كتابات فكرية

ترامب بين إعلان الضربة والتراجع: ارتباك القوة العظمى أمام قنبلة إيران الموقوتة

 ترامب بين إعلان الضربة والتراجع: ارتباك القوة العظمى أمام قنبلة إيران الموقوتة

  • بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

الثلاثاء 4 أغسطس 2026-

   تمر منطقة الشرق الأوسط اليوم بعاصفة ساخنة عنوانها التوتر الشديد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران منذ 28 فبراير 2026م، بعد استهداف الأولى للمرشد الأعلى علي خامنئي ودخول الدولتين في حالة من الصراع المفتوح دون أن يكون هناك أفق لبوادر حل سلمي للخروج من دوامة الصراع الذي عم المنطقة. وبالنظر إلى طبيعة الأحداث واستمرار الجانب الأمريكي في حشد أصوله العسكرية إلى الإقليم، فإن منطقة الشرق الأوسط مرشحة للانفجار والدخول في دوامة عنف جديدة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها وإلى أي مدى ستنتهي بها جولة الصراع القادمة التي تثبت الوقائع على الأرض أنها ستكون مختلفة عن جولات الصراع الأولى التي شهدتها من قبل. إذ تبين الأحداث المتسارعة أن الأمور تسير نحو التصعيد الكبير ما لم يكن هناك تدخل مباشر للقوى الدولية الأخرى لنزع فتيل الأزمة واحتواء التصعيد المتبادل وإقناع الجانبين بأهمية الجلوس بشكل فاعل وجاد إلى طاولة الحوار السياسي والبحث عن حلول ناجعة تزيل شبح الحرب التي تلوح في الأفق والتي ستكلف الجميع دون استثناء المزيد من الدمار، لا سيما أن مسارات الحرب القادمة قد يدخل إليها لاعبون جدد في إطار اصطفاف المصالح المرتبطة بالقوى الدولية الفاعلة التي تجد أن من مصلحتها إذكاء الصراع وزيادة حلقات التوتر لتحقيق نجاحات وأهداف في أوراق سياسية مطروحة على الطاولة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مقدمة تلك القوى روسيا الاتحادية وقضية أوكرانيا، والصين وقضية تايوان، وكل تلك المشاريع ليست بعيدة عن أطر التصعيد في منطقة الشرق الأوسط.

   تبين مسارات التهم التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب وامتعاضه المتسارع وانتقاده الدائم للقيادة الإيرانية، لا سيما بعد إعلانه إيقاف الضربة الأخيرة عليها بحجة تدخل الدول الإقليمية “قطر، السعودية، الإمارات” لديه وطلب تأخيرها لأن الإيرانيين موافقون على الدخول في مفاوضات جادة مع الأمريكيين، وبحسب الرئيس فإن هذا التدخل قاد إلى إيقاف الضربة العسكرية، وما استجد أن الجانب الإيراني أعلن أنه لا توجد أي مفاوضات مع الأمريكيين وأنه لا توجد أي نية للدخول في حوار سياسي معهم لانعدام الثقة، وكان هذا التصريح يشكل قنبلة موقوتة تلقاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي جن جنونه من هذه التصريحات واتهمهم بعدم الصدق، لأن حديث الإيرانيين جعل الرئيس الأمريكي في حالة من الإحراج الكبير أمام العالم، وزاد من ذلك الحرج استمرار الإيرانيين في التعنت الهادف إلى استنزاف الجانب الأمريكي واللعب على عامل الوقت الذي كلما طال زاد من استنزافهم وزاد من ارتفاع كلفة الأعباء الاقتصادية، لا سيما مع استمرار الجانب الإيراني بإغلاق مضيق هرمز ومنع استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية التي تهيمن عليها الأحداث وتنعكس على الأسعار بصورة مباشرة نتيجة توقف تدفق النفط عبر المضيق إلى الأسواق العالمية، وهذا يشكل ضغطاً إضافياً يستغله الإيرانيون بصورة متميزة في الصراع كونه أهم ورقة فاعلة في مواجهة التعنت الأمريكي، ويزيد حالة الضغط السياسي على الإدارة الأمريكية التي تحاول الدخول في مفاوضات جادة لتحقيق اختراق عملي للأزمة، لا سيما مع عدم جدوى استمرار الضربات الجوية الأمريكية على المواقع الإيرانية في الوقت الحالي.

