المحيط الهندي من احتكار العرب للتجارة إلى ساحة للتنافس الدولي

المحيط الهندي من احتكار العرب للتجارة إلى ساحة للتنافس الدولي
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الثلاثاء 21 يوليو 2026-
شهدت مياه المحيط الهندي والبحر العربي والبحر الأحمر، منذ القرن السادس عشر الميلادي، تنافساً دولياً حاداً على السيطرة على التجارة الدولية. وكانت هذه التجارة قبل هذا التاريخ خاضعة لسيطرة الوسطاء التجاريين العرب، الذين تولوا نقل السلع بين موانئ شرق آسيا وسواحل الهند وموانئ شرق أفريقيا، وربطها بالموانئ العربية في اليمن ومصر والحجاز والخليج العربي.
ومنحت هذه السيطرة العربية التجارَ العرب ثراءً اقتصادياً كبيراً، بفضل شبكة تجارية واسعة مع تجار المدن الإيطالية الذين نقلوا بضائع الشرق إلى أوروبا، حيث لقيت رواجاً كبيراً في أسواقها المتنوعة. مما أثار حفيظة بعض الأوروبيين الذين امتعضوا من حجم الأموال الطائلة التي كان يجنيها التجار العرب من هذه التجارة المارة عبر المحيط الهندي والبحرين العربي والأحمر والخليج العربي، وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط ومنها إلى عموم أوروبا.
أثارت هذه الحركة التجارية الواسعة التي يتحكم بها الوسطاء العرب، طموح القوى الأوروبية الفتية، وعلى رأسها البرتغال. وقد ساعدتها جملة من العوامل السياسية والتجارية والدينية والعلمية على الوصول إلى مياه الشرق، والوقوف على الحجم الهائل للتجارة الدولية الخاضعة للسيطرة العربية، فقد وجد البرتغاليون شبكة معقدة وواسعة من الحركة التجارية المرتبطة بتجارة التوابل، تربط بين موانئ شرق آسيا وسواحل الهند الغربية وسواحل الخليج العربي واليمن والقرن الأفريقي وشرق أفريقيا. وكانت هذه الشبكة تدر أرباحاً طائلة على التجار العرب، فضلاً عن ارتباطها بعمليات تجارية واسعة مع موانئ البحر الأحمر في اليمن والحجاز ومصر، وموانئ شرق البحر المتوسط، ومنها إلى أوروبا.
سال لعاب البرتغاليين أمام هذا الكم الهائل من التجارة وعائداتها، فعملوا على بناء أسطول بحري حديث، وسلحوه بأحدث الأسلحة المتطورة، مما منحهم الأفضلية والتفوق على الأسطول المملوكي في المحيط الهندي. وترتب على هذا التفوق سيطرتهم المباشرة على تجارة الشرق، وحرمان العرب والمسلمين منها، ومنع وصولها إلى الموانئ العربية التي كانت تزدهر بها، وتحويل مسارها إلى طريق رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب القارة الأفريقية، واحتكارها لصالحهم لأكثر من قرن من الزمان، وكان لهذا التحول أثره المباشر في تغيير خريطة المشرق العربي السياسية، لصالح ظهور قوى إسلامية جديدة، بعد أن أسهم الاحتلال البرتغالي في إضعاف البنية الاقتصادية لدولة المماليك في مصر، وقاد إلى تدهورها وإنهاكها، بعد أن منع تدفق تجارة الشرق نحو موانئها، التي كانت مصدر ثرائها. فانهارت الدولة في أول اختبار حقيقي لها بعد مواجهتها المباشرة مع البرتغاليين في المحيط الهندي، إثر هزيمة أسطولها البحري أمام الأسطول البرتغالي عام 1509م في موقعة “ديو” البحرية، وأظهر البرتغاليون بأسطولهم الحديث تفوقاً واضحاً في مياه الشرق، وأصبحوا بعد عقد من وصولهم القوة البحرية الأولى المهيمنة على الحركة التجارية في المحيط الهندي والبحر العربي والخليج العربي والبحر الأحمر. وسمح لهم هذا التفوق بتحقيق الآتي:
أولاً: السيطرة على الحركة التجارية الواسعة المرتبطة بتجارة التوابل بين موانئ الهند وبقية موانئ شرق أفريقيا وموانئ الخليج العربي والبحر الأحمر ومصر.
