الروح العاصمة المحتضرة بين أنياب التآمر.

أتدرين يا صنعاء ماذا الذي يجري

                تموتين في شعب يموت ولا يدري

تموتين. لكن كلّ يوم وبعدما

                 تموتين تستحين من موتك المزري

تموتين. لكن في ترقب مولد

                فتنسين أو ينساك ميعاده المغري

يدرك البردوني أن الموت هنا ليس إلا “مخاضًا عسيرًا” لولادة قسرية؛ فالثورات والتحولات الكبرى في التاريخ اليمني تولد دائمًا من رحم الفجيعة والموت المزري.

هذا الترقب للمولد هو التفسير السياسي العميق لصمود صنعاء الأسطوري بوصفها مدينة لا تموت نهائيًا بل تتجدد برمادها.

يتحدث البردوني في قصيدة “كلمة كل نهار” عام 1967م من ديوان “مدينة الغد”، عن عاصفة الحزم المنطلقة من السعودية بداية فصل الربيع:

ذات يوم ربيعي الضحى نبحت

                (صنوان) عاصفة تعوي وتنفجر

من ذا أهاج رماد الأمس فاشتعلت

               في أعين الريح من ذراته شرر

أهذه الحرب يا تاريخ كيف ترى

               من خلف (جنات عدن) أومأت (سقر)

التشخيص الصوتي الحيواني جعل العاصفة كحيوان مفترس مسعور ينبح ويعوي، وهو تصوير ينزع عن العدوان صفته العسكرية البحتة ليجرده عاريًا أمام وحشيته البربرية، فمحرك الحرب الحقيقي هو “البترول والمال السيادي” الموظف لتدمير البنى التحتية والإنسان اليمني عبر حروب الوكالة.

وفي قصيدة “زفة الحرائق” عام 1990م من ديوان “جواب العصور” يتحدث عن وقت حلول العدوان أنه يأتي مساءً “أو يماسيها مفاجأة” ويكشف عن أفعال التدمير لتكشف عن همجية مفرطة تستهدف الحياة الآمنة بليلها ومفاجآتها، ويصور القنابل والنيران طعامًا تساق به الساحات البريئة، لتتحول المساكن والأحياء في ومضة إلى أثر بعد عين، في إبادة شاملة للشجر والحجر، فلا يبقى أثر لشعب ولا لزعيم.

أو يماسيها مفاجأة

               مطعمًا ساحاتها الحمما

 كانسًا فيها البيوت إلى

                حيث لا شعبٌ ولا زُعما

وفي قصيدة “تميمية تبحث عن بني تميم”، عام 1990م، من ديوان “جواب العصور”، يؤرخ يحدد بدقة مذهلة فجر يوم الخميس 26 مارس 2015م، لحظة الغدر الأولى التي باغتت فيها طائرات التحالف سماء صنعاء والمدن اليمنية.

أين كانت قواذفي ودفاعي

               فجر يوم الخميس كانت تصلي

باستفهام استنكاري وتساؤل حائر يحمل مرارة الصدمة الأولى؛ يوضح أن المنظومات الدفاعية مقيدة بفعل مؤامرة مسبقة أو اختراق داخلي تام، لتأتي الإجابة في تعبير ساخر وموجع عن الغفلة أو التعطيل القسري أنها كانت تصلي.

ويرفض أي تبرير أو مغالطات، موجهًا أصابع الإدانة مباشرة إلى العملاء والوكلاء المحليين، لإبراز الدور الوظيفي للقيادات المرتزقة التي باعت الأرض والهوية في “مخابي الهوى” وأسواق التبعية، مسهلة للغزاة مهمة الاختراق والعدوان.

أين كانت قواذفي ودفاعي

                فجر يوم الخميس كانت تصلي

لا تغالط قل: كان سراق وجهي

                 في مخابي الهوى يبيعون أصلي

أَيْنَ كَانَ الَّذِينَ يَشْرُونَ عَنْهُمْ

                أَحْدَثَ الرَّادِعَاتِ؟ قُلْ: ضَاعَ بَذْلِي

باستعارة تمثيلية مذهلة تصور كيف تحولت ثروة النفط إلى أداة لسلخ الإنسان عن هويته الأصلية؛ فالجسد اليمني الأبيّ يُراد له أن يُلبس قناعًا غريبًا فرضه “النفط” و”البترودولار”، حيث تحاول أموال النفط شراء التاريخ والجغرافيا والكرامة اليمنية.

ألبس النفط قامتي غير جلدي

                فامتطى الرأسمال رأسي وجلدي

وباستعارة مكنية وتشبيه ضمني يتنبأ بمأزق العدو الحتمي وهزيمته المرتقبة، مؤكدًا أنه وإن ملك زمام القوة والبطش مؤقتًا، فلن يفلح في كسر إرادة البقاء أو النيل الكامل من روح هذا الشعب الصامد.

 فإن بدا له اليمن مادة لينة طيعة بين يديه يسهل عجنها ويقلبها كيف شاء بسطوة السلاح والمال، إلا أنه سيصل إلى عجز حقيقي يرهقه ويهزم جبروته في نهاية المطاف، فالطغاة والمستعمرون مهما بلغت قوتهم يفشلون في ابتلاع الشعوب الحية، والغطرسة العسكرية والسياسية، لا تعني بحال إخضاع إرادة أصحاب الأرض، وأن الشعوب لا تُمحى بقرار غازٍ أو خيانة وكيل.

تملك الآن عجن أمري، ولكن

                 سوف يُعييكَ آخرَ الأمر أكْلي

فاليمن ليس لقمة سائغة يمكن ابتلاعها، بل هو مادة صلبة عصية على الهضم، و”عصيّة” على الاستعمار، ومحاولة ابتلاع اليمن ستتحول حتمًا إلى غصة في حلق الغازي ستؤدي إلى تهالكه وانكساره.

وتتحقق هذه النبوءة البردونية اليوم بكل تفاصيلها؛ فالتحالف الذي دخل الحرب متخذًا قرار الحسم السريع “خلال أسابيع”، وجد نفسه غارقًا في مستنقع استنزاف طويل، لتصدق مقولة البردوني الخالدة: “سوف يعييك آخر الأمر أكلي”.

ويواصل في قصيدة “كلمة كل نهار” عام 1967م من ديوان “مدينة الغد”، باستفهام استنكاري وتقابل صادم بين اسم الفردوس اليمني العريق، جنات عدن وبين بريق الجحيم المستعر، سقر، كاشفًا عن مكر الجغرافيا والمؤامرة التي أرادت أن تحيل وديان الجمال والخصوبة إلى أتون لظىً، مستنطقًا التاريخ ليكتب شهادته على فاجعة أمة أراد الطغاة أن يستبدلوا بسلامها الدائم سعير الموت والخراب.

أهذه الحرب يا تاريخ كيف ترى

               من خلف (جنات عدن) أومأت (سقر)

ثم يتحدث عن العدوان بصورة مركبة تجسد امتزاج الدم الإنساني برائحة النفط المحترق، لتربط بصريًا ودلاليًا بين جشع المال الثروة وبشاعة آلة القتل، ويلفت النظر إلى أن الحروب الحديثة تدور حول الموارد، وأن الدم اليمني يسيل مقابل البترول الذي يحيط بالدم كأنه ثوب، فالبترول هنا ليس مجرد وقود، بل هو حشرجة في صدر الحرب

ومر عام جحيمي روائحه

               دم بحشرجة البترول متزر

ويقدم لنا البردوني لوحة سوريالية بالغة الكثافة، تتلاحم فيها عناصر الطبيعة (الخريف، الشظايا، الحفر، النار) مع دراما الإنسان الذي يواجه الموت صامدًا حتى يُجهد آلة الفناء نفسها.

 مصورًا الزمن أو مرحلة العدوان ككائن ثقيل الخطى، بارد كفصل الخريف، محمل بالقلق والفناء.

ودب ثانٍ خريفي المدى قلق

                يفني ويفنى ويحيا وهو ينتحر

وطال كالسُّهد حتى انهد في دمه

               تثاءبت من بقايا وجهه الحفر

هنا استعارة مكنية عبقرية تضفي حركة ووعيًا على الحفر والدمار؛ فكأن الأرض المنهكة تتثاءب مللًا وتعبًا من قبح ما خلفه العدوان على أديمها.

ويصور البردوني حالة “الاستنزاف المطلق” التي تتعرض لها قوى العدوان والغطرسة. مشيرًا إلى أن الحروب الظالمة تأكل أبناءها تدريجيًا، وأن المعتدي، مهما بلغت ترسانته، فهو يسير بخطى حثيثة نحو تدمير ذاته من الداخل في حلقة مفرغة من العبث والفناء، أمام الإرادة الصلبة للشعب اليمني.

وغاب خلف الشظايا فابتدت سنة

               تعبئ النار ثدييها وتعتصر

فأجهد الموت شدقيه وقبضته

                حتى تجلمد في أنيابه الضجر

وباستنكار قاطع ويقين ثوري يؤكد حصانة الثورة والإرادة الوطنية ضد كل مؤامرات الاستئصال؛ فالخطر الحقيقي الذي كان يهدد مهدها قد أُجهد ومات، وبقيت الروح منتصبة.

لأن ثورةً وُلدت من رحم الفجيعة والموت لا يمكن ليدٍ مهما طالت أن تنال من جذرها الخالد.

وقال كل نهار: لن تنال يد

                من ثورة مات في ميلادها الخطر

وفي قصيدة “مصطفى” عام 1986م، من ديوان “كائنات الشوق الآخر”، يقدم البردوني معادلة شعرية فريدة تقوم على قلب الموازين، بجناس صوتي واشتقاقي، تتتابع فيه القوافي على صيغة التفضيل (أفعل) (أعنف / أخوف / أألف)؛ ليمنح الأبيات إيقاعًا هادرًا يعزز قوة المواجهة وثبات الموقف، أمام التفوق المادي المصطنع للخصم (حديد ونار) وبين هشاشته الداخلية التامة كالقش تمامًا.

فليقصفوا لست مقصف

                وليعنفوا أنت أعنف

فليحشدوا أنت أدرى

                 أن المخيفين أخوف

أغنى ولكن أشقى

                 أوهى ولكن أجلف

أبدى ولكن أخفى

               أخزى ولكن أصلف

لهم حديد ونار

               وهم من القش أضعف

يثبت البردوني تفوق “الإنسان المقاوم صاحِب الحق” على “الآلة العسكرية الجبارة” التي تفتقر إلى العقيدة والمشروع الوجودي، مما يجعلها أوهن من بيت العنكبوت أمام شعب يمني يعشق الحياة ويهزم الموت بثباته الأسطوري.

يخشون إمكان موتٍ

                وأنت للموت أألف

وبالخطورات أغرى

                وبالقرارات أشغف

ثم يعلن سبب هذا التفوق، بأن الشرعية لا تأتي من السلاح، بل من الارتباط بالناس، فالمعتدي يخدم هواه، بينما المقاوم مكلف بقضية شعبه، وهذا الفارق الأخلاقي هو الذي يرجح كفة المجاهد المدافع عن وطنه وعرضه.

لأنهم لهواهم

                 وأنت بالناس أكلف

وفي قصيدة “الطريق الهادر” 1962م، من ديوان “في طريق الفجر”، يصور البردوني باستفهام تعجبي لاذع جماعة التحالف الخارجي، من الأنظمة التي شاركت في الحرب على اليمن، كأنها قطيع حيوانات تساق، فيتساءل كيف استثار هذا القطيع، وتتوالى الأسئلة لتكون إجابتها ضمنية، لمعرفة الموجه الحقيقي.

وكيف استثار علينا القطيع؟

                ومن ذا هداه؟ و كيف اهتدى؟

ثم يتابع التساؤل مشيرًا إلى قيادة التحالف القائمة على الخزي والفضائح متى رأت في اليمن قوى تهدد عهدها السيئ، كاشفًا أنها تحتمي بالرصاص واللهب، مشيرًا إلى التضليل الإعلامي بتلحينها للغدر أنشودة

فماذا رأت دولة المخجلات؟

                قوى أنذرت عهدها الأنكدا

بمن تحتمي؛ واحتمت بالرصاص

               وعسكرت اللّهب الموقدا

ولحّنت الغدر أنشودة

                من النار تحتقر المنشدا

ثم يعلن الخلود الشعبي الذي لا ينفد مهما مزقته قوى العدوان

وهل ينفد الشعب إن مزّقته

               قوى الشر؟ هيهات أن ينفدا

ثم يفضح البردوني زيف القوة، ويعرّي سقوط السلاح حين يتحول إلى أداة لقتل المستضعفين، ويربط أخلاقيًا بين وضاعة مستخدم السلاح وبين وضاعة السلاح نفسه، في مقابل ارتباط السلاح الشريف بعدالة صاحبه، بتشخيصٍ ساخرٍ يوظف السلاح ككائن يتحدد شرفه بحسب هوية حامله؛ فالسلاح الذي يحمي الأوغاد والجبناء يفقد كل طهارة ويصبح مجرد أداةٍ وضيعةٍ للرذيلة.

وجبن القوى أن تعدّ القوى

                 لتستهدف الأعزل المجهدا

وأردى السلاح لأردى الأنام

                وأجوده ينصر الأجودا

ويوم البطولات يبلو السلاح

               إذا كان وغد حمى الأوغدا

فأيّ سلاح حمى دولة

                تغطّي المخازي بأخزى ردا ؟

وما أجمل التصوير الشيطاني لمستوى البشاعة والجرائم المرتكبة التي تعجز عنها حتى الشياطين، عندما تجاوز كل حدود العرف والأخلاق الإنسانية، التي مثلَّ مرتكبوها “الشذوذ المطلق” عن ناموس الطبيعة والإنسانية، ما يجعل وجودها ذاته غبنًا كبيرًا على الخليقة.