  والسؤال الجوهري اليوم إلى أي مدى ستستمر إيران في التعامل مع الجانب الأمريكي بأسلوب الخاسر الذي لا يهمه أي شيء، وما الطريقة الأمريكية الفاعلة في مواجهة الأسلوب الإيراني الذي يزيد كل يوم من كلفة الحرب واستنزاف الجيش الأمريكي في المنطقة؟

  لا يمكن للجانب الإيراني الخروج من المأزق الحالي اليوم في إطار الصراع ما لم يحقق جميع أهدافه في الحرب، لأنه ببساطة لا يهمه أي شيء في واقع الأمر سوى الصمود وإطالة أمد الحرب لإجبار الجانب الأمريكي على التراجع وتوقيع اتفاق مع إيران والانسحاب من المنطقة ومنح إيران حق السيطرة على مضيق هرمز، لأنها في واقع الأمر تقول إما أن أفرض أهدافي أو أسير في الحرب إلى النهاية لأنه لا يهمني الخسارة التي وصلت إليها، وليس ذلك وحسب بل العمل على تعميم الخسارة لتشمل الجميع وليس إيران، وهذا النوع من السياسة يزيد متاعب الجانب الأمريكي الذي فكر بالدخول في الحرب دون حساب الخروج منها، ما لم يكن هناك تحول جذري في الحرب يقود نحو الغزو البري لتحقيق مزيد من الضغط الميداني على الجانب الإيراني ومحاولة احتلال مضيق هرمز وحرمان الجانب الإيراني من تلك الورقة، لكن عملية التحول نحو هذا المسار لا تخلو من مخاطرة كبيرة نظراً للكلفة الكبيرة المرتبطة به التي ستواجه الجيش الأمريكي عند تطبيق ذلك المسار، لا سيما أن الجانب الإيراني لا يزال يمتلك أوراق قوة كبيرة تمكنه من إلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية في الإقليم بشكل عام، إلى جانب امتلاكه أسلحة تمنحه القدرة الفاعلة في استهداف الأصول المادية العسكرية في المنطقة سواء كانت برية أو بحرية وهذا إن حدث سيشكل ضربة كبيرة للقوة العسكرية الأولى في العالم التي تورطت بالدخول في هذا الصراع دون حساب أمر الخروج منه.

  إن استمرار القيادة الأمريكية طوال الوقت في إعلان نيتها القيام بضربة عسكرية كبيرة للأصول المادية والبنى التحتية للطاقة والكهرباء والجسور والطرقات طوال الوقت وإعلان التراجع في اللحظات الأخيرة هو دليل ضعف وحيرة وتردد من المخاطرة والتورط أكثر في الحرب، لأن صانع القرار الأمريكي لا يملك أدنى فكرة عن النتائج التي يمكن التنبؤ بها عند التورط في اتخاذ قرار الضربة العسكرية على المنشآت الإيرانية، لأن ذلك ببساطة سيعجل من استخدام الأخيرة الأوراق العسكرية والأسلحة الدقيقة من ترسانتها المتبقية في استهداف جميع المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط إلى جانب ضرب جميع مناطق إنتاج الطاقة في الإقليم وهذا إن حصل يشكل ضربة اقتصادية موجعة للاقتصاد العالمي الذي سيعاني بشكل كبير انعدام وشح للنفط والغاز في الأسواق لفترة طويلة، وهذه المخاطر مجتمعة باعتقادي هي السبب في ظهور القيادة الأمريكية في حالة دائمة من التخبط والارتباك المباشر في إدارة الصراع مع إيران وجعلها تبدو عاجزة عن حسم الصراع لصالحها ما لم يستجد جديد يحول الموقف إلى حرب فاصلة، لأن الأحداث تبين أن الأمور تسير باتجاه الحرب التي لا تقبل القسمة على اثنين.. 

  • د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار

اقرأ أيضا:منصات الشحن البحري الدولية: شلل في الموانئ السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى