القضية الفلسطينية: محطات من الصراع العربي الصهيوني (٢ – ٢)

القضية الفلسطينية: محطات من الصراع العربي الصهيوني (٢ – ٢)
- د. رياض الصفواني
الثلاثاء 7 أبريل 2026-
ــ اتفاقات كامب ديفيد: طعنة في خاصرة القضية الفلسطينية
وُقعت الاتفاقات بين مصر والكيان الصهيوني برعاية أمريكية، تأخذ بعين الاعتبار الأمن القومي الأمريكي، وحل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي وفق رأي الرئيس الأمريكي”جيمي كارتر”، وذلك على إثر زيارة الرئيس المصري “أنور السادات” للقدس في نوفمبر ١٩٧٧م، بعد أن أبلغ أعضاء مجلس الشعب المصري في جلسة استثنائية عن استعداده زيارة الكيان الصهيوني، بحثاً عن السلام حسب قوله، الأمر الذي قوبل برفض واستنكار من مختلف نخب وقطاعات الشعب المصري، بل ومن قبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، الذي استدعاه السادات بصورة خاصة لحضور جلسة مجلس الشعب لسماع كلمته، فعلق بقوله: “إن الرجل ألبسني العمامة وأنا جالس أمامه” !، وخرج من مجلس الشعب إلى المطار مباشرة.
كانت تلك الاتفاقية بمثابة طعنة في خاصرة القضية العربية الفلسطينية، الأمر الذي نتج عنه انكفاء مصر على الداخل المصري، وعزلتها عن محيطها العربي والإسلامي، وغُربتها عن القضية الفلسطينية.
وقد ترددت أصداء ذلك الاتفاق في الداخل المصري وخارجه، فعلى المستوى الداخلي صاغ مجموعة من ضباط ثورة يوليو ١٩٥٢م مذكرة إلى السادات، تضمنت تذكيره بأقواله وتعهداته قبل التوقيع على اتفاق كامب ديفيد، يمكن أن نوجزها في مايلي:
١. عدم التفريط في أي شبر من الأرض العربية التي احتُلت في يونيو ٦٧م، ووجوب الانسحاب (الإسرائيلي) من جميع أراضي القدس، والضفة الغربية، وغزة والجولان وسيناء.
٢. وجوب حل القضية الفلسطينية على أساس الحقوق الشرعية للعرب الفلسطينيين،
ومنها حقوقهم في تقرير مصيرهم، وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً، من أجل بلوغ السلام الدائم.
٣. أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن السادات أكد على ذلك قبل ذهابه إلى القدس بأيام، وبحضور ياسر عرفات في مجلس الشعب.
٤. أنه لايمكن توقيع اتفاق سلام منفرد مع الكيان الصهيوني، لما يجره من ويلات على الأمة العربية.
٥. أن الأساس الأول لمواجهة عدونا، واستعادة حقوقنا الآن وفي المستقبل كله، هو وحدة الصف العربي. واختتم الضباط مذكرتهم بالقول” لقد أصابتنا اتفاقات كامب ديفيد بمفاجأة شديدة، لأنها تتناقض مع كل ماسبق.
يتضح من مذكرة الضباط المصريين، أنها استوعبت التناقضات التي وقع فيها السادات، وكانت من قبيل إلزامه الحجة، وتبرير موقفهم المعارض لتوجهه السياسي الذي مسّ الثوابت الوطنية والقومية والإسلامية، التي نادت بها ثورة يوليو ٥٢م.