وتأتي بما ليس تدري الشرور

                ولا ظنّ ” إبليس ” أن يعهدا

لمن وجدت؟ من أشذّ الشذو

                ذ ومن أغبن الغبن أن توجدا

ثم ينتقل في قصيدة “مصارحة المأدبة الأخيرة” من ديوان “ترجمة رملية لأعراس الغبار”، إلى سخرية لاذعة بما قام به العدو، موضحًا أن القتل والحرق بأعتى سلاح لا يجلب النصر، بل يجلب المزيد من المقاومة، كالجذور عندما تقطع تنمو من جديد

 ألا اقتلْ كل مَن تلقى

               إذا استبقيت لن تبقى

لأن القتل بعد القتل

                 طبّ الأمة الحمقى

قتلت قتلت، لا جدوى

                 غدوت الأقتلَ الأشقى

أبُتُّ جذورها، تنمو

                 أحزُّ رؤوسها، ترقى

وأدفنُ مَن تُسمّيهِ

                نقيًّا، يصعد الأنقى

بكل النار أشويها

                ومِن جمراتها تُسقى

هنا تنهلّ أمطارًا

               هناك تُكثّفُ البرقا

وتحت قذائف (النابلم)

               تندى، تَحرقُ الحرقا

ويرسم البردوني بحرارة الألوان لوحة سريالية حية تعكس تداخل الرؤى وتشابك المشاعر بين الأمل والألم، الحياة والموت.

فالنجوم الخضراء والربى الوردية ليست سوى صورة للمقاومين الذين ينزلون إلى عمق العدو، ويعبر بالعنقا عن استعصاء واقع الصمود وقوة التحصينات النضالية وصلابتها في وجه العواصف والرياح المعاكسة، وهذا يفسر سياسيًا انتقال الحرب من الدفاع إلى الهجوم، وضرب العمق الإقليمي

وتبدو أنجمًا خضرًا

               ربىً وردّية زرقا

ترود قرارة الأغوار

               كي تستبطن العمقا

لها دموية كالصقـ

                ـر تحت وداعة الوَرقا

أتدري؟ كل متراس

                هنا أعصى من العنقا

في قصيدة البردوني «في وجه الغزوة الثالثة»، التي كتبها عام 1975م، من ديوان “وجوه دخانية في مرايا الليل”، وتنبأ فيها بمواجهة جديدة مع السعودية، يربط دلاليًا بين «الاعتناق» و«اللقاء» و«المنايا» ويوضح أن الأسماء الجغرافية هنا ليست مجرد مواقع، بل ذاكرة صراع. فـ«جيزان» باللفظ اليمني التاريخي تشير إلى أنها جزء من الذاكرة اليمنية، وليست مجرد جغرافيا.

ويكشف أن مواجهة العدوان السعودي المتكرر على اليمن، علاقة قديمة متجددة، وأن الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي لحماية التراب الوطني وردع كل طامع وغازٍ، مما يرسخ شرعية الدفاع المطلق في وجه الغزوات المتكررة.

قبل عام وأربعين اعتنقنا

               فوق (أبهى) عناق غير الأحبه

والتقينا به (بنجران) حينا

                 والتقينا بقلب (جيزان) حقبّه

والتقينا على (الوديعة) يوما

                 والمنايا على الرؤوس مكبّه

ويوضح أن البناء الفلسفي والنفسي للإنسان اليمني الذي يواجه ترسانة البترودولار والعمالة بصلابة الجبال وإيمان لا يتزحزح، فالوطن الذي يتعرض للاعتداء والغزو يصبح الموت فيه أبسط وأطهر من الحياة تحت وطأة الذل.

مبدعات هي الولادات. لكن

               موجعات. حقيقة غير عذبه

ولماذا لا تبلع الصوت؟.. عفوًا

                 من توقى إرهابهم، زاد رهبه

كيف نستعجل الرصاص ! ونخشى

                بعد هذا، نباح كلبٍ وكلبه

هل يرد السيولَ وحلُ السواقي؟

                 هل تدمي قوادم الريح، ضربه؟

أنت من موطن يريد. ينادي

                من دم القلب، للمهمات شعبه

هل ترى من هناك؟ غزوًا يقوي

                 قبضتيه، يحد مليون حربه

يحتذي (البنكنوت) يومي إليه

                وعليه من البراميل جبه

ويستخدم الاستفهام الإنكاري باستخفافٍ ساخر يقلل من شأن المعتدي وترساناته من براميل وقاذفات، ودعم أمريكي غربي أمام طوفان إرادة الشعب الصاعد كالسيل العارم، الذي أصبح الموت لديه مهارة وألفة، فتفوق السلاح والمال يتهاوى أمام عدالة القضية وعزيمة الشعب اليمني الذي يمتلك الأرض والإرادة، ويسقط كل هيبة زائفة عن ثروة المعتدي النفطية، مجردًا إياها من أي قيمة أخلاقية أو إنسانية، لتظهر على حقيقتها عارية ومبتذلة في أعين الأحرار، فالمال الوفير والثروة النفطية الهائلة التي يتشدق بها المعتدي تُرى بعين الاحتقار والازدراء أمام عظمة الروح اليمنية (كسروال قحبه)

خصمنا اليوم غيره الأمس طبعًا

                 البراميل أمركت (شيخ ضبه)

عنده اليوم قاذفات ونفط

                عندنا موطن، يرى اليوم دربه

عنده اليوم خبرة الموت أعلى

               عندنا الآن، مهنة الموت لعبه

صار أغنى، صرنا نرى باحتقار

                 ثروة المعتدي، كسروال (قحبه)

صورة بلاغية واقعية لاذعة إلى أقصى حد، تسقط هيبة المال النفطي وتجرده من أي طُهر أو قيمة، محولة إياها إلى رمز للوضاعة والابتذال الأخلاقي، فحين يفقد المعتدي مشروعه الأخلاقي، تتحول أمواله الطائلة في أعين الأحرار إلى مجرد بضاعة رخيصة ومستهجنة. ويتساءل باستغراب وتعجب يحمل طابع التحدي المطلق

صار أقوى. فكيف تقوى عليه

                وهو آت؟ نمارس الموت رغبه

وندمّي التلال، تغلي فيمضي

                كلّ تلّ دام، بألفين ركبه

ويجيد الحصى القتال، ويدري

               كلّ صخر، أنّ الشجاعة دربه

وتتحول ركاب الصمود إلى آلاف المقاتلين الجاهزين للنزال، فالأرض هنا تقاتل مع أهلها، ما يعكس فلسفة “المقاومة الشعبية الشاملة” ويبرهن على أن الغازي مهما بلغت قوته وجبروته العسكري، فإنه يعجز عن احتلال أرض تتوقد فيها الجغرافيا بالرفض؛ فحتى الحصى والصخر يتحولان إلى دفاعات صلبة.

يصعب الثائر المضحّي ويقوى

                حين يدري، أنّ المهمة صعبه

تضاد وتكامل بلاغي يعتمد على المفارقة البناءة؛ فالثائر الذي يحمل روحه على كفه يصبح صعب المراس مستعصيًا على الكسر، وإدراكه حجم المؤامرة وقسوة المعركة لا يكسر عزيمته، بل يزيده إصرارًا ويقظةً ويقينًا بأن العظائم لا تنال إلا بالتضحيات الجسام، وكلما اشتدت الأخطار تعاظمت قوته وصلابته، فالصعاب والتحديات الهائلة التي فرضها العدوان والحصار لم تزد الشعب إلا صلابة وبأسًا.

وفي قصيدة “المحتربون” عام 1991م، من ديوان “جواب العصور”، يكشف البردوني أن عدوان النظام السعودي الذي يدار بالوكالة ضد الشعب اليمني مجرد “رفاهية” وترف إجرامي، لا يخدم سوى قوى الاستعمار والهيمنة الخارجية.

ويكشف هذا البعد عن زيف الشعارات التي تُرفع لتبرير العدوان، وما يرافقه من سياسات تجويع وحصار، وهلع ميداني تحت وطأة القصف المستمر، حتى تكاد الثواني تتصارع فيما بينها من شدة الرعب

كما يصور مدى السقوط السياسي والإنساني الذي لا يتورع عن قتل الأطفال والأبرياء، حيث تحولت أجساد الأطفال البريئة إلى أشلاء تمتزج بتراب الأرض والحصى المحترق من شدة القصف، فالشهداء وجوه وأسماء تنطق بالبراءة وتفضح بشاعة الجريمة.

كماليّةٌ حرب الخليج وغيرها

                 وحول الضروريات كاو وكامشُ

وبين الشظايا والمنايا تسابق

               وبين الثواني والثواني تناوش

من القصف حتى القصف تعدو خرائب

                وتستاق أخرى العاصفاتُ النوافشُ

أهذا الحصى المحمر أطفال روضة؟

               أهذا الرصيف الرطب (عفرا)و(داحش)

في قصيدة “حوارية الرصيف” عام 1983م، من ديوان “كائنات الشوق الآخر”، حوارية مفعمة بالوجع والمرارة بين صوت الشاهد الواعي وواقع الخذلان، الملطخ بزيف الغرب، وقبح أدوات الاستعمار.

باستهلال درامي يضع القارئ وسط مشهد مكاشفة حاد؛ حيث يتساءل الرصيف والوجدان عن جدوى الانتظار وأفق الفرج وسط يباب الجدب والخراب.

من ذا تنادي ها هنا؟ هل دنا

               من خلف هذا الجدب فصل وريف؟!

ثم يأتي بصورة لاذعة تعكس الاختراق الغربي للنسيج العربي والمحلي، وكيف تُمرر أجندات الهيمنة عبر قنوات التغريب الناعم والتطبيع الثقافي والنفسي، فيستخدم الأسماء والرموز الأجنبية دلالةً على الذوبان في ثقافة المستعمر والانقطاع عن الهوية.

هاتيك صهيونية زوجها

                كما تسميه “كإدوارد” هيف

بمفارقة بلاغية عميقة يعرّي البردوني ببراعة الوجه الحقيقي للقوى الاستعمارية ومنظماتها، ويفضح زيف “المساعدات الإنسانية” والمشاريع الوهمية التي تقيمها قوى الهيمنة، حيث تُخفي خلف واجهات الرعاية الطبية آلات الموت والإبادة الجماعية، فهم لا يبنون مستشفى إلا لكي يفتحوا مليون قبر؛ ليؤكد سياسيًا أن كل مشاريع التدخل الأجنبي والغزو الحديث لا تهدف إلا للدمار المنهجي ونهب الثروات تحت غطاء الإنسانية المزيفة.

يبنون مستشفىً لكي يفتحوا

               مليون قبرٍ. أي غزوٍ طريف؟

وفي استعارة حيوانية يأتي بانتقال دلالي مفجع يصور كيف أدى التدخل الخارجي والمال السياسي إلى تدجين الإنسان اليمني الحر، وتحويله من العنفوان والكرامة والإنتاجية إلى التبعية والعلف والاستهلاك المنتظر للذبح، فالثور الحارث الناطح يتحول إلى كائن مسلوب الإرادة يُساق إلى الذبح كبش عليف، في توصيف دقيق لخيانة النخب والأنظمة المرتهنة للخارج.

قد كنت ثورًا حارثًا ناطحًا

                وحين جاؤوا صرت كبشًا عليف

وهذا الواقع الذي يعيشه المرتزقة من التدجين يوضح البردوني فيه مفارقة الخداع والترقي الزائف، عبر صيغة الاستفهام الاستنكاري والتهكمي، ليكشف زيف الوعد بالارتقاء، أنه لم يكن سوى انحدار في إشارة لاذعة إلى تزييف المفاهيم وتبرير الهزائم والانكسارات لدى العملاء بوصفها إنجازات أو حوادث عابرة طريفة، مما يعري الواقع السياسي والإنساني الذي بات يستساغ فيه التراجع والمهانة تحت أسماء زائفة وبريق خادع.

تظنهم رقوك؟ لكن إلى

                 أدنى. أتدعوه سقوطًا ظريف

ثم يشير إلى نفط الجوف، وملح الصليف، وبساتين صنعا ليربط المخطط الاستعماري بالثروات والمقدرات الحقيقية للوطن؛ فالغزو لا يستهدف البشر وحدهم، والأطماع تركزت دائمًا على مقدرات اليمن الاستراتيجية، فالحروب التي تُشن على اليمن ليست عشوائية، بل هي حرب مدروسة للسيطرة على العصب الاقتصادي والجغرافي للبلاد.

اليوم نفط (الجوف) ناداهم

               هل دعاهم أمس ملح (الصليف)؟ !

جاؤوا بلا داعٍ بلا دعوةٍ

                 هم المنادى والمنادي اللهيف!!

أنسوا رؤى (صنعا) بساتينها

                نفوا عن الريف الشذى والرفيف

وفي قصيدة “علاقمة” عام 1981م، من ديوان “ترجمة رملية لأعراس الغبار” يستدعي الشاعر الكبير عبد الله البردوني رمزية مأرب التاريخية وسدها العظيم، ليجري بسخرية لاذعة مقارنة صاعقة بين “سيل العرم” التاريخي الذي أهلك الحرث والنسل عقابًا، وبين “سيل النفط” الناعم والمدمر الذي تقوده قوى الترف والعمالة فتستخدمه نقمة وأداة دمار واستنزاف.

كاشفًا بوعيه النافذ زيف المفارقات التي تصنعها الثروة حين ترتهن للخارج وتتحول إلى أداة لتخريب الأوطان، فالمطر الطبيعي (سيل الغيث) الذي يحيي الأرض ويجلب الخير سُمي تاريخيًا “عرمًا” جارفًا مدمرًا، بينما سيول النفط وثروات الدمار الحقيقي اليوم تُستقبل بالرضا والتبعية وكأنها ليست عارمة أو مهلكة!، ليخلص إلى حقيقة دامغة: أن الظلم والخراب واحد، سواءً جاء بصورة كارثة طبيعية تاريخية أو بصورة نكبة سياسية واقتصادية معاصرة (هاتيك غاشمة، وهذي الغاشمة).

