صعود الصين.. من هامش الحرب العالمية إلى قلب النظام العالمي

صعود الصين.. من هامش الحرب العالمية إلى قلب النظام العالمي
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الأربعاء 16 سبتمبر 2026-
يشهد العالم حراكاً سياسياً كبيراً على امتداد خريطته التي رُسِمَت مع نهاية الحرب العالمية الثانية من قِبل القوى المنتصرة فيها: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وفرنسا، وبريطانيا، والصين. وقد مدّ الحلفاء يد العون للصين لتنال استقلالها وتكون القوة الجديدة في جنوب شرق آسيا، في مواجهة اليابان، القوة الآسيوية التي حاولت كسر النفوذ الأمريكي، مما استدعى ردّة فعل أمريكية عنيفة تمثلت في استخدام السلاح النووي، الذي أجبر اليابانيين على الاستسلام. وكان استسلام ألمانيا قد أُعلن في مايو 1945م، بينما تأخر استسلام اليابان حتى سبتمبر من العام نفسه، بعد استخدام القوة النووية الفتاكة ضدها في أول استخدام لا أخلاقي لهذا السلاح في التاريخ. وحينها كانت الصين دولة حديثة العهد بالاستقلال، لا تملك أي مقومات للقوة لتفرض كلمتها، وكل ما في الأمر أنها استفادت من المتغيرات الدولية لتنال استقلالها عن الاحتلال الياباني بهزيمة الأخير وظهور الصين الجديدة.
والسؤال المُلح اليوم: كيف سُمِح للصين بالصعود دون عوائق تُذكر من قِبل القوى المنتصرة؟
ظهرت الصين في وقتٍ كانت فيه القوى العظمى المنتصرة بحاجة إلى وجودها كقوة مهمة في جنوب شرق آسيا، لتكون في مواجهة مباشرة مع اليابان التي كانت لا تزال قوة استعمارية لم ترضخ بعد، نظراً لقوتها العسكرية وصمودها الأسطوري أمام الولايات المتحدة، التي عملت على سحقها كما ذكرنا. في تلك الأثناء، بدأت الصين الوطنية تشق طريقها مستفيدةً من المكانة التي وضعها فيها الحلفاء لتكون القوة الآسيوية الموازية لليابان قبل سحقها، ثم للاتحاد السوفيتي. فمُنحت مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، الهيئة التي أنشأتها القوى المنتصرة. ورغم الدعم السياسي والعسكري الذي قدمه الغرب بقيادة الولايات المتحدة لجمهورية الصين الوطنية لتكون نموذجاً ديمقراطياً جديداً، إلا أن ذلك لم يكن كافياً أمام طموحات الاتحاد السوفيتي الذي نجح في دعم الحزب الشيوعي الصيني بسخاء ليقود حملة للسيطرة على الصين وتحويلها إلى جمهورية شعبية ذات طابع اشتراكي على غرار النموذج السوفيتي، وذلك بحلول عام 1949م.
شكّل هذا التحول منعطفاً كبيراً في مسار الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، التي وجدت نفسها أمام قوة اشتراكية فتية أكثر جرأة في إحداث التحولات السياسية ليس على مستوى الصين فحسب، بل على مستوى جنوب شرق آسيا وآسيا كلها، وأخذت الولايات المتحدة على عاتقها حماية رمزية المشروع الغربي المتمثل فيما تبقى من جمهورية الصين الوطنية التي فرّت من البر الصيني بعد اجتياح الحزب الشيوعي لكامل التراب، إلى جزيرة “فورموزا” المعروفة اليوم بـ “تايوان”، مقابل سيطرة جمهورية الصين الشعبية على كامل الدولة.
قاد ذلك القوى الغربية إلى فرض حصار قوي على الدولة الفتية، التي خرجت من مأزقها بفضل الدعم السخي الذي قدمه الاتحاد السوفيتي لها، لتكون اليد الطولى التي مهدت لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في جنوب شرق آسيا والجزيرة الكورية التي لا تزال تعيش نتائج تلك الحقبة إلى اليوم، ونجحت الصين الشعبية في بناء نموذج القوة من خلال العمل السياسي، فجمعت حولها عدداً من الدول في آسيا وأفريقيا فيما عُرف بكتلة “عدم الانحياز” التي قادتها منفردة عام 1955م بعيداً عن نفوذ الكتلتين، ورغم رفض الاعتراف الغربي بحكومة الصين الشعبية ومنح الاعتراف والمقعد الدائم في مجلس الأمن لجزيرة تايوان، عملت الصين على بناء قدراتها الذاتية، وأصبحت عام 1964م القوة النووية الخامسة في العالم، واستمرت في بناء قوتها بعيداً عن أتون صراع الحرب الباردة، ورغم ذلك اختلفت مع الاتحاد السوفيتي بصورة حادة.
شكّل الصراع الصيني-السوفيتي البوابة الطبيعية للغرب للتقارب مع جمهورية الصين الشعبية التي كانت منبوذة سابقاً. فحاولت أمريكا التقارب معها بشروط، أهمها الاعتراف بها في الأمم المتحدة وإعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن وسحب الاعتراف الأممي من تايوان، ولم تكتفِ الصين الشعبية بذلك، بل فرضت على الولايات المتحدة الاعتراف بمبدأ “الصين الواحدة” مقابل الانخراط في تطبيع العلاقات معها، ونجحت في إعادة دمجها في المجتمع الدولي بعد 23 عاماً من الثورة. منحها هذا التحول الغربي، نكاية بالاتحاد السوفيتي، الباب للوصول إلى النظام المالي والتقني الغربي دون عوائق. وفي المقابل، قدمت الصين نفسها كدولة مستقلة تنأى بنفسها عن التحالفات والصراعات، واختارت لنفسها نظاماً اقتصادياً جديداً “نيو ليبرالياً”، فخرجت من الدائرة الضيقة للنظام الاشتراكي القائم على تحكم الدولة، وسمحت للقطاع الخاص بالدخول في بناء المشاريع، وكان من شأن ذلك فتح الاقتصاد الصيني أمام السوق العالمية، وجلب الشركات الغربية لبناء منشآتها العملاقة في الصين مستفيدة من المهارة ورخص اليد العاملة الصينية مقارنة بالغرب، مما منح تلك الشركات أرباحاً باهظة وحوّل الصين إلى مصنع العالم، بينما كان الغرب منشغلاً بصراعه الأيديولوجي مع الاتحاد السوفيتي.
لم يأتِ عام 1991م الذي أُعلن فيه انهيار الاتحاد السوفيتي إلا وكانت الأرضية الاقتصادية والسياسية الصينية مهيأة لتكون جمهورية الصين الشعبية القوة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة، التي بدأت تدق ناقوس الخطر من هذا الصعود الصاروخي بعيداً عن القيود والرقابة، ورغم رسائل التطمين التي بعثت بها الصين بأنها لن تدخل في صراع تنافسي مع أمريكا، إلا أن المخاوف الأمريكية تكمن في الصعود المتوازن للاقتصاد الصيني بعيداً عن الديون الخارجية التي تكبل الاقتصاد الأمريكي، حيث يبلغ حجم الدين الخارجي الأمريكي قيمة دخله القومي السنوي، وهنا تكمن المفارقة، إلى جانب ترجيح الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين وبفارق كبير، مما يدفع الولايات المتحدة لمحاولة تطويقها، ليس للقضاء عليها لأن ذلك مستحيل، بل لتأخير تربعها على عرش العالم.
د. بكيل الكليبي- رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:وقفة مع مقال: “عولمة الحروب الشريرة تحكم العالم”





