قراءة لقصيدة غبار الوقت للشاعر عبدالرحمن مراد

قراءة لقصيدة غبار الوقت للشاعر عبدالرحمن مراد
- حسام عبدالقادر
الاثنين 25 مايو 2026-
يمثّل نص «غبار الوقت» للشاعر عبدالرحمن مراد تجربة شعرية ذات نفس ملحمي ورؤية حضارية مأزومة، تتداخل فيها الذات الفردية بالذات الجمعية، ويتحوّل الشعر إلى موقف أخلاقي وتاريخي في مواجهة الانهيار والعدوان والاغتراب الحضاري. والنص لا يقوم على البوح الوجداني المباشر بقدر ما ينهض على بناء رؤيوي كثيف، تتجاور فيه صور الحرب والجوع والذاكرة والكرامة في شبكة رمزية واسعة.
أولاً: الرؤية الشعرية
1- الشعر بوصفه موقفاً أخلاقياً
يفتتح الشاعر نصه بإعلان هوية شعرية أخلاقية:
نمدُّ لهيبةِ المعنى يراعاً
وصغنا الدرَّ لم نسرق صواعاً
فهنا يضع الشاعر الشعر في مقابل الزيف والانتهازية؛ فـ«اليراع» رمز الكتابة الحرة، و«الدر» رمز القيمة الجمالية الأصيلة، بينما نفي السرقة يوحي بنزاهة الكلمة. ومنذ البدء تتحدد وظيفة الشعر بوصفه دفاعاً عن الحقيقة والمعنى.
الرؤية هنا لا تفصل الجمال عن الموقف؛ فالإبداع فعل مقاومة، وليس ترفاً لغوياً.
2- رؤية الخراب الحضاري
يتحوّل النص سريعاً إلى مشهد حضاري منكسر:
رجالُ الحربِ مزَّقنا الشراعا
الشراع هنا رمز السفر والحلم والاتجاه، وتمزيقه يعني فقدان الأفق الجمعي. ثم تتكثف صورة الانهيار عبر لازمة:
بباب الليل…
وهذه اللازمة ليست مجرد تكرار إيقاعي، بل بنية دلالية مركزية. فالليل عند الشاعر فضاء تاريخي شامل يضم:
النفط
الجوع
الثكالى
الصواريخ
الرمل
الطفل الحالم
أي أن الليل يصبح استعارة للحظة العربية المعاصرة بكل تناقضاتها: الثروة مقابل المجاعة، الحرب مقابل الحلم، البراءة مقابل الدمار.
وفي قوله:
صاروخٌ وحزنٌ
وريحٌ تجعل الأهرام قاعا
يتجاوز الخراب الحاضرَ إلى تهديد التاريخ والهوية الحضارية ذاتها؛ فالأهرام ليست بناءً مادياً فحسب، بل رمز الذاكرة الإنسانية العريقة.
3- جدلية الكرامة والموت
من أهم محاور النص رؤية الكرامة باعتبارها القيمة العليا:
إذا عاش الكريم حياة ذلٍّ
فإن الموت يحسبه انتجاعا
هنا يتحول الموت إلى خلاص أخلاقي مقارنة بالذل. وهذه رؤية عربية فروسية قديمة، لكن الشاعر يعيد إنتاجها داخل سياق سياسي معاصر.
كما تتجلى هذه الرؤية في:
إذا صالت خيول الذل فينا
عبرنا الماء أو متنا التياعا
فالخيار ليس بين الحياة والموت، بل بين الكرامة والانكسار.
4- نقد الداخل قبل الخارج
النص لا يحمّل «العدو» وحده مسؤولية الخراب، بل يهاجم التواطؤ الداخلي:
إذا بلَّ العميل تراب عزٍّ
رأيت جداره العاتي تداعى
فالانهيار يبدأ من الخيانة وفقدان المناعة الأخلاقية. ومن ثم فإن الرؤية في النص ليست خطاباً تحريضياً مباشراً، بل محاولة لفهم أسباب التدهور الحضاري.
ثانياً: البنية الجمالية
1- البنية الملحمية
النص يقوم على نفس إنشادي طويل، تتكرر فيه الجمل الفعلية والنداءات والصور الجمعية، مما يمنحه طابعاً ملحمياً.
ويظهر ذلك في:
كثرة ضمير الجماعة: نمد، صغنا، مزقنا، غسلنا…
حضور القيم الكبرى: المجد، الكرامة، الحرب، العزة.
اتساع المجال المكاني والزماني.
فالقصيدة ليست لحظة ذاتية مغلقة، بل فضاء جماعي تاريخي.