يا (مأرب) الأغلى: أتى (العرم) الذي

                 يُفني بدغدغة الأكف الناعمه

سميت سيل الغيث أمس عرامة

               أسيول نفط اليوم ليست عارمة؟

أتقول: أعياك القياس وإنما

               هاتيك غاشمة، وهذي الغاشمة؟

وفي قصيدة “زفة الحرائق”، عام 1990م من ديوان “جواب العصور”، يعري البردوني وجه واشنطن العدواني الذي يتخفى خلف شعارات الديمقراطية والإنسانية بينما يمارس أبشع جرائم الإبادة والدمار بحق شعوب الأرض. ويشيد بفلسفة المقاومة والثبات الأبدي لشعوب حية ترفض الاستسلام لجبروت الآلة العسكرية والطمع.

باستهلال درامي مكثف يربط بين الشهوة التوسعية لواشنطن وبين الأمراض والأوبئة والدمار (الإدز والصمم) التي تخلفها سياساتها في الجسد العالمي.

شوقُ (واشنطنْ) إلى (بَنَما)

               يستحثُّ (الإدْزَ) والصمَّما

ثم يتحدث عن أساليب القتل من خلف حجب الأستار، مشيرًا بإشارة القريب (هنا) للانتحاريين، والعملاء، وبإشارة البعيد (ثَمَّ) للقصف عن بعد، في دلالة على انعدام الشجاعة وتجرد المعتدي من أي قيم إنسانية أو أخلاقية في المعركة.

مَنْ هنا، أو ثمَّ يقصفها

                 غير مبدٍ وجه مَن هجما

ويكشف عن أفعال التدمير لتكشف عن همجية مفرطة تستهدف الحياة الآمنة بليلها ومفاجآتها؛ لتتحول المساكن والأحياء في ومضة إلى أثر بعد عين ، في إبادة شاملة تختفي معها كل معالم الحياة

أو يماسيها مفاجأة

                مطعمًا ساحاتها الحمما

 كانسًا فيها البيوت إلى

               حيث لا شعبٌ ولا زُعما

ويوضح أن التدخلات العسكرية الأمريكية لا تستند إلى شرعية أو أخلاق، وأنها بمنطق الغاب والمال والابتزاز، بنزعة استهلاكية دموية جشعة تستبيح دماء الشعوب لضمان استمرار تفوقها المادي، مجردة من أي صفة إنسانية

ساحبًا تاريخه جثثًا

                 ناصبًا دولاره صنما

قلبهُ جنزير كاسحةٍ

                 وجههُ نفعيةُ اللؤما

هجسهُ ترسانةٌ دمُه

                يُرضع الصاروخ والقلما

يقيم الشاعر مقابلة قوية تبرز تداعي الغازي مقابل تجدد طاقة اليمنيين الأحرار وثباتهم الوجودي أمام آلة الموت، لترسم نهاية حتمية لكل محاولات الهيمنة أمام إرادة الشعوب.

سوف تلقاني أجدّ قوى

                وألاقيها أحرّ ظما

ويطرح تساؤلًا مذهولًا للخليج فيه استدعاء موجع لمآلات العدوان لتتحول الذاكرة إلى مسرح للأسئلة العميقة عن أسباب الهلاك ومصادره، فدول العدوان ما إن تحولت إلى مؤسسات وسلطة و”نُظُم” حتى تخلت عن جوهرها التحرري، وفقدت بوصلتها الأخلاقية لتصبح جزءًا من منظومة القمع والاستهلاك التاريخي

و(الخليج) اليوم يذكرها

               ما الذي ألقت وكيف طمى

أَغشَمُ الآتين مَظْلَمةٌ

                مَن أطاعوا كلَّ مَن ظلما

كل تنظيماتهم فقدت

                نهجها مذ أصبحت نُظُما

وفي مشهد سريالي مرعب، يستدعي الطواحين التي تحولت من مطاحن للحبوب إلى آلات لحرق الأرواح وابتلاع المدن، ويتساءل عن حالة الإنهاك المطلق والتشبع الفادح بالموت، حيث استخدم كلمة “بَشما” مجازًا للدلالة على التخمة والامتلاء المفرط من القتل والتدمير.

يا طواحين الحريق متى

               يهجع القصف الذي بَشما؟

ويكشف عن ذروة المفارقة السياسية والنفسية في بنية النص، حيث ينتقل الاستفهام من حدود التعجب والاستنكار إلى فضاء الإدانة الساخرة والتعرية الكاملة لجدلية الفعل ورد الفعل، يتجلى هذا العجز المطبق لآلة الحرب في تساؤل الشاعر المشبع بالتفجير الدلالي، وكأن المعتدي في غمرة توحشه لم يهدم سوى بنيانه، وسحق عظامه بيديه، وتورط في تدمير ذاته من حيث لا يدري

ليس تدري ما الذي حَطَمَتْ

               ما الذي مَن عظمها انحطما؟

ما الذي من تحتها هدمت

                 ما الذي من فوقها انهدما؟

 باستفهام استنكاري مشحون بالألم والذهول أمام بشاعة القصف، يوضح عجز منظومة العدوان ووهم الاستهداف بسلسلة من الأسئلة الاستنكارية الكشفية التي تعري خيبة اعتدائهم، فهي لا تواجه جيشًا نظاميًا تبارزه، ولا تستهدف سوى الأشباح أو الأسواق المكتظة، والمدارس وصروح التعليم، مستبيحةً أرواح الأبرياء، وحرمتهم المصونة، وبهذا تفقد ضرباتها كل معنى عسكري وتتحول إلى تخبط أعمى ينقلب فيه الجاني ضحيةً لجهله بميدان معركته، الأمر الذي جعله يطرح تساؤلًا فلسفيًا ونقديًا عميقًا حول مفارقة الأفعال ونتائجها

هل رمت سوقيْنِ أم شبحًا؟

                 هل رمت جيشًا وكيف رمى؟

هل شوت تسعين مدرسةً

               أم حمامًا لم تجد حرما؟

ما تسميه الذي رسمت

                 ما الذي مِن عكسه ارتسما؟

ثم يلتفت إلى بقاء الجوهر الإنساني المقاوم رغم هول العدوان، متسائلًا عن سر الغياب الظاهري للمقاتلين الأحرار ذوي البصيرة والرأي النافذ، الذين تم تواريهم خلف أستار الخداع الإعلامي والسياسي، ما يجعل التستر على الأحرار هو الخطر الأعظم الذي يواجه الأمة؛ فحين يختفي الرفاق والأطهار عن المشهد العام، بفعل طغيان التعتيم والمخاطر المتمكنة، تصبح مواجهة هذا الانكتام وتعرية ما يحاك في السر هي التحدي الأكبر للوعي الحي الذي يأبى إلا أن يرى النور من تحت ركام الأنقاض.

ما تزال الأرض عامرةً

               بالرفاق الثُّقَّب الكرما

ولماذا لا أشاهدهم

               أعظم الأخطار ما انكتما؟

وفي تشخيص دقيق لطبيعة الهيمنة الأمريكية ووظيفتها التدميرية في العالم، يشير إلى أن تحالف هذه الهيمنة المقترنة بالموت والخراب، مع رأس المال وجبروت السلاح، قد شاخ وترهل وأصبح يواجه حتمية الانكشاف والسقوط أمام صمود الشعوب، وتراجعت هيمنتها لتصبح مجرد “خادم” لأدوات الموت والدمار التي صنعتها، تفقد زمام المبادرة وتنجر وراء تداعيات أفعالها.

قيل لي: (واشنطن) اتِّحدتْ

               بالردى، شاخ اتحادهما

قد أراها في هجوم غدٍ

               للردى الثاني غدتْ خَدَما

ثم يوضح العقيدة الاستراتيجية للسياسة الأمريكية بوصفها الموزع الأكبر للموت والحروب، والعدو الوجودي لكل من يجرؤ على الثورة أو مجرد “الحلم” بالاستقلال والكرامة، لتلتقي هذه الرؤية مع الخيط الناظم للنص كله في فضح الوجه القبيح للهيمنة الخارجية التي لا تقابل وعي الشعوب وثوراتها إلا بالحديد والنار والخراب الممنهج

فهي أرمى بالحتوف إلى

               كلِّ شعبٍ ثار أو حَلُما

فهي تسعى لتجعل المنطقة بأسرها مسرحًا مشتعلًا بالمخاطر، يمتد إلى كل قطر، وهي تتوارى خلف حلفائها

ووكلائها لتخوض حروبها بالوكالة

أي قطرٍ فيه ما اضطرمَت

                أو بعدوى نارها اضطرما

فإذا ما داهمت فلها

               مَن دهى عنها ومن دهما

يلتقط الشاعر بذكاء سياسي فريد دور المؤسسات الدولية والدوائر الغربية التي تتبادل الأدوار لإحكام الحصار والقتل، فمن يدمر الأوطان هو نفسه من يرتدي رداء “الوسيط” أو “القاضي” لشرعنة الجريمة، وهو ما يعري زيف المنظومة الدولية برمتها، فتأتي مرة كغازٍ مدمر ومرة أخرى كضيف مسالم

فهْي تأتي اليوم قاتلةً

               ثم تأتي ضيف مَن سلما

تثبت الأولى إدانتها

                 ترتضي الأخرى بها حكَما

ويتساءل باستنكار بليغ عن استحالة ابتلاع الشعوب مهما بلغ جبروتها، وهيمنتها العسكرية المدججة بالترسانة المدمرة، فالعبرة ليست بضخامة السلاح بل بعدالة القضية وصلابة العزيمة

قل لواشنطن متى اقتدرت

                 أمَّةٌ أن تبلع الأمما

في مشهد ساخر يشخص ويعري هشاشة بنية الهيمنة الحديثة التي تنفصل فيها القوة عن العقل والسياسة عن الأخلاق، وتدير شؤون العالم بسلطة عمياء تعاني من غياب الحكمة، مما يجعل قراراتها مصدرًا للفوضى والخراب العالمي، في تجارة عبثية لا تنتج سوى الوهم.

إنها الأقوى بدون حِجىً

               ولها حُكْمٌ بلا حُكَما

إن تبعْ باعتْ منىً بمنىً

                 إن شرت تشري دُمىً بِدُمى

ثم يوضح فلسفة الصمود اليمني وعمق ارتباط الإنسان بأرضه المعمدة بالدم، لتتغدى شجرة البقاء، فتثمر إرادةً لا تكسر، وعزمًا لا يلين تتلاشى أمامه أوهام الغطرسة

والذي أدمتْ ثراه به

                شمَّ حِنّا أرضه فنما

إن أدارتْ فيه ملحمةً

                فعلى إصراره التحما

ويختتم البردوني رؤيته بيقين سياسي وثوري مطلق، يعري عبثية العدوان وفشل أهدافه، فالقوة المادية المطلقة بلا أخلاق ولا هداية بدون حجى، مآلها إلى التآكل والاندحار. فمهما بلغت شراسة العدوان الأمريكي وغاراته، فإنه بزهوه الزائف يصطدم بحقيقة صارخة ترفض القياس على جمهوريات الخوف أو دول الاستسلام الهشة؛ فاليمن ليس “بنما” ولا مسرحًا لسهولة التدخل والوصاية، بل قلعة أحرار تكسر على أعتابها أطماع الغزاة والمستكبرين، وتثبت أن إرادة الشعوب الحية هي وحدها التي تكتب نهاية الطغاة.

عبثًا جاءت فما قتلتْ

               غير مقتولٍ بها اعتصما

وانثنتْ منفوخةً وأنا

               غيرَ مَن ظنّت أنا (بنما)

في قصيدة “استنطاق “عام 1987م من ديوان “رواغ المصابيح”، يفتح الشاعر الكبير عبد الله البردوني نافذة نقدية واسعة على واقع الأمة المأزوم، مستنطقًا الجغرافيا والتاريخ والضمير الإنساني.

باستفهام لاذع يقيم مقابلة قاسية بين حرية بوارج العدوان الأجنبي في البحار، وبين انحسار الحرية برمتها في البر، حتى لم يعد آمنًا أو حرًا سوى دور العبادة، في تعبير بليغ عن قمع الاستبداد والاحتلال.

ويوجه البردوني نقدًا سياسيًا جارحًا لمنظومة التبعية الإقليمية التي سهلت للغزاة السيطرة على الممرات والمقدرات، محولة الأوطان إلى مسارح مستباحة للأجنبي بسبب الخذلان العربي الرسمي.

لِمَ كاسحات البحر في البحر حرة

                 وفي البر لا أحرار إلا المساجدُ؟

ويأتي التعليل حاسمًا وقاسيًا ليكشف عن السبب الجذري وراء هذا التمكين الميداني للغزاة، مشيرًا بإصبع الاتهام إلى الدور التخريبي الذي تلعبه أنظمة الخليج المرتهنة في استضافة الأساطيل الغربية وفتح الموانئ للغزاة

لأن الخليج ابن الخليج استضافها

                لكي يرتخي لا ينتخي فيه ماردُ

وباستعارة مذهلة تعكس عمق المفارقة ومرارة الواقع، ينادي البحر المبتعد عن وضعه الطبيعي، ويسأله عن سبب انقلاب دوره المعهود برويه ومنبعه، وتحوله إلى ظمآن فوق رمال الهوان، عاجز عن الارتواء أو نفع أهله.

أيا بحر كان الماء مورد ظامىءٍ

                فَلِمَ أنت ظمآن على الرمل واردُ؟

وينتقل ليكشف عن الجرح الأعمق المتمثل في التنكر للذات والوطن، في أن ما يرفضه ويأباه أصحاب الدار الحقيقيون (أهل الحمى)، يتم فرضه وتمكينه بأيدي الطامعين الغرباء، لتتحول مقدرات الأمة إلى ركيزة يستقوي بها العدو الخارجي.