ثانياً: منع التجار العرب والمسلمين من الاستمرار في تجارة الشرق، وإغلاق جميع المنافذ التجارية أمامهم. وحمل الأسطول البرتغالي على عاتقه مطاردة السفن التجارية العربية في مياه المحيط الهندي، والتعمد في إغراقها وقتل التجار الذين على متنها ونهب أموالهم ومصادرة سلعهم.
ثالثاً: احتلال مراكز استراتيجية مهمة، مثل جزيرة سقطرى اليمنية، وجزيرة هرمز العمانية عند المدخل الجنوبي للخليج العربي، وتمكنهم من إحكام قبضتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية، وضرب وتهديد بقية موانئ اليمن والحجاز في البحر الأحمر، حتى بلغ بهم الأمر تهديد المقدسات الإسلامية.
قادت هذه الأعمال العدائية البرتغالية في مياه الشرق إلى ولادة ردة فعل عنيفة من القوى العربية والإسلامية في المنطقة، بدأتها الدولة العثمانية التي حملت على عاتقها صد هجمات الأسطول البرتغالي على الموانئ اليمنية في عدن وحضرموت، وموانئ الحجاز، وتأمين المقدسات الإسلامية فيها، ولم تقف جهود العثمانيين عند هذا الحد، بل عملوا على بناء أسطول بحري ضخم لمواجهة البرتغاليين في المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأحمر والخليج العربي. ورغم ضخامة الجهود وجسامة الخطب والإمكانيات المهولة والصلاحيات الممنوحة من السلطان لقائد الحملة، فإن ضعف الإرادة وانعدام الحنكة العسكرية لدى قائد الأسطول حالا دون بلوغ الهدف، فعاد الجيش خائب الرجاء من المهمة العظيمة التي كُلف بها، ولم يقتصر هذا الإخفاق على حملة عام 1538م إلى مياه الهند، بل تبعه إخفاق آخر عام 1550م في سواحل عمان وجزيرة هرمز. وكانت تلك المحاولة تهدف إلى السيطرة على مياه الخليج العربي وطرد الاحتلال البرتغالي من المنطقة، لكنها فشلت بعد انسحاب الأسطول العثماني المحاصر للبرتغاليين، وكانت تلك أهم محاولة جريئة للعثمانيين في مواجهتهم في مياه الشرق، وأسهمت هذه التصرفات البرتغالية في ظهور قوة عربية فتية في عمان تمثلت في دولة اليعاربة، الذين بدأ ظهورهم منذ عام 1624م في المناطق الداخلية لعمان، ومنها حملوا لواء التحرير العربي ضد الاحتلال البرتغالي في عمان أولاً، ثم توجهوا لمطاردة الوجود البرتغالي في مياه الخليج العربي والمحيط الهندي وسواحل الهند وشرق أفريقيا.
نجح اليعاربة في تحقيق انتصارات بحرية كبيرة، أعادوا من خلالها جزءاً من الهيمنة العربية على حركة الملاحة في المحيط الهندي بعد انتزاعها من الاحتلال البرتغالي الذي تلاشى نهائياً بحلول عام 1650م. وأصبح العمانيون إمبراطورية بحرية كبيرة تمتلك نفوذاً عسكرياً وتجارياً واسعاً موزعاً بين سواحل عمان والهند وشرق أفريقيا، ومع ذلك، ظل المحيط الهندي محل تسابق الدول الأوروبية الأخرى التي قدمت إلى الشرق بحثاً عن تجارة الشرق، وعلى رأسها الإنجليز والهولنديون والفرنسيون. وظلت مياه المحيط الهندي ساحة واسعة للتنافس الدولي بين قوى مختلفة، وفي مقدمتها الأوروبيون الذين عملوا على تقوية نفوذهم بعد وصولهم. ودخل الإنجليز والهولنديون في حالة تنافس حاد مع البرتغاليين قبل أن ينجح اليعاربة العمانيون في طردهم، ثم دخل الفرنسيون على خط المنافسة التجارية، واستمرت هذه الأحداث طوال القرن السابع عشر، إلى أن انفرد الإنجليز بمياه الشرق بعيداً عن أي قوة أوروبية منافسة، مستغلين حالة الضعف الكبير الذي ساد المشرق وتراجع القوى الإسلامية، فأخذ نفوذهم يتجذر ويتوسع عبر سلسلة من اتفاقيات الحماية التي فرضوها على الكيانات المشيخية في الخليج العربي ومشيخات جنوب اليمن، ليمنحوا أنفسهم حق الوجود الحصري في مياه الشرق حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
- د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية.. هل الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية؟