وكان موقف الضباط تعبيراً عن الموقف الغالب على الرأي العام المصري، بمختلف فئاته وتوجهاته، باستثناء البعض من الساسة والمثقفين والإعلاميين، وجلهم من المقربين للسادات، الذين رأوا في كامب ديفيد خطوة سياسية شجاعة على طريق التسوية الشاملة للقضية العربية الفلسطينية، في ضوء قرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن ٢٤٢، استناداً إلى البند الخاص بالضفة الغربية وقطاع غزة، الذي ينص على “أن تشترك مصر وإسرائيل والأردن وممثلو الشعب الفلسطيني في المفاوضات الخاصة بحل المشكلة الفلسطينية بكل جوانبها”، بل ذهب بعضهم إلى القول بأن خطوات السادات نحو السلام مع الكيان الصهيوني، هي امتداد لسياسة عبدالناصر غير المعلنة، مستدلاً على ذلك بمبادرة ٤ فبراير ١٩٧١م التي أعلنها السادات بعد وفاة عبدالناصر بثلاثة أشهر، والتي كانت اتصالاً لمبادرة وزير الخارجية الأمريكي “وليام روجرز” في ٥ يونيو ١٩٧٠م، التي نصت على وقف إطلاق النار بين مصر والكيان الصهيوني لمدة تسعين يوماً، وأن يدخل الطرفان في مفاوضات جديدة لتنفيذ القرار ٢٤٢، وهي المبادرة التي قبلها عبدالناصر، تحقيقاً لتسوية سلمية مع الكيان الصهيوني. وهذا القول في الواقع يحتمل معنيين، ففي حين أنه يبرر سياسة السادات، فهو ينال من الصورة النمطية المرسومة لعبد الناصر في الذاكرة الجمعية العربية يومذاك، كشخصية كاريزمية تشكل رافعة للمشروع القومي العربي بعامة والقضية الفلسطينية بخاصة. وفي الواقع لسنا هنا بمقام المرافعة الدفاعية عن عبدالناصر، ولانمتلك أدوات وحيثيات القيام بذلك من الوجهة التاريخية، وفي مقدمتها الوثائق، لكن من خلال تتبع شطر واسع من سيرة الرجل السياسية النضالية الثورية والقومية – بمعزل عن بعض أوجه سياساته الأخرى محل اعتراض بعض الأوساط السياسية والأيديولوجية في مصر أو خارجها – أن هذا القول لايخرج عن سياق التبرير لسياسة السادات والدفاع عنه أمام الهجوم الكبير الذي تعرض له من مختلف الأنظمة والهيئات والمؤسسات الرسمية والشعبية المصرية والعربية.
أما على المستوى الخارجي، فقد أدانت معظم الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي اتفاقية كامب ديفيد، انطلاقاً من أنها تجاهلت الثوابت الثلاثة – المشار إليها آنفاً – التي قامت عليها القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، وهي: انسحاب القوات الصهيونية من الأراضي العربية التي احتلتها عام ٦٧م ، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وأصدرت الجامعة العربية قراراً قضى بتعليق عضوية مصر في الجامعة من عام ١٩٧٩ – ١٩٨٩م. وبادرت سوريا بالإعلان عن أن زيارة السادات للقدس تمثل خرقاً واضحاً وصريحاً لجميع الالتزامات والقرارات التي ارتبطت بها مصر، وأنها تلحق أفدح الأضرار بالقضية العربية الفلسطينية. كما عقدت الجبهة القومية للصمود والتحدي المكونة من العراق وسوريا والجزائر واليمن الجنوبية ومنظمة التحرير الفلسطينية، مؤتمرها الثالث في دمشق، وأصدرت بياناً (شديد اللهجة) نص على: “أن نتائج كامب ديفيد تمثل استمراراً للتآمر على الشعب الفلسطيني. وأن السادات خرق اتفاقات القمة العربية والدفاع المشترك، وأضاع الانتصارات الفلسطينية في المجالات الدولية، وتخلى عن مفهوم السلام العادل، وهو الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. واعتبر البيان أن الاتفاقات التي وقعت جزءاً من عملية بث النفوذ الصهيوني الاستعماري داخل الأراضي العربية، وأن مصر قد خرجت من الصف العربي ومن المعركة العربية، وخرجت كذلك عن قرارات منظمة الوحدة الأفريقية والمؤتمر الإسلامي، ومؤتمر دول عدم الانحياز، وانتهكت قرارات الأمم المتحدة في ما يتعلق بتحرير الأرض”.