2- تقنية التكرار
أبرز التقنيات الجمالية هي التكرار البنائي:
بباب الليل…
وقد أدى وظائف متعددة:
إيقاعية: تثبيت النغمة الداخلية.
دلالية: تكريس هيمنة العتمة.
تصويرية: فتح مشاهد متتابعة كأنها لقطات سينمائية.
ومع كل تكرار يتوسع الليل دلالياً حتى يغدو قدراً تاريخياً.
3- الصورة الشعرية
تعتمد الصور على المزج بين الواقعي والرمزي، مثل:
قدرٌ جائعٌ يطوي المتاعا
فالقدر الجائع صورة تشخيصية تجعل الفقر كائناً حيّاً يلتهم الحياة.
وكذلك:
بحرٌ
على الأنواءِ ينتعل الضباعا
صورة سريالية عنيفة؛ إذ تتحول الضباع إلى قوة تركب البحر والعواصف، بما يوحي بسيطرة الوحشية على المجال الحيوي للأمة.
وفي:
غبار الوقت غاز لا يبالي
يبلغ الرمز ذروته؛ فالوقت نفسه يتحول إلى غاز سام، أي أن الزمن المعاصر لم يعد إطاراً للحياة بل أداة خنق وإبادة.
4- التوتر بين الواقعي والرمزي
النص يتحرك بين مستويين:
الواقعي
الرمزي
النفط
لعنة الثروة
الصاروخ
العنف الحضاري
الطفل
الأمل المؤجل
الرمل
التآكل والزمن
الغبار
الضياع التاريخي
وهذا التداخل يمنح القصيدة عمقاً تأويلياً، ويمنعها من السقوط في المباشرة السياسية.
ثالثاً: البعد النفسي والوجودي
رغم الطابع الجمعي، فإن النص يخفي قلقاً وجودياً عميقاً. فالذات الشاعرة تبدو محاصرة بزمن فقد معناه:
رأيت الناس أشتاتاً وصرعى
إنها رؤية عالم متفكك، حيث الإنسان مجرد ضحية داخل طاحونة التاريخ.
لكن القصيدة لا تنتهي إلى العدم الكامل؛ إذ تبقى الكرامة والمقاومة والوفاء للأرض بمثابة خلاص أخلاقي:
نفوسٌ تعشق الأحرار طرّاً
وتبني من مفاخرها القلاعا
وهنا يعود البناء بعد الخراب، وتعود القلاع بعد الغبار.
رابعاً: اللغة والإيقاع
لغة القصيدة جزلة ذات طابع تراثي واضح، تستلهم المعجم العربي القديم:
الشراع
الأثافي
السباع
القلاع
الصواع
لكن هذا المعجم لا يأتي بوصفه استعادة تراثية جامدة، بل يوظَّف داخل سياق معاصر شديد التوتر.
أما الإيقاع فمبني على نفس طويل متدفق، يعتمد التوازي والتكرار والانفجار الصوتي للحروف المفخمة، مما يعزز الجو الملحمي والاحتجاجي.
ختاما..
«غبار الوقت» قصيدة رؤيوية تحتشد بالأسئلة الحضارية والإنسانية، وتعيد صياغة مأساة الواقع العربي عبر لغة ملحمية وصور كثيفة. وهي لا تكتفي بتسجيل الخراب، بل تحاول تأسيس موقف أخلاقي مقاوم يقوم على:
الكرامة،
الوعي،
الذاكرة،
والانحياز للإنسان الحر.
ولهذا تبدو القصيدة أقرب إلى «مرثية حضارية» ممزوجة بإرادة نهوض، حيث يتحول الشعر إلى شهادة تاريخية ضد زمن «الغبار».