لماذا الذي أهل الحمى يرفضونه

                يقوي يديه الطامعون الأباعدُ

ويرسم الشاعر لوحة متكاملة لمدى الخيانة والتراجع العربي الذي فتح الأبواب مشرعة أمام الطامعين، حيث يأتي الغزاة على ظهره، ويتولى القريب مهام إذكاء النيران وتأجيج عاصفة العدوان، متخذًا موقف الصمت والخذلان (وهو خامد)

على ظهره يأتون من كل موقعٍ

                 ويذكون عنه ريحه، وهو خامدُ

يتوجها بحكمة وجودية وتاريخية تحذر من مغبة التفريط بالهوية والحقوق، فمن يضيّع أرضه وكرامته يعجز عن استرجاعها

لِمَ لا يموت الموت كالناس؟ ما الذي

                 سيعمل إن باد الورى وهو خالدُ؟

إذا أنت ضيَّعت الذي أنت واجد

                فهيهات أن تلقى الذي أنت فاقدُ

وفي مقطع من قصيدة “ليليات قيس اليماني”، عام 1985م، من ديوان “كائنات الشوق الآخر”، يتقمص الشاعر الكبير عبد الله البردوني شخصية “قيس” المعاصر، لا ليناجي ليلى العامرية، بل ليناجي جراحات وطنه، ويفضح بجرأة نادرة واقع المرتزقة وأدوات التبعية في الرياض وعواصم الغرب، مسلطًا الضوء على مسرح العبث السياسي الذي تُدار فيه دماء الأحرار بأيدٍ عربية ووصاية أجنبية.

باستفهام تعجبي استنكاري متلاحق يبين مدى التلاعب الخارجي بمقدرات المنطقة موظفًا شبكة من الإحداثيات الجيوسياسية والعواصم الكبرى (حلوان، روما، واشنطن، صلالة، لندن) ليكشف عن بنية “الاستعمار بالوكالة”

يفكك البردوني بدقة مذهلة بنية “العدوان بالوكالة” ممن يرتدون أقنعة محلية، ويستأجرون مرتزقة كأدوات رخيصة لتمزيق النسيج اليمني العريق.

 ويشير بإدانة لاذعة لآلية صناعة الرؤساء والدمى في غرف الرياض وعواصم الوصاية، حيث يُخلع الرئيس ويُعين النائب بأمر المخابرات الأجنبية لا بإرادة الشعوب.

لماذا ترتدي “حلوان” “روما”؟

               و”واشنطنْ” لمن لبست “صلاله”؟

أما اتخذت قناعًا وجه “نجدٍ”

               لتقتل “مذحجًا” بيدي “تباله”

أزالت “لندن” الأولى وجاءت

               بأخرى غير قابلة الإزاله؟

ترئِسُ نائبًا يبدو جديدًا

                وتكتب للرئيس الإستقاله

باستعارة مكنية تصور الدماء السائلة كأنها أنهار تجري بلا حراك أو التفات من العالم الأصم.

ثم تأتي المقابلة المتناظرة الصادمة في توازن إيقاعي يعكس المرارة؛ فالنصر يبدو للوهلة الأولى صعب المراس، بينما الخيانة مباحة ومسهلة بلا عوائق.

تسال بكل ناحية دماء

               ولا أحدٌ يشاهدها مساله

أيبغي الشعب نصرًا مستحيلًا

                ولا تلقى الخيانات استحاله

وفي مفارقة أخلاقية ساخرة يفضح زيف المنظومة الدولية ومجالس الأمن التي تذبح الشعوب تحت يافطة “حفظ السلام والعدالة”.

ويصور مهانة تسلسل التبعية والعمالة؛ برأس وراء رأس، وذيل يجر خلفه أذيالًا، معريًا النظام العالمي ومجلس الأمن الذي أصبح أداة لتشريع القتل وتجويع الشعوب، يغمض عينيه، وتُصم أذناه عن دماء الضحايا الأبرياء، ومجازر العدوان بحق الشعب اليمني.

لماذا من يناشد أي عدل

                يكابد قتله باسم العداله؟

وفوق الأرؤس العُليا رؤوس

                 وللأذيال أذيال مشاله

وفي استعارة كونية مضيئة ينادي الأمل والفرج القادم البارق الذي سيطهر الأرض من دنس الضحالة والانحطاط.

ويشيد بصمود الأحرار في المعتقلات ممن رفضوا الخنوع وماتوا دون أن يقايضوا حريتهم بكفالة الذل.

ويقيم البردوني تقابلًا طبقيًا وسياسيًا حاسمًا بين شرعيتين متصارعتين: شرعية التاريخ والسيادة الحقيقية، وشرعية العروش المستمدة من “الوكالة”. إن وصفه للمرتزقة بأنهم (ملوك بالوكالة) يجردهم من أي عمق وطني أو شعبي، ليقابلهم بالثائر الحقيقي الذي يخرج من قاع المعاناة والأكواخ حاملًا بندقيته ليواجه غطرسة “أصحاب الجلالة” المتورمين في قصور الوهم، وهذا البعد يمثل رؤية ثورية مبكرة تؤكد أن الأنظمة السياسية المستندة إلى الدعم الخارجي والمال هي أنظمة هشّة ومآلها إلى الزوال المحتوم، مهما بلغت قوتها الظاهرية، طالما أنها تقف في مواجهة الإرادة الصلبة للشعب المجاهد الذي يصنع نصرَه بوعيه وتضحياته.

ألا يا بارقًا يومًا سيهمي

               أتدري كيف أزبدت الضحاله؟

يؤرخ كل سجنٍ مات فيه

               ووافق أن يموت بلا كفاله

يفصل حكم من كانوا ملوكًا

                ومن أضحوا ملوكًا بالوكاله

يبندق كل عنوان ويذكي

                بزنديه المهارة والبساله

يجوس قرارة الأكوخ، يرقى

                إلى أذقان أصحاب الجلاله

في قصيدة “حلقات إلى فصول الحاء”، عام 1994م، من ديوان “رجعة الحكيم بن زايد” يوجه الشاعر الكبير عبد الله البردوني ضربات نقده الساخر والجارح نحو رموز الفساد السياسي والاقتصادي، عاريًا طغمة النهب التي أكلت مقدرات الوطن وتمادت في إخضاع مؤسساته.

يشير إلى تفكيك سيكولوجية المتسلطين، كاشفًا عن تناقضاتهم العميقة، وتبعيتهم المطلقة، فيفضح جشع الطغاة ونهبهم الممنهج، مصورًا إياهم في أبشع مظاهر القبح والابتزاز

أغطوا عورة البنكين

                 ومن سلبوهما الجلدين

من اعتصروا عظامهما

                 ولاكوا قشرة القدمين

يقدّم تشريحًا شعريًا لاذعًا لسقوط المرتزقة، ويكشف عن دناءة أخلاقهم وخسة نفوسهم التي جعلتهم يبيعون أوطانهم مقابل مكاسب مادية تافهة، فيصورهم بأنهم كائنات طفيلية لا تتحرك إلا بدافع الجشع المالي، كسقوط الذباب على القاذورات، فعارهم ليس ظاهريًا بل هو متجذر في تركيبتهم الأخلاقية والجسدية

أحط من الذباب، وإن

                 رقوا سقطوا على الفلسين

لأن القبح داخلهم

               فأحلى ما يرون الشين

أغطوا عورة فيهم؟

               أليسوا عورة الوضعين؟!

ثم يوضح اندماج شهوة الكلام والكذب مع شهوة الجسد والابتذال الأخلاقي ليعبر عن السقوط الكلي، وليؤكد أن هؤلاء المرتزقة شُغِلوا بالكامل بشهواتهم، وأطماعهم، ومكاسبهم الضيقة، لدرجة جعلتهم عاجزين عن الالتفات لمصلحة الوطن، فهم مشغولون بدناءة أنستهم كرامتهم، تمامًا كما شُغلت بائعة السمن بوعاءيها حتى نال منها المحتال.

ومسؤولين موطنهم

                 من الشدقين للفرجين

أترجوهم وهم ألهى

               بهم من ربة النحيين

يكشف متاجرتهم بالقحط والفقر، وأنهم يبنون “دولة الأفعى” القائمة على الغدر، والسم، والسطو على مقدرات الشعب، ويتحولون في النهاية إلى غزاة يدمرون أرضهم وكأنهم خرجوا من جوف الأرض كأقوام “يأجوج ومأجوج”

زمان القحط زعمهم

               لكي يدعى أبا القحطين

وكي تعتم صلعته

               بقرني ثور ذي القرنين

فشادوا دولة الأفعى

               ومأمورية السطوين

ورسميًا بدوا غزوًا

                ومن ياجوج ياجوجين

وفي بقية الأبيات تجسيد حي لـ “سيكولوجية المرتزق” في الأدب السياسي؛ حيث يغيب العقل والكرامة، وتتحكم التبعية العمياء والخنوع للغير مقابل الفتات، مما يجعلهم في أدنى درجات الخسة ونفاد النفسية الإنسانية السوية.

فالمسؤول يتحول إلى مجرد تابع ذليل ينفذ أجندات الأعداء على حساب دماء شعبه ومقدرات وطنه

وبسخرية مرة يكشف الشاعر زيف الادعاءات الرسمية والخطابات المضللة التي تحاول تغطية الفشل الذريع بشعارات براقة فارغة، مؤكد أن كل محاولات التستر والهروب إلى الأمام لا تزيد المشهد إلا كارثية ووضوحًا في عيون الشعب المكتوي بنار القحط والخراب.

وبالوهمية انتفخوا

                فغاص الطول في العرضين

تراءوا غير من كانوا

                وجاؤوا ما دروا من أين

لأعلى روسهم رأس

                 له تاج على الفخذين

يولي دار ثروته

                هوىً يبتاعه نصفين

ومن كعب الغنى يصبو

               إلى الأغنى على الحالين

يمد إلى من استعدى

                 على دمه فمًا ويدين

من استعطى ومن أعطى

                من استغشى به حربين

من استعدى كما تحكي

               من استجداه مذ يومين

نفى ذا ما ادعى هذا

               وبات يجيش الردين

لأن النفي تغطية

                تلف الوجه بالرجلين

لهذا رأسوه على

               رئيسيه، بلا راسين

بدون كفاءةٍ، لكن

               بشرطٍ، يحتوي شرطين

رمى عينيه بين فمي

               وبين سكوته شطرين

ويتحدث عن هذه النفسية المنحطة للمرتزقة في قصيدة “مدينة الغد” عام 1967م، من ديوان “مدينة الغد”، فنجده ينحت صورًا ساخرة وجارحة لفضح الانتهازية وسقوط القيم الإنسانية، يختزل فيها حياة التبعية والسطحية؛ بتشبيهها بعالم الدجاج الذي بطبيعته ينشغل بالحركة العبثية السريعة دون غاية عليا، وكل همه اقتيات الرزق الدنيء بغض النظر عن مصدره، ويصور فقدان المرتزق لهويته الحقيقية بأنه ضيع القلب واستحال جذوعًا، فالجذوع هنا تفتقر إلى النبض والحياة الداخلية، حينئذٍ تصبح مجرد مظاهر ميتة تتستر بقشرة خادعة

عالم كالدجاج يعلو ويهوي

               يلقط الحب من بطون القذاره

ضيع القلب، واستحال جذوعًا

                 ترتدي آدميةً… مستعاره

وتكتسب هذه الأبيات قوتها من كونها تأتي في سياق قصيدة “مدينة الغد” لترسم نقيضًا مظلمًا للواقع المأزوم؛ حيث يتقاطع عالم الابتذال والوضاعة مع تطلع الشاعر الحارق نحو عالم الطهر والنقاء والمستقبل الموعود.

وفي قصيدة ” الغزو من الداخل” عام 1973م، من ديوان “السفر إلى الأيام الخضر”، نجده يعري واقع الخذلان والاستبداد، حيث يسلط الضوء على مأساة “الوعي الشقي” الذي يدرك حجم الكارثة لكنه يقف مكبل الأيدي أمام سطوة الخفاء والاحتلال الداخلي.

في طباق ومقابلة عكسية بالغة العمق؛ جعل الجهل فظيعًا، لكنه رأى معرفة الحقيقة وإدراك الفجيعة دون القدرة على تغييرها أشد فظاعة وأقسى على النفس، لأنها تعذب الوعي وتضاعف الشعور بالعجز.

وباستفهام إنكاري تشخيصي يستنطق وجدان العاصمة التاريخية باعتبارها قلب الأمة النابض وذاكرتها التاريخية التي تستهدفها قوى الغزو والاحتلال، وهي المعنية الأولى بإدراك الخطر الداهم، ويكني عن أشكال الهيمنة والوصاية الخفية التي تتخفى خلف شعارات وطنية أو تحالفات داخلية، وهي أشد خطرًا وأقبح أثرًا من الاستعمار العسكري الظاهر.

فظيع جهل ما يجري

                وأفظع منه أن تدري

وهل تدرين يا صنعاء

                من المستعمر السري؟

البردوني لا يتحدث عن مستعمر عسكري واضح، بل عن مستعمر سري. ثم يعدد تجلياته:

فقد يأتون تبغًا في

                 سجائر لونها يغري

وفي صدقات وحشي

                 يؤنسن وجهه الصخري

وفي أهداب أنثى في

               مناديل الهوى القهري

وفي سروال أستاذ

                 وتحت عمامة المقري

وفي أقراص منع الحمل

               وفي أنبوبة الحبر

وفي حرية الغثيان

               وفي عبثية العمر

وفي عود احتلال الأمس

               في تشكيله العصري

وفي قنينة الوسكي

               وفي قارورة العطر

تعداد دلالي يفكك أدوات الهيمنة: فالتبغ يرمز إلى الاقتصاد الاستهلاكي، الصدقات إلى المساعدات الإنسانية المشروطة، أهداب الأنثى إلى التوظيف الجنسي، سروال الأستاذ إلى تسلل المناهج التعليمية، عمامة المقري إلى ترويض الدين، أقراص منع الحمل إلى التخطيط الديموغرافي، أنبوبة الحبر إلى الإعلام والفكر، حرية الغثيان إلى الحريات الزائفة، قنينة الوسكي وقارورة العطر إلى الإفساد الأخلاقي والرفاهية المخدرة.