لم تكن مفاوضات السلام الساداتية الصهيونية في واقع الأمر سهلة ميسرة، بل تخللتها تعقيدات ومناورات، ولاسيما من الجانب الصهيوني، ففي اجتماع السادات برئيس وزراء الكيان الصهيوني مناحِم بيجن، “طلب السادات أن يعلن [ بيجن] الانسحاب الكامل من الأرض المحتلة، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. فرد بيجن بأن هذا معناه إقامة دولة مستقلة فلسطينية، وهذا تعبير مغلف لتحطيم إسرائيل، وإزالة إسرائيل هو هدف معلن من منظمة التحرير في ميثاق المنظمة. وكرر بيجن تفسيره لقرار ٢٤٢ بأنه لايعني الانسحاب الكامل”. وهاجم بيجن مبادرة السادات، للتقليل من تأثيرها على الرأي العام العالمي، بل وعلى الرأي العام داخل الكيان الصهيوني، وتعامل معها بأسلوب استعلائي في بادئ الأمر، وذلك ماكشف عنه لقاء صحفي أجراه الصحفي “موسى صبري” عضو الوفد المرافق للسادات، في زيارته للقدس عام ١٩٧٧م مع مناحم بيجن في مكتبه، فقد سأله الصحفي: “ماذا ستقدم للسلام بعد كل ماقدمته مصر، سوف نعترف بإسرائيل، سوف نعترف بحقها في التعايش في سلام مع جيرانها العرب. أبدينا استعدادنا لتطبيع العلاقات، فماذا فعلت أنت؟
فأجاب بيجن: “ياصديقي نحن لم نطلب منكم الاعتراف بإسرائيل، لسنا في حاجة إلى هذا الاعتراف، إسرائيل حقيقة دولية”. لكنه في خطابه السياسي لاحقاً ولدواعٍ المصالح الاستراتيجية وتخفيفاً من حدة خطابه السياسي مع الجانب المصري، وصف اتفاقية كامب ديفيد في الكنيست بعد ذلك بقوله: “هذا الحدث هو أحد الأحداث العظيمة في جيلنا، فبعد ثلاثين عاماً، وبعد خمس حروب وبعد سفك الدماء والترمُل والتيتُم وصلنا للخطة التي يمكننا فيها التوقيع على معاهدة سلام مع شعب عربي يصل تعداده لأكثر من أربعين مليون نسمة”. ومن دواعي الموضوعية القول إن السادات الذي استعد لحرب أكتوبر ٧٣م برغم كل المحاذير، وخاضها في ظل أصعب الظروف، التي كانت تمر بها مصر داخلياً وعلى المستوى الخارجي، قد أخفق في اتخاذ قرار تسوية الصراع العربي الصهيوني منفرداً، وكذا تطبيع العلاقة بين مصر والكيان الصهيوني، وكان يرى في زيارته للقدس خطوة مهمة ستعجل بتحريك الحكومة الصهيونية نحو السلام الشامل، وأن الإدارة الأمريكية ستضغط على الكيان الصهيوني لاتخاذ خطوة جريئة مماثلة، من منظور أن في يديها ٩٩% من أوراق اللعبة في المنطقة، واعتبار حرب ٧٣م آخر الحروب، والبدء بمرحلة جديدة من التعايش بين الشعوب، والانفتاح على العالم، والتفرغ للبناء الداخلي الوطني. غير أن ظنون السادات خابت حينذاك، فإذا كان قد حقق على المستوى الداخلي فوائد عديدة، انعكست في مجالات التكنولوجيا الزراعية، وتطوير السياحة، وتنمية الطاقات، والتنسيق الأمني والاستراتيجي وغيرها وفق مؤيديه، فإنها لم تحقق أهداف استعادة الأراضي العربية المحتلة عام ٦٧م باستثناء سيناء، ولم تقم دولة فلسطينية على حدود تلك الأراضي المحتلة، كما ذكر في خطاب تبرير زيارته للقدس الذي ألقاه