****
غبار الوقت
- عبدالرحمن مراد
نمدُّ لِهَيْبَةِ الْمَعْنَى يُرَاعا
وصغْنا الدّرَّ لَمْ نَسْرُقْ صِوَاعا
إذا جئْنا الْبلادَ وقدْ طواها
رجالُ الحربِ, مزَّقنا الشِّراعا
وقلنا لوْ غشَاها الْحُزْنُ يوْماً:
قَتِيْلُ الْحُزْنِ لا يخْشَى النّزَاعا
ببابِ الْليلِ, مَزْرَعَةٌ ونفْطٌ
نمدُّ لها مِن الْإخْباَتِ بَاعا
ببابِ الليلِ ,رابِعةُ الأثافي
وقِدْرٌ جائعٌ يطْوي الْمَتاعا
ببابِ الليلِ, أغْنِيَةٌ وثكْلَى
وطفلٌ حالمٌ, يِبْنِي الْقِلاعا
ببابِ الليلِ ,نافذةٌ ورمْلٌ
وتلٌّ كالغبارِ, ثوى اضْطِجَاعا
بباب الليلِ ,صاروْخٌ وحُزْنٌ
وريْحٌ ,تجْعَلُ الْأهْرامَ قاعا
وشَيءٌ من مَعَادننِا ,وبَحْرٌ
على الأنْوَاءِ يَنْتَعِلُ الضِّباعا
بخَارِطةِ الزّمانِ, رأيْتُ زيْدَا
يُقارعُ وجْهَ شانئهِ قِرَاعا
وفي بالي أخوْضُ الْحَرْبَ يوماً
كريمَ النّفسِ ,لا أخْشَى الصِّراعا
رأيْتُ النّاسَ أشتاتاً ,وصَرْعى
ضحَايا النّارِ, لا تَهْوَى الدِّفاعا
وفي يدِنَا ,حِكَاياتٌ ,وخَمْرٌ
ومَجْدٌ ,قد أضعْناه فَضَاعا
تَدَثَّرَ وجْهُ عاصفةِ الرَّزايا
بغارٍ , خاتلَ الْمَعْنَى انّتفاعا
إذا عاشَ الْكريْمُ حياةَ ذلٍّ
فإنَّ المَوْتَ يَحْسِبُهُ انْتِجَاعا
رِمَالُ الذّكْرياتِ, تَعُوْمُ ليلاً
ببحْرٍ, لا يُقرُّ لها الرِّضَاعا
ومَا حُزْنُ الرِّمَالِ بِمُستقرٍّ
إذا عَشِقَ المَلامةَ مَنْ أطَاعا
غِرِابيْبُ النّعالِ إذا اسْتَطَارَتْ
لَغُوْبٌ ,لا تُضَامُ, ولا تُرَاعا
إذا جَاعَتْ ,رأيْتَ النّاسَ صَرْعَى
وإنْ شَبِعَتْ , رَأتْ وِدَّاً , سِوَاعَا
تنامُ على الوسائدِ في هدوءٍ
وتدْعُو الطّيْرَ, يأتيْها تِبَاعَا
ضَفَائرُها على الْكُثْبانِ طَيْرٌ
يُصَارِعُ في نَواياها الْقِناعا
إذا شَاهَتْ مَنَازلُنا ,وغابتْ
فإنَّ الليلَ يهْدِمُهَا خِدَاعَا
وأنَّ الثَّعْلَبَيْن بِرَأْسِ عَادٍ
تُعادي في مُرُوْءَتِنَا الطِّباعا
إذا صَالتْ خُيُوْلُ الذّلِّ فيْنا
عبَرْنَا الْمَاءَ , أوْ مُتْنَا الْتِيَاعا
كِرِامٌ ,لا نُسَاوِمُ في بلادٍ
لها في تَاجِ عِزَّتِنا التماعا
إذا جَاءَ الْغَرِيْبُ بِغَيْرِ حَرْبٍ
نبادِلُهُ الْمَوَدَّةَ والسَّمَاعا
سَجَايا الْحُرِّ, تَمْطِرُ في دِمانا
زهوْرَ الْخَيْرِ , أوْ تَرْوِي السِّباعا
نُغَالِبُ لمْعَةَ الصّارُوْخِ, بَذْلاً
كحُرٍّ غالبَ الدّنيا شُجَاعا
وإنْ جَرَفَ التُّرابَ ,خَيالُ بَغْيٍ
غَسلْنا الْأرْضَ , طهَّرنا البقاعا
نفُوْسٌ تعْشَقُ الْأحْرارَ طُرَّاً
وتبْني مِنْ مَفَاخِرِها القِلاعا
غُبارُ الوقْتِ , غازٌ لا يُبالي
وقدْ صَنَعَ الْمَجَازرَ, والصُّدَاعا
كأنَّ الكوْنَ مِلْهَاةُ الْعَرَايا
ومِضْمَارٌ, لِمَنْ شَاء اتِّباعا
يَدُوْسُ كَرَامةَ الإنْسَانِ غُبناً
ويلْوي في مَخَايلهِ الذِّراعا
إذا بلَّ الْعَمِيْلُ تُرابَ عِزٍّ
رأيْتَ جَدَارَهُ الْعَاتي تَدَاعى
فمنْ يَفْلُلْ كَرامتَهُ يُلاقي
سيُوْفَ الْمَجْدِ ,تَصْرَعُهُ اقْتَلاعا
***
اقرأ أيضا:مقاربات .. كتاب حديث لفهم السياسة في اليمن للكاتب عبدالرحمن مراد