ثم يصل إلى النتيجة الأشد، فالاستعمار من الخارج إلى الداخل، من الأرض إلى الجسد والوعي. والغزاة يلبسون وجه الضحية، فتصبح الذات هي أداة استعمار نفسها، فيصفه طاعونًا لا يُرى. في إشارة إلى أن المعركة لا تقتصر على مواجهة الطائرات، بل تمتد إلى مواجهة ما زرعه الغزو في الذات من قيم واستهلاك وخنوع.

ويستخفون في جلدي

                وينسلون من شعري

وفوق وجوههم وجهي

                ونحت خيولهم ظهري

غزاة اليوم كالطاعون

                 يخفى وهو يستشري

وفي تعبير يدوّي بالمرارة، يرسم البردوني صورة التمزق والارتهان، وحال العملاء

يمانيون في المنفى

                ومنفيون في اليمن

جنوبيون في صنعاء

               شماليون في عدن

ترقى العار من بيع

                 إلى بيع بلا كفن

ومن مستعمر غازٍ

                 إلى مستعمر وطني

ثم يتحدث على ألسنة العملاء، ليكشف أعماق النفس الخائنة، ويصور حالة التبعية والتملق السياسي والارتزاق الرخيص بخنوع مذل، حيث تُستبدل الكرامة الإنسانية بالاستجداء المفضوح أمام ثروة الملك وسطوته، فيصور الأتباع والمتملقين كأنهم مجرد نباتات عاجزة، مسلوبة الإرادة والكيان، لا تنمو ولا تعيش إلا بفيض عطاء الملك ومطر إخصابه، حتى بلغ الأمر حد تأليهه وجعل كبد السماء ونور الشمس مستمدًا من قبس نسبه وحسبه المزيف.

شعاري اليوم يا مولاي

                نحن نبات إخصابك

لأن غناك أركعنا

                 على أقدام أحبابك

فألهناك قلنا: الشمس

                 من أقباس أحسابك

ثم تتوالى الصور المذلة، ويصل البردوني إلى قمة السخرية المرة وفضح الوجه القبيح للمرتزقة الهاربين وقيادات الارتزاق المتواجدة في عواصم الشتات، التي تخلت عن كرامتها الوطنية لتتحول إلى مجرد أدوات طيعة وأنياب ضارية في خدمة “أمير النفط” والوصاية الخارجية، باحثة عن الفتات والمال السياسي على حساب دماء الوطن، وكرامة الشعب.

أمير النفط نحن يداك

                 نحن أحد أنيابك

ونحن القادة العطشى

                إلى فضلات أكوابك

ومسئولون في صنعاء

               وفراشون في بابك

ومن دمنا على دمنا

                تموقع جيش إرهابك

لقد جئنا نجر الشعب

               في أعتاب أعتابك

ونأتي كلما تهوى

               نمسح نعل حجابك

ونستجديك ألقابًا

                نتوجها بألقابك

فمرنا كيفما شاءت

                نوايا ليل سردابك

نعم يا سيد الأذناب

                إنا خير أذنابك

وتُعد قصيدة “صنعاء في طائرة” عام 1974م، من ديوان “السفر إلى الأيام الخضر”، واحدة من أجرأ وأعمق النصوص وأكثرها مرارة في تصوير مأساة الوطن وتاريخه.

يخلق البردوني هنا مشهدًا دراميًا فريدًا، متخذًا شكل “حوار ذاتي ومكاشفة قاسية” بين الشاعر وبين عاصمته التاريخية (صنعاء) وهما يتشاركان مقعدًا في طائرة عابرة، محملين بأثقال الخذلان، وبيع الذمم، والارتهان لمراكز القوى الإقليمية والدولية.

 الطائرة هنا ليست مجرد وسيلة عودة، بل منصة عالية يطل منها على صنعاء بوصفها كيانًا تُنهَك في السماء والأرض معًا، باستعارة تمثيلية وتشبيه نفسي عميق يماهي فيه الشاعر بين مصيره الذاتي المنكسر وبين مصير العاصمة، ويجعل من الطائرة استعارة للحركة المعلقة، للانتقال الذي لا يفضي إلى تحول.

على المقعد الراحل المستقرّ

               تطيرين مثلي ومثلي لهيفه

ومثلي أنا صرت عبد العبيد

               وأنت لكلّ الجواري وصيفه

وفي صورة لاذعة يفضح غدر القيادات السياسية التي تحولت إلى سماسرة يبيعون شعوبهم في أسواق النخاسة الإقليمية

فقدنا الخليفة . مذ باعنا

                 إلى كلّ سوق. جنود الخليفه

ثم تأتي الصورة الساخرة المركّبة:

ملكت المطارات والطّائرات

                 وأكلي (جراد) لأنّي سخيفه

ومملكتي هودج من رياح

               تروح عجولا. وتأتي خفيفه

وما فائدة الدموع؟ هنا ليست خلاصًا. لا أحد يتأثر ببكاء صنعاء، لأن العالم اعتاد على مآسيها، في ظل وضع فيه المجتمع الدولي يقف بصف الجاني، ويدين الضحية، الاعتياد على المأساة يحول الألم إلى مشهد مألوف لا يستدعي تدخلًا:

أتبكين؟ لا، لا ومن تُؤسِفين

                 إذا أنت مقهورة أو أسيفه

وماذا سيحدث لو تصرخين

                 وتتّزرين الدموع الكّثيفه

ثم يصل إلى السؤال المرير عن الاعتراف الدولي، في استشراف مأساة الحصار الجوي المفروض على صنعاء ومطارها، باستفهام استنكاري يعكس قمة الخذلان؛ فالعاصمة التي ملكت طائرات الأجواء باتت تنتظر من واشنطن والدوائر الغربية فرصة مرور، جاهلة أن الرهان على المستعمر لا يثمر إلا الخيبة، كأخبار منتحر في صحيفة تحولت إلى خبر استهلاكي يقرأ ثم يُطوى.

أتعطيك (واشنطن) اليوم وجها؟

                 خذي. حسنًا. جرّبي كلّ جيفه

فقد تلّفتين بهذا السّقوط

                 كأخبار منتحر في صحيفه

وباستعارة تصويرية واستفهام استنكاري عميق يدعو العاصمة (صنعاء) إلى الخروج من حالة الانتظار لتعود إلى ذاتها الحقيقية ، متجاوزةً حالة الوصاية.

يفتح الأفق نحو العودة إلى الذات بهذه الخاتمة الباذخة التي تتحول فيها الأسئلة إلى نبوءة ثورية صادمة، تبحث عن طريق الخلاص للوطن الجريح ليس عن طريق الاستجداء وذرف الدموع، بل لابد أن يولد الفجر عنوةً من قلب الدمار والمواجهة المسلحة العنيفة ضد المعتدي الغاشم، لكسر الحصار الجوي المفروض.

متى منك تمضين عجلى إليك؟

               ترين اخضرار الحياة النّظيفه

أمن قلب أغنية من دموع

                 ستأتين؟ أم من حنايا قذيفه

في قصيدة “أحزان وإصرار” عام 1973م، من ديوان “السفر إلى الأيام الخضر”، يقدم قراءة سياسية عميقة لواقع التضحية والمقاومة، متجاوزًا البكائية الرومانسية إلى الفعل التاريخي الواعي

يفتتح البردوني بمشهدية كشفية توثق قسوة الشوط وعبء التجربة، بتعبير يعكس ذروة الوعي السياسي والوجودي، حيث يُسقط الخيار الانهزامي لصالح حتمية الاستمرار رغم هائل الفقد.

يشير البردوني لوعي سياسي ووطني فريد يقوم على أن التضحيات الجسام ليست دليلًا على الهزيمة، بل هي الوقود الحيوي الذي يستنهض الأمة، فالشهداء الذين يسقطون في ميدان المواجهة ليسوا سوى شرارة تعيد بناء الوعي الجمعي وتبعث الحياة في الجسد الوطني بأسره، فالتكامل الوطني يتحقق عبر تلاحم الدماء والتفاني المطلق، بتوازن دقيق بين الوفاء للدموع وحزن الفقد، وبين الصلابة المطلقة في مواصلة الطريق بلا أي تراجع أو انكسار، فالألم الذي يعتصر الشعب لا يتحول إلى يأس، بل يُعاد تدويره سياسيًا ونفسيًا ليصبح طاقة هائلة للمقاومة والصمود.

شوطُنا فوقَ احتمالِ الاحتمالْ

                فوقَ صبرِ الصَّبرِ، لكن لا انخذالْ

نغتلي، نبكي على مَنْ سَقَطوا

                إنَّما نمضي لإتمام المَجَالْ

دمُنا يَهمي على أوتارِنا

                ونُغَنّي للأماني بانفعالْ

وبأسلوب إنشائي ينادي الصبر ككائن حقيقي يعاني الشاعر رفقته، ليخلص إلى حكمة بالغة بأحزان الرجال ترتفع فوق الشكوى إلى رحاب الفخر والصلابة، وقسوة الحصار وشراسة العيش، يقابلها التحدي الجمالي، المصحوب بعزف الأشواق، والشدو للجمال، لتتخذ الروح من المحال طريقًا ومثالًا.

مُرَّةٌ أحزانُنا، لكنها

                 يا عذابَ الصَّبْرِ أحزانُ الرِّجالْ

نبلعُ الأحجارَ، ندمى إنَّما

                 نعزفُ الأشواقَ، نشدو للجَمالْ

ندفنُ الأحبابَ، نأسى إنَّما

                نتحدَّى نحتذي، وجهَ المُحَالْ

ثم يأتي باستعارة تصريحية تجعل من الإنسان اليمني جزءًا لا يتجزأ من جغرافيا وطنه؛ فالتراب والحصى تحولا بالدم إلى جنات وفردوس طاهر، وبتشبيه بليغ يربط بين ثورة الأحرار وبين جمال شهر “نيسان” وخصوبته، ناشرين العبير والخير في كل الاتجاهات رغم لهيب العدوان.

مُذْ بدأنا الشَّوطَ جَوْهَرنا الحَصى

                 بالدَّمِ الغالي وفَردَسنا الرّمالْ

وإلى أينَ؟ عَرفْنا المُبتدا

                والمسافاتُ، كما ندري طوالْ

وكنيسانَ انطلقنا في الذُّرا

                 نسفحُ الطيبَ يمينًا وشمَالْ

  نبتني لليمنِ المنشودِ مِنْ

               سُهدِنا جسرًا وندعوهُ: تعالْ

ثم يعلن البردوني أن الارتباط بين اليمني وبلاده ليس مجرد انتماء جغرافي عابر، بل هو تلاحم مادي ونفسي يجعل الأرض جزءًا من أجساد المدافعين عنها. فاستهداف الجغرافيا اليمنية هو استهداف للحم الشعب وعظامه، وأن أي قوة خارجية عاجزة عن كسر إرادة شعب تحولت أرضه إلى جزء لا يتجزأ من كيانه الإنساني والنضالي.

فالصورة التي يرسمها البردوني تتماهى فيها أجساد الشهداء والأضحيات مع جبال اليمن ورباه؛ فالوطن مبني فعليًا من لحم أبنائه وعظامهم، والموت معشوق قديم تآلفوا معه واتخذوا من وجهه الناري وسيلة للكرامة.

نحنُ هذي الأرضُ، فيها نلتظي

                 وهيَ فينا عنفوانٌ واقتتالْ

من روابي لحمِنا هذي الرُّبا

               من رُبا أعظُمِنا هذي الجبالْ

ليسَ ذا بدءَ التَّلاقي بالرَّدى

               قد عشقناهُ وأضنانا وِصالْ

وانتقى مِنْ دَمِنَا عمَّتَهُ

               واتَّخذنا وجهَهُ النَّاريْ نِعالْ

نَعرفُ الموتَ الذي يَعرفُنا

                 مَسَّنا قَتْلاَ. ودُسناهُ قِتالْ

وتَقَحَّمْنا الدَّواهي صُورًا

                أَكَلَتْ مِنّا، أَكَلناها نِضالْ

ثم يختزل فلسفة الشهادة والتضحية بالدماء بأنها ليست خسارة مطلقة، بل هي النبض الذي يحيي الأمة ويضمن لها اكتمال كرامتها وحريتها، ويستعير الأشجار التي تزداد اخضرارًا رغم فقدان بعض أغصانها ليعبر بدقة عن فشل استراتيجيات الحصار والإبادة في تركيع الشعب؛ فالقصف والدمار لا يزيلان الشعب من خارطة الوجود، بل يزيدانه تجذرًا وصلابة في أرضه.

موتُ بعضِ الشَّعبِ يُحيي كلّهُ

               إنَّ بعضَ النَّقصِ روحُ الاكتمالْ

هاهُنا بعضُ النُّجومِ انطفأتْ

                 كي تزيدَ الأنجمُ الأُخْرى اشتعالْ

تفقدُ الأشجارُ منْ أغصانِها

               ثمَّ تزدادُ اخضرارًا واخضلالْ

وفي قصيدة “الحبل العقيم”، عام 1977م، من ديوان “زمان بلا نوعية”، يرسم البردوني لوحة سوريالية مذهلة تتلاحم فيها أجساد المدافعين مع تفاصيل الجغرافيا اليمنية القاسية. لا تقف عند حدود الوصف العسكري، بل تغوص في عمق الانتماء الوجودي لأرض اليمن؛ حيث تتحول الحصون والمدن والقمم إلى مسارح للبطولة، ويتداخل الموت والحياة، والقمح والطحين، في ملحمة فذّة من صمود الإنسان فوق تراب وطنه، كأسوار صلبة تمنع اختراق العدو، وتروي الأرض بالدماء لتثمر حياة وارفة حتى وإن تسببت قسوة الحرب في التمزيق والشتات

ويستدعي البردوني أسماء المدن والجبهات اليمنية البارزة لتحويل الخريطة إلى كائن حي ينبض بالمعركة، فكل موقع (ميدي الساحلية، حريب الملتهبة، سنوان الشامخة، صنعا القلب) يمثل محطة في سفر الصمود اليمني العظيم ضد الغزاة.