في مجلس الشعب المصري في ٢١ نوفمبر ١٩٧٧م. ومن دون شك أن توقيع اتفاق كامب ديفيد كان الهدف الذي انتظر الغرب تحقيقه، وقبله الكيان الصهيوني، كتتويج لجهودهم السياسية في إفشال مشروع التضامن العربي، الذي تبناه عبدالناصر، في سبيل نصرة الشعب الفلسطيني، ودعم حقه في تحرير ترابه، وتقرير مصيره، وبناء دولته المستقلة، وذلك ماكان يدركه السادات حين كان نائباً للرئيس عبدالناصر، ولما سنحت له الفرصة بعد توليه السلطة انقلب على المشروع القومي، ومد يده إلى الكيان الصهيوني، فشكلت اتفاقية كامب ديفيد في رأي بعض المراقبين معلماً بارزاً في مسار الصراع العربي الصهيوني، ومحطة مهمة على طريق إنجاز المشروع الصهيوني، تعادل في أهميتها المحطات الكبرى: مؤتمر بازل، وعد بلفور، وقيام دولة الكيان الصهيوني.
كانت الاتفاقية حلقة متقدمة من حلقات الهدن والتصالح مع الكيان الصهيوني، التي بذرت بذورها الأولى اتفاقيات مصر ولبنان والأردن وسوريا والعراق عام ١٩٤٩م، على إثر نكبة ١٩٤٨م.
ــ مؤامرات أمريكية أوروبية ضد القضية الفلسطينية
ظلت المؤامرات الغربية الأمريكية الأوروبية بانحيازها المطلق للكيان الصهيوني تحاك ضد القضية الفلسطينية، بل ضد العرب والمسلمين بعامة، وفي صلب تلك المؤامرات استمرار الهجرات اليهودية الأوروبية، وتوفير كل السبل الكفيلة بإتمامها، ولم تستطع الأمم المتحدة الحد منها، بسبب الفيتو الأمريكي المنحاز دوماً إلى الكيان الصهيوني، كما لم تتمكن الجامعة العربية في قراراتها رقم ٩٥، ١٢٦، ١٤٢، قبيل قيام دولة الكيان الصهيوني، وفي الأعوام اللاحقة من إيقافها، أو وضع حلول لمعالجة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في الخارج، وأقصى ماكانت تقوم به هو إبلاغ احتجاجها للحكومات الأمريكية المتعاقبة، على تدخلها المستمر في مسألة الهجرات اليهودية دون ضوابط وقيود، برغم علم الجامعة العربية بأن الحكومات الأمريكية لو أرادت أن تمارس ضغوطاً حقيقية على الكيان الصهيوني، لإيقاف عمليات الهجرة لاستجاب لضغوطها، كما صرح بذلك “موشي ديان” وزير الخارجية الصهيوني لبعض وكالات الأنباء الغربية.
الخاتمة
من المهم التأكيد على حقيقة أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية والأولى، وهي قضية حقوق وعدالة، وليست مجرد قضية مناصَرة أو مسانَدة. إننا نرى اليوم كيف يتعرض الشعب الفلسطيني للقتل والاضطهاد والتهجير، وكيف يتم التآمر على أراضيه ومقدساته. وفي هذا السياق، لابد من تجديد الدعوة إلى وحدة الصف العربي والإسلامي، وإلى دعم المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الصهيوني. فالقضية الفلسطينية بداهةً قضية تحرير واستقلال، وسيستمر الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع حتى تحقيق هدفه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
اقرأ أيضا للكاتب: القضية الفلسطينية: محطات من الصراع العربي الصهيوني (١ – ٢)
