النووي السعودي بين التسريب الأمريكي والرسائل المتبادلة مع طهران وتل أبيب

النووي السعودي بين التسريب الأمريكي والرسائل المتبادلة مع طهران وتل أبيب
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الخميس 23 يوليو 2026-
في خضم الأحداث السياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وفي ذروة الصراع الأمريكي – الإيراني، تطالعنا الأخبار والتسريبات عن توجه الولايات المتحدة للتوقيع على اتفاق نووي مع المملكة العربية السعودية. وبلغت التسريبات حد القول إن الاتفاق جاهز لتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بانتظار مراجعته والتدقيق فيه من قبل الكونغرس الأمريكي.
وتزيد الأخبار المنقولة بأن الاتفاق سيسمح للمملكة العربية السعودية بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، وأنه لا يتضمن توقيع الجانب السعودي على ملحق النوايا الذي يتضمن آلية صارمة للتفتيش الدقيق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل سيُستبدل به اتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة والمملكة ينظم تلك العملية في إطار الدولتين.
والجدير بالذكر أن الجانب الأمريكي، بموجب تلك الاتفاقية التي يتم الحديث عنها في وسائل الإعلام، سيقوم ببناء البرنامج النووي السعودي وتأهيل وتدريب الكوادر التي ستشغّله.
حتى الآن، فإن الحديث عن البرنامج النووي السعودي المزمع إنجاز توقيعه والتفاهم عليه مع الجانب الأمريكي لم يرَ النور بعد، ولم يصدر أي تعليق أو تعقيب من الجانب السعودي.
والسؤال الجوهري: من المستفيد من وراء تسريب ونشر مثل هذه الأخبار في هذا التوقيت الراهن؟ فالموضوع حساس للغاية لإثارته في هذا الوقت بالذات، لا سيما أن الولايات المتحدة تعيش حالة حرب شرسة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب برنامجها النووي الذي بلغ مرحلة تقنية متقدمة، ووصولها إلى تخصيب بنسبة 63% من نقاء عنصر اليورانيوم. وإثارة مثل هذه الموضوعات تثير الشك والتناقض في آنٍ معاً، لكن الأمر يبقى مرهوناً بثلاثة سيناريوهات، هي:
السيناريو الأول: اختلاف الدولة العميقة الأمريكية مع الرئيس دونالد ترامب، وإثارة موضوع البرنامج النووي السعودي حالياً تُعد جزءاً من كسر العظم بين الرئيس والدولة العميقة في ملفات مختلفة.
وهذا الملف الحساس الذي يُثار بين الحين والآخر يشكّل ورقة ضغط أو ابتزاز من الدولة العميقة للرئيس، الذي يُتهم بحصوله على مبالغ مالية أو مصالح اقتصادية شخصية من السعوديين، الذين سيحصلون بفضل ترامب على مشروع نووي بامتيازات عالية لا يمكن التكهن بأغراضه وأهدافه، طالما أنه لا يخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إذ تعيش مؤسسة الرئاسة الأمريكية حالة صراع سياسي كبير مع الدولة العميقة، التي يتهمها الرئيس بالتدخل في الانتخابات الأمريكية التي قادت إلى خسارته واتهامها بتزويرها لصالح منافسه الديمقراطي الرئيس جوزيف بايدن، فالتسريب يأتي من باب الصراع العميق بينهما.
السيناريو الثاني: تلعب إسرائيل دوراً بارزاً في إثارة هذا الملف داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، وبعض الدوائر والمؤسسات التي تمتلك فيها أدوات وأجندات من شأنها ضبط أي اتفاق نووي مستقبلي مع المملكة العربية السعودية ومنعها من الحصول على تقنية نووية متقدمة، من خلال السماح لها بتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية.
وهذا مؤشر خطير بالنسبة لإسرائيل التي تدق ناقوس الخطر من إمكانية تحول البرنامج النووي السعودي من الطابع السلمي إلى الطابع العسكري، وأن أي تهاون من القيادة الأمريكية يمكن أن يساعد على ذلك. والتحرك الإسرائيلي من خلال تسريب الاتفاق يأتي من باب الضغط على القيادة الأمريكية لمنع أي اتفاق نووي مع السعودية لا يتضمن كوابح ولا يضمن طابعه السلمي، بحجة أن ذلك يهدد وجود إسرائيل. وإثارة موضوع البرنامج النووي السعودي في ظل الأوضاع التي تمر بها المنطقة يهدف بالدرجة الأولى إلى تحذير الجانب الأمريكي من التماهي مع الجانب السعودي، لا سيما مع وجود إدراك إسرائيلي بميول الرئيس الأمريكي إلى عقد صفقات تجارية وتحقيق عوائد مالية كبيرة، إذ إن المملكة تمتلك من الأموال ما يؤهلها لانتزاع امتيازات نووية من أمريكا عبر صفقات مالية لا يمكن للرئيس دونالد ترامب رفضها، وهذا بالنسبة لإسرائيل يمثل خطراً كبيراً.
السيناريو الثالث: يعتمد هذا السيناريو على تعمّد المؤسسات الأمريكية تسريب أخبار عن اتفاق نووي أمريكي – سعودي في مراحله النهائية، يحتاج بعض الوقت ليرى النور، لا سيما أنه قطع أشواطاً متقدمة. ونشر مثل هذه الأخبار يحمل شقين رئيسيين: أولاً، بلوغ إيران مرحلة متقدمة من العتبة النووية التي لا يمكن أن تتراجع عنها، وهذا يجعل الولايات المتحدة ملتزمة بدعم المشروع النووي السعودي، سواء كان سلمياً أو عسكرياً، لموازنة الردع النووي بين إيران وإسرائيل والسعودية، ومستقبلاً تركيا. أما الأمر الثاني، فيشكّل التسريب حالة ضغط مباشر على إسرائيل ومساومتها من قبل الولايات المتحدة في بعض الملفات الخلافية بين الجانبين، ومن جهة أخرى رسالة ضغط أمريكية على إيران، للتأكيد لها بأن بلوغها العتبة النووية من شأنه أن يفتح باب التنافس والتسلح النووي في المنطقة، وأن إعلان إيران تسليحها النووي سيقود الولايات المتحدة إلى دعم المشروع النووي السعودي لبلوغ تلك العتبة التي وصلت إليها إيران وإسرائيل، بهدف موازنة الردع.
تبقى هذه السيناريوهات رهينة المستجدات التي تطرأ نتيجة تطورات الأحداث السياسية التي تشهدها المنطقة، وهي حبلى بالمفاجآت بفعل سخونة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، التي تهدف، كما هو معلن، إلى منع امتلاك إيران للأسلحة النووية، في حين توحي التسريبات بانتهاج الجانب الأمريكي حالة من التناقض الرهيب في تعامله مع الملف النووي الإيراني وغض الطرف عن المشروع النووي الإسرائيلي. أما بخصوص البرنامج النووي السعودي، فلا يخلو الأمر من إشاعات ودعاية تسريبات ما لم تتحول إلى واقع عملي ملموس.
- بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:تنفيذا لمعادلة “الحصار بالحصار” القوات المسلحة تستهدف سفينتين سعوديتين