ويوضح طبيعة العدوان الغادر، عندما يرمز إلى وحشية المعتدين وتآمرهم في الظلام، بالأظافر الحمر الملطخة بالدماء والتي تحاول التخفي خلف الستائر الدنيئة والأذرع العميلة، بتجسيد شيطاني لقوى العدوان التي تمارس الإجرام عن بُعد، مستخدمة الأدوات والوكلاء الخفيين، في مفارقة تفضح الجبن الكامن خلف قناع الترسانة العسكرية الضخمة.

فانتصبنا على (الطويل) طويلًا

               والتحمنا للحصن، سورًا حصينا

والتحفنا الردى ب(ميدي) سليمًا

                وانتعلناه في (حريب) طعينا

وانزرعنا في قلب (سنوان) قمحًا

               وانتثرنا في ريح (صنعا) طحينا

هل لمحت الأظافر الحمر تبدو

                دون أيد، تخفي ذراعًا كمينا؟

في قصيدة “رجعة الحكيم بن زايد”، عام 1992م، من ديوان “رجعة الحكيم بن زايد”، تتجسد في بداية القصيدة لحظة شعرية ووجودية بالغة التكثيف، تُعنى بالانبعاث من رماد الموت والخراب الشامل، حيث يتشابك البعد الصوفي بالموقف الوجودي والسياسي من تحولات العصر، يفتتح الشاعر نصه بملامح “الرجعة” عبر مفارقة مكانية وزمنية جذرية في قوله:

من أين؟ من باب الذي ما ابتدا

                أزمعت أرمي بي دمًا، أو ندى

بداية من آخر المنتهى

                شبيبة من خلف شيب الردى

براءةً ما ولدت تربة

                لها، وتنوي الآن أن تولدا

 هنا لا يعود البطل أو “الحكيم” من رحلة مكانية اعتيادية، بل من عمق العدم والبدايات المجهولة، ليعلن ولادة جديدة تتجاوز منطق الزمن البيولوجي المألوف

بداية من آخر المنتهى

                شبيبة من خلف شيب الردى

براءةً ما ولدت تربة

               لها، وتنوي الآن أن تولدا

 يتجاوز هذا الانبعاث مجرد العودة الشخصية ليتحول إلى استئناف وجودي للموت والدمار المترامي الذي طال الأمكنة والبشر، مستحضرًا صور المقابر المتناسلة والجهد الإنساني المنهك في مواجهة قسوة التاريخ، وصولًا إلى التساؤل المبطن بسخرية مريرة عن طبيعة هذا العالم الجديد الذي تلاشت فيه الدولة واليقين لتستبدل بالفوضى والعبث

هل كنت في عصرٍ بلا دولةٍ؟

               فوضاه أرقى من نظام المُدى

تتشكل البلاغة الكبرى للنص في تفكيكه لثنائية الموت والحياة، فالأموات هنا ليسوا غائبين بمعزل عن المشهد، بل هم شهود عيان على هشاشة عالم الأحياء الذين لا يختلفون كثيرًا عن الركود التحت-أرضي، لتنتهي الرحلة بدهشة صامتة أمام عالم تنكر لمألوفه وتنكّر لهم، حيث يقف العائدون على عتبات واقع لا يمد يد الترحيب ولا يعترف بدهشة القادمين من أتون الموت.

ثم يصور البردوني لوحة صوفية ووجودية متكاملة تتكئ على جماليات التماثل الطبيعي والتناغم الخيميائي بين عناصر الكون، حيث يذوب الإنسان في المشهد الطبيعي ليصبح امتدادًا للأرض والدوح والسماء. تفتتح الأبيات بثنائية الارتفاع والانخفاض، والتراب والسماء، في إيحاء عميق بالتجذر والارتقاء العكسي

كالأرض كنا نستدر السما

                 لكي ترى شهب الثرى صعدا

تستحضر هذه الصورة انكسار الجاذبية المألوفة؛ فالأرض هنا لا تكتفي بتلقي المطر، بل تستدر السماء بنداها، وتدفع بترابها ليصعد شهبًا نحو الأعالي، في تناصٍ بليغ مع فكرة التسامي الروحي من رحم الألم والتراب.

ويمتد هذا التلاحم العضوي في المقطع التالي عبر استعارة شجرية باسقة

كالدوح يعطي الوحل أعراقه

                وهامه يستحلب الفرقدا

وتجسد هذه الثنائية أقصى درجات العطاء والتناقض الخلاق؛ فالدوح (الشجر العظيم) يغوص في عتمة الوحل وأعماقه ليستميت في سقي الحياة، بينما تعانق هامته (قمته) النجوم البعيدة (الفرقد)، مستحلبة إياها في تماهٍ مذهل بين الداني والقصي، والمادي والروحي. ويتوج هذا المخاض الصوفي بنداء داخلي مشحون بالوجد والتدفق المائي الصافي:

مائية أصوات مأتاك يا

                شوقًا إليه، منه فيه اهتدى

تأخذنا صفة “المائية” إلى السيولة والصفاء والبدئية، حيث الصوت ليس مجرد تردد صوتي بل هو تدفق وجداني يرتوي من مساره وينتهي إليه، في تجسيد لرحلة العشق الإلهي أو الوجودي الذي يبدأ منه ويهتدي إليه. ثم يأتي بوقفة تراجيدية عميلة على عتبات التغير الكوني

الآن، هذا عالم غير ما

               عهدته، أغشاه كي أعهدا

يا قلب ما أدناك منهم وما

               أخفاهمُ عنك وما أبعدا

تعكس هذه الخاتمة صدمة الغريب العائد إلى عالم تنكر لملامحه القديمة، ليدخل في مكابدة معرفية محاولًا استكناه هذا الواقع الجديد “أغشاه كي أعهدا”.

ويتصاعد البوح بنداء مرير وموجع للقلب الذي يكتشف مفارقة القرب والبعد معًا؛ فهم أدنياء منه حضورًا وأخفاهمُ الغياب وأبعدهمُ الزمن، لتتوج القصيدة بهذا التوتر الوجودي الشفيف بين ما كان وما هو كائن.

يا قلب ما أدناك منهم وما

               أخفاهمُ عنك وما أبعدا

ثم يرسم الشاعر الكبير عبد الله البردوني لوحة كفاحية شامخة لشخصية “الحكيم” العائد إلى معاقل الصمود والتاريخ (مبدأ وعنوانًا وجغرافيا). لا تأتي العودة هنا ترفًا سياحيًا أو زيارة عابرة، بل مجيء العارف المتبصر والمحارب الخبير الذي يحمل سراجًا مضاءً بالوعي والبصيرة في ليل المواجهة يبدد عتمة التضليل والعدوان في اللحظات الحرجة؛ ليواجه مدرعات المعتدين بإرادة تفوق الحديد والنار، فالمدرعات العسكرية الضخمة والمدججة بالترسانات تتهاوى وتغوص في حفرٍ، صنعها بأس الإرادة اليمنية، لتصبح ساجدة ذليلة أمام أصحاب الأرض، فالترسانة العسكرية مهما بلغت ضخامتها تفقد جدواها حين تصطدم بشعب يحفر الأرض بيديه ليدفن غطرسة الغزاة، مما يضمن ديمومة الشعلة الثورية حتى دحر الغزاة والمرتزقة.

وقال (ميدي): جئت مستخبرًا

                 أو مخبرًا، أوطفت مسترفدا

إلي مني جئت لا سائحًا

               لا زائرًا، لا أشبه العودا

يا شيخ (ميدي) إنني راجع

                 أزجي سراجًا قبل أن ينفدا

من عارك الأمس اعتراكي به

                 أتى من الآتي، وحث المدى

قل ما اقتداري، تحت دراعتي

                 دراية تستكثر الحسدا

أسمد البرق، لتصغي إلى

                أعلى جدال حول من سمدا

لو كنت عام الإنسحاب، الذي

               تقودنا، حتمت سحب العدى

مدرعات القوم أحثو لها

               حفائرًا يبلعنهم سجدا

وفي مقطع من قصيدة “مصطفى” عام 1986م، من ديوان (كائنات الشوق الآخر)، تتجسد ذروة الفلسفة الثورية التي ترفض الانكسار وتؤمن بحتمية الخلود المتجدد. لا يقف النص عند حدود الصمود البشري المعتاد، بل يرتفع إلى مرتبة التجلي الوجودي الذي يحيل الموت والكسر إلى وقود إضافي للبعث، مؤكدًا أن قوى الاستبداد والزيف مهما بلغت من بطش فإن مصيرها إلى التلف، بينما يبقى الجوهر النقي عصيًا على الفناء.

 قانون التحول العكسي للمقاوم؛ فالكسر لا يترك أثرًا تدميريًا بل يمنحه حدة وصلابة مضاعفة (أقوى وأرهف)، كالنصل الذي يزداد صقلًا بالضربات.

 استعارة مكنية تدمج البطل بقوى العاصفة والبراكين؛ فالموت ليس نهاية المطاف بل هو محطة انطلاق جديدة تعود فيها الإرادة الثورية أشد ضراوة وأكثر عصفًا بالظالمين (أعصف )

( سيتلفون) في مواجهة الخلود الروحي والإنساني للمناضل الحق (الذي يزكو فيه الذي ليس يتلف.

 فالكسر في الفلسفة البردونية محنة مؤقتة تختبر جوهر الأحرار، لكنهم بفضل جذورهم العميقة يستحيلون إلى طاقة أشد بأسًا وبصيرة.

 العودة من “آخر القتل” تعكس فكرة “الشهادة الحية” أو الأثر الذي لا يُمحى؛ فالطغاة يفنون في زيفهم، بينما يظل المبدأ الطاهر عصيًا على الموت، متجددًا في ضمير التاريخ والأجيال.

قد يكسرونك، لكن

                 تقوم أقوى وأرهف

وهل صعدت جنيًا

                 إلا لترمى وتقطف

قد يقتلونك، تأتي

                 من آخر القتل أعصف

فليقذفوك جميعًا

               فأنت وحدك أقذف

سيتلفون، ويزكو

                 فيك الذي ليس يتلف

وفي النهاية تناظر ختامي وتجسيد خالد يختم بصورة بلاغية كبرى تجعل من البطل كتابًا وزمنًا مستقبليًا قادرًا على محو كل عورات الحاضر المزيف

يا “مصطفى”، يا كتابًا

                 من كل قلب تألف

ويا زمانًا سيأتي

                يمحو الزمان المزيف

وتُعد قصيدة “مدينة الغد” عام 1967م، من ديوان “مدينة الغد”، نصًا رؤيويًا مكثفًا يقع في تقاطع الشعرية الرمزية والالتزام السياسي والإنساني. تعكس القصيدة أزمة الإنسان المعاصر تحت وطأة الحضارة المادية الحديثة، وتطرح في المقابل بديلًا مثاليًا يتوسل الخلاص والعدالة المطلقة.

دلالة العنوان “مدينة الغد”، لا يعود إلى أنثى شخصية، بل يتحول إلى رمزٍ موجّه إلى كيانٍ حضاريٍّ قادم، وإلى مدينةٍ موعودة تجمع في داخلها معالم الحضارة كلها، وتُخرِجها من حال الاغتراب والموت إلى حال الخصب والنور، فهي حضارة متكاملة منتظرة لم تولد بعد

يمنح “مدينة الغد” بُعدًا عريقًا يتجاوز الزمن الأرضي المألوف، لتغدو المدينة حلمًا متجذرًا في الذاكرة الإنسانية، وحقلًا دلاليًا يتسع لكل الأشواق المؤجلة.

فالحضارة المعاصرة لا تقدم ميلادًا طبيعيًا، بل تطلق حشرجات الموت والاحتضار، بينما المدينة الموعودة تجسد الانبعاث الخلاصي القادم من جذور الوجود الأعمق.

من دهور وأنت سحر العبارة

               وانتظار المنى وحلم الاشارة

كنت بنتَ الغيوب دهرًا فنمَّت

               عن تجليّك حشرجات الحضارة

البردوني يتكئ على ثنائية حادة بين واقع مأزوم يتهاوى، ومستقبل مأمول يتحرك كالوعد الحتمي، باستعارات مجسدة ومفارقات فاجعة لتوصيف حالة الانتحار الجماعي لعصر متأزم، يقدم نقدًا لاذعًا للحضارة المادية الحديثة، ويفضح تحولات المجتمع تحت هيمنة السوق، بمفارقة نقدية لهذه الحضارةٌ الممزقة بين الطموح العلمي والانحدار القيمي، فعقلها يحلّق نحو النجوم، وروحها تُباع في الأسواق.

وتداعي عصر يموت ليحيا

                 أو ليفنى، ولا يحسّ انتحاره

جانحاه في منتهى كل نجم

                 وهواه، في كل سوق: تجاره

في تداعي يمثل انهيارًا بنيونيًا يبرزه الشاعر عبر مقابلة بلاغية دقيقة تفضح انخراط المؤسسات في منطق السلعة، مشيرًا إلى انهيار المنظومة الأخلاقية والدينية، ففي هذه المدينة المريضة تتحول المقدسات إلى بضائع، فتُباع الدعاوى، وتفقد الصلاة طهارتها، ويُتاجَر بالدين.

باع فيه تأله الأرض دعواه

                 وباعت فيه الصلاة الطهاره

 بصور حيوانية ومجازية ينتقل من البنية الكلية للحضارة إلى مجهرية “الكائن المستلب” باستخدام تشبيه تمثيلي وتجسيدي صادم يعري دناءة المرتزقة التي تعيش على “التقاط للفتات” من قلب النفايات، مما ينتج عنه مسخ الهوية الإنسانية وتحولها إلى قشور جوفاء:

عالم كالدجاج، يعلو ويهوي

                يلقط الحب، من بطون القذاره

هذه الصورة البيانية تنقل المعنوي (الاغتراب والمسخ) إلى حيز مادي مقيت، يعززه تشبيه بليغ مقلوب يفرغ الإنسان من إنسانيته وجذوره:

ضيَّع القلب، واستحال جذوعًا

               ترتدي آدميةً. مستعاره

تتصاعد الدلالة الرؤيوية لدى البردوني من دائرة التوقع الفردي أو النخبوي إلى ظاهرة كونية شاملة تشمل الطبيعة بأسرها، حيث يصبح ميلاد “مدينة الغد” حدثًا وجوديًا يستنفر الكون من أدق تفاصيله إلى أقصى مداه الجغرافي، فكل ما في المدينة تحول إلى عطر أو نبات يدركه الوجود بحاسة الشم والوجدان قبل أن يراه، وباستعارات مكنية وتشخيصات متسلسلة تمنح العناصر الصامتة وعيًا حسيًا وحركة فاعلة ترقبًا لهذا الميلاد الذي تستقبل بزوغه الديوك كما تستقبل الفجر مبشرة بنهاية عتمة الليل، وحلول يقظة كبرى تعم الأرجاء

كل شيء وشى بميلادك المو

               عود واشتَمَّ دفئَّهُ واخضرارَه

بشرت قرية بلقياك أخرى

                وحكت عنك نجمةٌ لمناره

وهذت باسمك الرؤى فتنادت

               صيحات الديوك من كل قاره

من خلال مجاز مرسل واسع المدى يرسم لوحات كونية متكاملة، حيث تتفاعل الطبيعة مع الحلم البشري، وتُنقل صفة الاستحمام البشري إلى الفضاء المجرد، ما يمنح إشراقة المدينة المرتقبة طاقة تطهيرية شاملة.

المدى يستحم في وعد عينيك

                 وينسى في شاطئيه انتظاره

الطبيعة الصامتة تصبح أكثر وعيًا وانتظارًا، وقمم الجبال تتحول إلى مرايا تعكس شرارة عينيها

وجباه الذرى مرايا تجلت

               من ثريات مقلتيك شراره

ثم ينتقل من فضاء التوقع والبشارة إلى فضاء التحقق المنجز والإشراق الحتمي، حيث تتخلى “مدينة الغد” عن شروط الانتظار لتقتحم الواقع بقوة النبوءة والطبيعة المجددة، ويوظف استعارات كبرى ترتبط بخصوبة الأرض ودورة الحياة ليقابل بها هشيم العصر وموته، فيتسع أفق الحنان والعدل ليشمل كل مفاصل الجغرافيا الاجتماعية والإنسانية بتناغم دقيق، يمنح المدينة هالة كونية مقدسة في خلاص يعيد طهارة اللمس والنظرة والابتسامة

ذات يوم، ستشرقين بلا وعد

                 تعيدين للهشيم النضاره

تزرعين الحنان في كل واد

                 وطريق، في كل سوق وحاره

في مدى كل شرفة، في تمني

                 كل جار، وفي هوى كل جاره

في الروابي حتى يعي كل تل

                 ضجر الكهف واصطبار المغاره

سوف تأتين كالنبوءات، كالأمطار

               كالصيف، كانثيال الغضاره

تملئين الوجود عدلًا رخيًا

               بعد جور مدجج بالحقاره

تحشدين الصفاء في كل لمس

                وعلى كل نظره وافتراره

يعمل الشاعر هنا على تفكيك ثنائيات المركز الهامشي؛ فـ “المجندلون” (ضحايا الحروب والصراعات السياسية) و”البغايا” (ضحايا الاستغلال الاقتصادي والقاع الاجتماعي) يمثلون الرموز القصوى للإقصاء، واستعادتهم لوعيهم وطهرهم تعني هدم النسق القديم من أساسه وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس من الكرامة المطلقة.

يمتد المشروع السياسي لمدينة الغد ليطال الطبيعة والبيئة والمؤسسات القمعية، حيث يختفي العنف المادي وتتأسس بيئة أيديولوجية وإنسانية خالية من أدوات الهيمنة والجبروت تصبح السياسة هنا مرادفة للوفرة، العدل الرخي، وتناغم الإنسان مع محيطه الحيوي، لتتحول الأرض بكثبانها وحجارتها إلى فضاءات منتجة للحياة والبهجة، بعيدًا عن منطق الاستنزاف والصراع.

إنها مدينة تعيد خَلْق الإنسان، لا عمرانًا فحسب، بل بعثًا أخلاقيًا ووجوديًا

وتختم القصيدة بالاعتراف بأن اللغة تعجز عن وصف هذه المدينة، فجمالها وصباها فوق طاقة العبارة.

أيُّ دنيا ستبدعين جناها

                 وصباها فوق احتمال العباره

قصيدة «مدينة الغد» ليست غزلًا، بل رؤيا حضارية. واعدة بالمدينة التي لم تولد بعد، والمدينة التي تنتظرها القرى والنجوم والمنارات.

تبدأ من تشريح مدينة الحاضر المريضة، التي باعت الطهارة وضيعت القلب، ثم تلتقط بشائر المدينة الآتية، وترسم صورة المدينة المنشودة التي تملأ الوجود عدلًا رخيًا، وتزرع الحنان في كل سوقٍ وحارة، وتعيد للموتى الحياة والطهر للخطى.

وهكذا تتحول القصيدة إلى حلمٍ بالمدينة الكاملة، لا بوصفها مكانًا، بل بوصفها زمنًا قادمًا وصورةً أفضل للإنسان والحضارة.

في قصيدة “السفر إلى الأيام الخضر” إحالة إلى الغد الموعود بالخلاص والانعتاق، وهو جدير برحلة مكابدة شاقة تتطلب حزم أمتعة الوعي، والاستعداد للسفر،  وفي القصيدة إشارة إلى مجيئ الربيع البهيج بأيامه الخضراء، وتفتح زهور الهشيم، بعد شتاء صاخب بالقتال، مندّى بالدم، لكن المستقبل والأيام الخضر لا تأتي هبةً أو صدفة، بل تُنتزع بالسعي والمبادرة، حيث يتقدم الأحرار لاستقبال الغد قبل أن يدركهم، لتكون “المدينة الموعودة” ثمرة حتمية للإصرار والصمود

عندما يزهر الهشيم سأدعو

               يا كؤوس الشذى خذيني وهاتي

الشتاء الذي سيندى عقيقًا

               يبتدي موسم الورود اللواتي

ليس قصدي أن تيأسوا، لخطاكم

               قصةٌ من دم الصخور العواتي

سوف تأتي أيامنا الخضر لكن

               كي ترانا نجيئُها قبل تأتي

وفي قصيدة “محشر المقتضين” عام 1992م، من ديوان “رجعة الحكيم بن زايد”، يستحضر عوالم الأموات والبعث الأول والآثار الحضارية لليمن القديم (غمدان، معين، سبأ، ريدان، أخدود نجران) ليربطها بدموية الحاضر ومخاضات الصراع المعاصر.

يخرج فيها الموتى من قبورهم ليحاسبوا الأحياء، وليعيدوا صياغة التاريخ والوطن من جديد.

يستدعي البردوني أسماء القلاع والحضارات اليمنية القديمة “غمدان، معين، سبأ، ريدان” ليؤكد أن الصراع الحالي ليس طارئًا، بل هو امتداد لعمق حضاري وتاريخي يتجدد فيه البعث والتضحية، فالأرض التي أنجبت المجد قادرة على إنبات الثوار من ركام الموت.

ويطرح فهمًا فلسفيًا عميقًا للمقاومة والشهادة؛ فالذين يخرجون من الموت لا يطلبون حياة دنيوية عابرة، بل يخوضون معركة مصيرية لإعادة كتابة التاريخ وتطهير الأرض من الدنس والظلم

يقال: كانوا من الأموات فانبعثوا

                 سرًا وحالوا أعاصيرًا وكثبانا

باتوا يقدون للأحجار ذاكرةً

                وللربى أعينًا للسهل أذهانا

الآن أخبارهم من كل ثانيةٍ

                تهمي كما تنفش الأنسام ريحانا

جاؤوا يموتون أو يحيون ثانيةً

               لميتةٍ تدفع العمرين أثمانا

ويشير إلى العمق الحضاري الذي يستمد منه الإنسان اليمني طاقته على البعث والمقاومة، فالأرض التي أنجبت المجد والقصور العظيمة قادرة دومًا على إنجاب الثوار من ركام الفناء.

يربط بين التجربة اليمنية المعاصرة وأعظم رموز الصمود الإنساني في التاريخ والتراث، للدلالة على التضحية والثبات المطلق على المبدأ في وجه الطغيان.

فالذين يواجهون الموت اليوم ليسوا طارئين، بل هم امتداد لخط الأحرار عبر التاريخ الذين حفروا أسماءهم بالدم في أخدود الصمود، فالرماد الذي ظنه الطغاة ميتًا عاد ليشتعل براكين ونيرانًا تحرق عروشهم

لعلكم بعض أهل الكهف، قيل كذا

                وقيل إنا بنو (أخدود نجرانا)

لذا أشبتم قذال الموت كي تثبوا

               كنا رماد ربيعٍ عاد نيرانا

ويصور البردوني جسارة هؤلاء وكيف يستصغرون أهوال البحار والسياسات الكبرى:

اسكت، لكل فتىً من خطوه طرق

               ألا تراهم يرون البحر فنجانا؟

 أو يسألون عن الإبحار أولهم

               من ذا اعتلى الفلك، من ذا اجتاز طوفانا

فيفقهون شروط البحر من فمه

               يدرون: من تنتقي الأمواج ربانا

في قصيدته “أولاد عرفجة الغبشي”، من ديوان “ترجمة رملية لأعراس الغبار”، يرسم ملحمة شعرية تحتفي برواد الإنقاذ والمخلصين الأحرار الذين تصدروا المشهد في أوقات المحنة والاضطراب.

لا يقف النص عند حدود المديح التقليدي، بل يغوص في تفكيك طبيعة هؤلاء الأبطال، فالأسطورة ممزوجة بالواقع، والبطولة بالتضحية، وسط عالم ملتبس تعج فيه الشائعات وتتقاطع فيه تقارير الأعداء وتأويلات المخبرين.

في تناوب سردي ومفارقة إيقاعية (قيل عنهم / قيل جاؤوا / قيل هم) يوظف البردوني صيغة التمحيص والسرد الإخباري (قيل)؛ ليبرز حجم الجدل والأساطير التي أحاطت بهؤلاء الأبطال منذ ظهورهم، عاكسًا حالة الترقب الشعبي، وأنهم ليسوا طارئين على المشهد، بل هم امتداد لطبيعة الأرض وصلابتها.

قيل عنهم: تمردوا وأطاعوا

                 وكأمثالهم، أضاعوا وضاعوا

قيل: جاؤوا مِن صخرتين بوادٍ

                 قيل: شبّوا كما تطول التّلاعُ

قيل: هم إخوة، وقيل: رفاقٌ

                 قيل: هم جيرةٌ غذاهم رضاعُ

ذو أصولِ، أعلى المزايا لديهم

                 سلُّ سيفٍ أحدَّ منه الذراعُ

مع استحضار جغرافي بليغ يربط بين ميادين البطولة اليمنية، ليعكس شمولية أثرهم وعمق امتدادهم النضالي

قيل: كانوا إذا أجالوا سيوفًا

               في رُبى (صعدةٍ) أضاءت (رداعُ)

وإذا أولموا بـ”صعفان” ليلًا

                 كان لليل في الخليج التماعُ

قيل: كانوا كواكبًا فاستحالوا

                 واديًا للشموس فيه انزراعُ

فترى الأرض حيث حلُّوا سماءً

                 ولهم مثلها سنىً واتساعُ

صورة بليغة ترتقي بالمجاهدين من مجرد بشر إلى قوى كونية فاعلة تتفاعل مع الأرض والسماء، لتصبح خطواتهم زراعًا للشموس والنور.

ويمنح الشاعر هؤلاء الأبطال نسبًا روحيًا وطبيعيًا يرتبط بالبرق في سرعته وخطفته وتأثيره المفاجئ، ليدلل على خفة حركة المقاومين وسرعة بديهتهم في حسم المعارك الحاسمة، وعلى وعيهم العميق بمسارات الأحداث واتجاهات الريح السياسية والشعبية، فهم يقرؤون ما تخفيه العواصف قبل هبوبها، مما يمنحهم زمام المبادرة والتبصر المبكر بالتحولات.

ولهم نسبةٌ إلى كل برقٍ

                وعلى نيّة الرياح اطِّلاعُ

وفي استعارة مكنية باذخة التصوير؛ يجعل “الثريا” أمًا ترضع هؤلاء الأبطال، فينشؤون على العزة والرفعة والسمو، بعيدًا عن صغائر الأمور، مما يؤكد فكرة “الاصطفاء النبيل”؛ فهؤلاء الرجال لم تُصنع بطولاتهم صدفة، بل غُذُّوا منذ الصبا بحليب الطهر والعلو، مما يجعلهم أهلًا لتحمل تبعات الإنقاذ الكبرى وأعباء التحرر.

رضعوا في الصِّبا حليب الثُّريا

                 وارتعوا قامة الرُّبى حين جاعوا

قبل أن يظهروا أتى الوصف عنهم

                فرآهم – قبل العِيان – السَّماعُ

بينما يعكس وصف المستبصر لشخصيات النص حالة المخاض السياسي والاجتماعي العسير الذي يجمع بين التناقضات الكبرى (قحط وخصب، طفور وارتجاع)، حيث يبرز المخلصون كعلامة فارقة لضبط بوصلة التاريخ.

قال مستبصرٌ: أتوا في زمانٍ

               للنقيضين في يديه اجتماعُ

فلهم كالزمان قحطٌ وخصبٌ

               وطفورٌ كموجهِ وارتجاعُ

إشارة إلى دور الإعلام المضلل والأقلام المأجورة التي تتراوح بين التشويه المنهجي وإعادة تدوير الأكاذيب والحرب النفسية التي يتعرض لها المخلصون والأحرار عبر الصحف ووسائل التضليل للنيل من طهارتهم، في محاولة تهدف إلى طمس الحقائق وتشكيك الشارع في رموز صموده، في معركة وعي لا تقل شراسة عن ميادين السلاح.

شوّهتهم صحيفةٌ كالأعادي

                 وأعادت صحيفةٌ ما أذاعوا

وجوهر النص يؤكد على الأثر العظيم الذي تركه هؤلاء الرواد، وأنه لا يمكن أن يُمحى، بل يظل منارة تضيء طريق الأجيال القادمة مهما اشتدت عواصف التشكيك والعداء.

في عنوان قصيدة “مصطفى”، رمزية للقائد المجتبى، أو النخبة الطاهرة المتبنية للحق، وسط ركام الخذلان والزيف، ليتحول إلى مرآة تضم آمال الأمة وتطلعاتها، ومصطفى أو المختار أو المخلص أصبحت رمزية فلسفية لدى شعوب العالم الحرة.

في القصيدة يرسم البردوني لوحة فكرية ووجدانية كبرى، قد تكون تصف شخصًا بعينه، وقد تتجاوز حدود الشخص الواحد لتتحول إلى أيقونة إنسانية وثورية تجسد صراع الحق الأبدي في مواجهة طغيان الزيف والخراب.

يغوص فيها في فلسفة البقاء والمقاومة؛ حيث يمثل “مصطفى” تجسيدًا لإرادة القائد أو الإنسان الحر الذي يمتلك صلابة الجذور وعنفوان الموقف، في مقابل هشاشة الطغاة وجيوشهم المزخرفة.

فليقصفوا، لست مقصف

                 وليعنفوا، أنت أعنف

وليحشدوا، أنت تدري

                 أن المخيفين أخوف

أغنى، ولكن أشقى

                 أوهى، ولكن أجلف

أبدى ولكن أخفى

               أخزى ولكن أصلف

وفي ثنائية “الحديد والهشاشة مقابل المبدأ والقضية يعري الشاعر القوة المادية المطلقة للخصوم، ويقدم قراءة سياسية واعية لطبيعة الأنظمة والجيوش المستبدة التي تمتلك آلات البطش والحديد لكنها تفتقر إلى القضية والعدالة

لهم حديد ونار

                وهم من القش أضعف

يخشون إمكان موتٍ

                وأنت للموت أألف

وبالخطورات أغرى

                 وبالقرارات أشغف

مقابل العقيدة الراسخة والقوة الروحية والوجودية للبطل المستمدة من القضية المحقة، الضاربة في عمق الأرض والجذر

لأن همك أعلى

                لأن قصدك أشرف

لأن صدرك أملى

               لأن جيبك أنظف

لأن جذرك أنمى

               لأن مجراك أريف

لأن موتك أحيا

               من عمر مليون مترف

ويبني البردوني نصه على سلسلة من المفارقات المذهلة التي تفضح هشاشة المعتدي مقابل رسوخ المقاوم

لأنهم لهواهم

               وأنت بالناس أكلف

لذا تلاقي جيوشًا

                 من الخواء المزخرف

يجزئون المجزا

                 يصنفون المصنف

يكثفون عليهم

               حراسة، أنت أكثف

كفجأة الغيب تهمي

                 وكالبراكين تزحف

تنثال عيدًا، ربيعًا

                 تمتد مشتىٍ ومصيف

ما قال عنك انتظار

                 :هذا انثنى، أو تحرف

ما قال نجم: تراخى،

                ما قال فجر: تخلف

تسابق الوقت، يعيا

                 وأنت لا تتوقف

فتسحب الشمس ذيلًا

                وتلبس الليل معطف

أحرجت من قال: غالى

                ومن يقول: تطرف

وفي النهاية تناظر ختامي وتجسيد خالد يختم بصورة بلاغية كبرى تجعل من البطل كتابًا وزمنًا مستقبليًا قادرًا على محو كل عورات الحاضر المزيف

يا “مصطفى”، يا كتابًا

                 من كل قلب تألف

ويا زمانًا سيأتي

                يمحو الزمان المزيف

وفي قصيدة “عودة القائد”، من ديوان “من أرض بلقيس” يرسم البردوني ملحمة احتفالية كبرى تواكب عودة القائد المخلّص والرمز الوطني الجامع، بصرخة فرح شعبي عارم يمتزج فيها صخب الجماهير بوعي المصير التاريخي المشترك، المتطلع إلى التحرر والانعتاق.

يبدأ باستفهام تعجبي متتابع في سلسلة من الأسئلة المبدوءة بـ (لمن) لتضخيم حدث الاستقبال وتأكيد حالة الذهول والفرح والاحتفاء الجماهيري العارم بالقدوم الميمون للقائد

لمن الجموع تموج موج الأبحر

                 وتضج بين مهلل ومكبر

لمن الهتاف يشق أجواز الفضا

                 ويهز أعطاف النهار المسفر

ولمن تجاوبت المدافع وانبرت

                 صيحاتها كضجيج يوم المحشر

لمن الطبول تثرثر الخفقات في

                 ترنيمها المتهدج المتكسر

ولمن زعاريد الحسان كأنها

               خفقات أوتار ورعشة مزهر

ولمن تفيض حناجر الأبواق من

                 أعماقها بترنم المستبشر

للقائد الأعلى الموشح بالسنا

                 علم الفتوح وقاهر المستعمر

يأتي باستعارات مكنية تدمج حضور القائد ببهجة الطبيعة وانبعاث الأرض، وكأن الطبيعة تشارك البشر طقوس الاحتفال:

أشرقت في مقل الجزيرة كالضحى

                 كالصبح كالسحر الندي المقمر

وعلى جبينك غارُ أكرم فاتح

                وعلى محياك ابتسام مظفر

لما طلعت أفاقت (الخضرا) على

               فجر بأنفاس الخلود معطر

وتعانقت فتن الجمال وتمتمت

               بالعطر أعراس الربيع الأخضر

ثم يمزج البردوني بين ملامح القائد وبين أساطير الشعر العربي وعمالقته، مستحضرًا نغمات المعري والبحتري لتأكيد تجذر البلاغة والأصالة في الاحتفاء بالحدث:

وتسابق الإنشاد فيك وهازجت

                 نغم المعري أغنياتُ البحتري

ويشير إلى دور “القائد البطل” في لملة شتات الأمة وتوجيه الطاقات الشعبية نحو البناء والتحرير. وأن الجموع المحتشدة لا تهتف لشخص فحسب، بل لكونه رمزًا لتحقيق طموحات الشعب العميقة في العدالة والتحرر والوحدة.

يا من تشخصت المنى في شخصه

               وأهل فجر عدالة وتحرر

حقق طموح الشعب واجعل حلمه

               فوق الحقيقة فوق كل تصور

يستدعي البردوني أعظم رموز التاريخ الحضاري اليمني القديم ليبعثها حية في وجدان الحاضر. فعودة القائد ترتبط بانبعاث روح الأجداد، وكأن ملوك اليمن وعظماءها يطلون من خلف عصور التاريخ ليشهدوا ميلاد المجد الجديد:

وافيت فانتفضت أماني أمة

               شما وشق البعث مرقد “حمير”

ويكاد “ذو يزن” يبعثر قبره

               ويطل حمير من وراء الأعصر

بلقيس يا أم الحضارة أشرقي

                 من شرفة الأمس البعيد وكبري

واستعرضي زمر الأشعة واسبحي

                فيها بناظرك الكحيل الأحور

مولاتي الحسنا أطلي وانظري

                 من زهوة الأجيال ما لم تنظري

وتغطرسي ملء الفتون وعنوني

                 فمك الجميل ببسمة المستفسر

ها نحن نبني فوق هامة مأرب

                 وطنًا ونبني ألف صرح مرمري

ونشيد في وطن العروبة وحدة

                 فوق الثريا خلف أفق “المشتري”

هي وحدة العرب الأباة تسنمت

                 في ربوة التاريخ أرفع منبر

ثم ينتقل من بهجة الاستقبال ومناجاة الرموز الحضارية إلى صرامة المواجهة العسكرية ورفض الاستعمار والتوحش في الجنوب اليمني، والذود عن حياض الوطن، وتتجلى قوة التشخيص الحماسي في مواجهة الغاصب الأصم الذي لا يفهم سوى لغة القوة، مصورًا شوق الجنوب والنضال بضربات إيقاعية قوية

 أرض الجنوب وأنت نخوة ثأرها

               ظمأى تحن إلى الصراع الأحمر

 تطوي على حلم الجهاد عيونها

                وتئن تحت الغاصب المستهتر

ثم يرسم ببراعة خط المواجهة بين القائد المخلص وقوى البغي والاستبداد التي تعتمد على “رهج الحديد والمارد المتجبر”، وأن مواجهة الغاصب والمستهتر لا تتم إلا بالقوة والحزم والجاهزية للجهاد وصراع الكرامة.

متجبر وأصم لم يسمع سوى

               رهج الحديد المارد المتجبر

فازحف إليه يا بن بجدتها على

                لجج السلاح الفاتح المتهور

وفي كناية عن عمق الالتصاق والاصطفاء الروحي والتلاحم المطلق بين الجماهير وقائدها، يختتم برؤية سياسية واثقة تؤكد أن تضحيات الشعب وعودة القيادة الحكيمة ستسفر حتمًا عن بناء الوطن المنشود وتحقيق وحدة الأمة العربية الكبرى، لتظل زعامة القائد آية ساطعة في تاريخ الأحرار.

هذي زعامتك الفتية قصة

                بفم الفتوح وفي شفاه الأدهر

يا بدر هذا الشعب أنت زعيمه

               وهواك سحر غرامه المتسعر

حملتك روح الشعب إيمانًا فلم

               تخفق بحب سواك بل لم تشعر

فاسلم لتاريخ الزعامة آية

                بيضا كبهجة عصرك المتبلور

شكلت قراءة الخطاب الشعري للشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني في مواجهة العدوان استشرافًا مبكرًا لروح العصر ومخاضات التاريخ، إذ تجاوز شعره حدود التلقي الجمالي التقليدي ليغدو “رؤيا” كشفية ووثيقة فلسفية وسياسية تنطق بلسان المستضعفين وتقرأ البنية العميقة للأحداث قبل وقوعها، واتضح لنا في هذه الورقة أن البردوني لم يكن واصفًا محايدًا، بل كان ضميرًا جمعيًا يختزن وجع الأمة ويستنطق المستقبل، مترجمًا مأساة اليمن وصموده الأسطوري في وجه العدوان والوصاية إلى ملاحم من الصمود والرفض المطلق، وقد كشفت النصوص عن قدرة فائقة في تعرية زيف الغطرسة العسكرية والمالية (البترودولار)، في مقابل تجسيد صلابة الإنسان اليمني الذي جعل من الموت ألفة ومن الصخر والجغرافيا متراسًا للدفاع عن الكرامة والهوية.

النتائج:

1-     الاستشراف التاريخي والنبوءة الواعية: أثبتت النصوص المدروسة أن البردوني امتلك “بصيرة” نافذة استشرفت مآلات العدوان والتدخل الخارجي على اليمن بدقة مذهلة، متجاوزة حدود التنبؤ الغيبي إلى القراءة العلمية الواعية للبنية العميقة للأحداث.

2-     سقوط زيف القوة المادية أمام عدالة القضية: عكس شعر البردوني مفارقة صارخة بين ترسانة العدوان العسكرية الضخمة وما تملكه من أموال، وبين إرادة الشعب اليمني الصلبة المستمدة من عدالة قضيته، مصداقًا لمقولته الخالدة: “سوف يعييك آخر الأمر أكلي”.

3-     تعرية الوظيفة الاستعمارية وأدوات التبعية: نجح البردوني في كشف الأدوار الوظيفية للأنظمة المرتهنة والقيادات المرتزقة (العملاء والوكلاء)، مفككًا بنية “العدوان بالوكالة” وأساليب الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية (الاستعمار السري).

4-     فلسفة المقاومة الشاملة: تحولت الجغرافيا اليمنية في رؤية البردوني إلى كائن حي يقاوم؛ فلم تعد الأرض مسرحًا للصراع فحسب، بل تحولت الحصون والسهول والرمال وحتى الحصى إلى طاقات نضالية ترفض الاستسلام وتصنع شروط النصر والبعث.

5-     جدلية الموت والحياة (البعث المتجدد): كرّس البردوني فهمًا عميقًا للشهادة والتضحية باعتبارها “روح الاكتمال” والوقود الحيوي الذي يحيي الأمة، رافضًا منطق الانكسار لصالح حتمية الانتصار والخلود المتجدد عبر التاريخ.

التوصيات:

1-     إعادة قراءة التراث الشعري البردوني برؤية مقاومة: توصي الورقة بضرورة تعميق الدراسات النقدية والأكاديمية لتراث الشاعر الكبير عبد الله البردوني، لا سيما النصوص التي تستشرف التحولات السياسية والجيوسياسية، باعتبارها مرجعًا فكريًا وثقافيًا في أدبيات المقاومة والمواجهة.

2-     تفعيل البعد الوطني والتربوي في المناهج: إدراج نصوص البردوني الاستشرافية المقاومة للعدوان والتبعية في المناهج التعليمية والثقافية لتعزيز الوعي الوطني وربط الأجيال الناشئة بروح الصمود والكرامة العزة.

3-     إنشاء مراكز أبحاث لدراسة “النبوءة الأدبية”: تأسيس مختبرات أو مراكز دراسات متخصصة في توثيق وتحليل “الأبعاد الاستشرافية” في الأدب اليمني والعربي، وتوظيف الإرث البردوني في قراءة الحاضر واستشراف مستقبل الأمة.

4-     توثيق الشهادات الأدبية والفنية للمرحلة الراهنة: استلهام مضامين ورؤى البردوني الشعرية في إنتاج أعمال فنية وثقافية وأدبية توثق ملحمة الصمود اليمني المعاصر في وجه العدوان والحصار.

اقرأ أيضا : تكريم القعود في ختام مهرجان البردوني الأول اعتراف بذاكرة الصحافة الثقافية والأدبية اليمنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى