كتابات فكرية

سعيد أحمد الجناحي.. قراءة في كتابه (الاتجاهات السياسية للصحافة اليمنية وأخبار الكفاح المسلح في صحف عدن)

  سعيد أحمد الجناحي.. قراءة في كتابه (الاتجاهات السياسية للصحافة اليمنية وأخبار الكفاح المسلح في صحف عدن)

  • أمين الجبر

الخميس 26 مارس 2026-

على الرغم من أنني لم أعرفه شخصيًا عن قرب، ربما لفارق السن وتباعد المكان، إلا أنني كثيرًا ما سمعت عن نبله ودماثة أخلاقه من خلال شهادات محبيه ومعارفه، وما وصفوه به من صفاء السجية ونبل الطبع وغزارة الفضائل. غير أنني أستطيع الجزم، من خلال نتاجه العلمي وعمقه المعرفي وسعة أفقه الفكري المستنير، والذي تسنّى لي الاطلاع على بعضه، بأنه يشكّل، بلا مراء، واحدًا من أبرز أقطاب الحركة الفكرية والثقافية في اليمن المعاصر، ومثقفًا عضويًا ومفكرًا من طراز رفيع، بل ومؤرخًا حصيفًا قلّ نظيره.

وسأكتفي في هذه العجالة بعرض أحد نتاجاته الفكرية والتاريخية، وهو كتابه (الاتجاهات السياسية للصحافة اليمنية وأخبار الكفاح المسلح في صحف عدن)، محاولًا، قدر الإمكان، سبر أغوار هذا السفر التاريخي-الإعلامي، وإبراز أهم أفكاره واتجاهاته، واستكناه دلالاته التنويرية.

لقد استحوذت على الجناحي فكرة الكتابة عن الكفاح المسلح في جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني، وشكّلت لديه هاجسًا معرفيًا تجلّى في تتبعه لمتون الصحف الصادرة في عدن خلال سنوات الكفاح، وتحليل مضامينها وخطاباتها السياسية المختلفة. وانطلاقًا من إدراكه لتباين مواقف القوى والتيارات السياسية تجاه الاستعمار، فقد انعكس ذلك التباين على خطاب الصحافة واتجاهاتها، بوصفها الوعاء الذي استوعب مختلف التعبيرات السياسية، واللسان المعبر عن رؤى تلك القوى ومواقفها.

وقد كشف هذا التتبع عن تعددية فكرية وسياسية خصبة، تمثلت في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

اتجاه راديكالي ثوري دعا صراحة إلى الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني.

اتجاه محافظ أو مهادن فضّل المسار التفاوضي والسياسي.

اتجاه توافقي جمع بين الخيارين بدرجات متفاوتة.

وعلى الرغم من اختلاف الوسائل، فقد اشتركت هذه الاتجاهات جميعًا في هدف الاستقلال. كما أظهرت الصحافة، بحسب الجناحي، مرونة في مواقفها، إذ لم تلتزم بعض الصحف بخط سياسي جامد، بل بدّلت توجهاتها تبعًا للظروف والمتغيرات.

وأشار الجناحي إلى التأثير الكبير للأحزاب والتنظيمات السياسية في تشكيل اتجاهات الصحافة، بحكم كون الصحف ناطقة باسمها. كما لعب نزوح عدد من المثقفين من شمال اليمن إلى عدن دورًا مهمًا في إثراء المشهد الصحفي، مثل نشاط حزب الأحرار والجمعية اليمانية الكبرى وصحيفة صوت اليمن. وكذلك أسهمت الجمعية الإسلامية التي أسسها الشيخ محمد عبدالله المحامي في توجيه صحيفة الذكرى ذات التوجه الإسلامي المحافظ، في حين عبّرت الجمعية العدنية بقيادة محمد علي لقمان عن توجهها الليبرالي عبر صحيفة فتاة الجزيرة.

وقد اتسمت الصحافة اليمنية في عدن، وفقًا للجناحي، بتنوع واسع في الاتجاهات، شمل التوجه المحلي واليمني والقومي والإسلامي، فضلًا عن الليبرالي واليساري والنقابي العمالي. فمثّلت صحيفة فتاة الجزيرة التوجه الليبرالي، وروّجت لشعار «عدن للعدنيين»، متأثرة بالثقافة الليبرالية الغربية. بينما عبّرت صحيفة الذكرى عن رؤية إسلامية محافظة، تناولت قضايا الوحدة اليمنية وقضايا المجتمع من منظور ديني، وناهضت ما اعتبرته تأثيرات ثقافية غير إسلامية.

كما تناولت الصحف قضايا الاستقلال من زوايا متعددة، فبرزت دعوات «عدن للعدنيين»، ومفهوم «الجنوب العربي»، إلى جانب الاتجاه القائل بوحدة «اليمن الطبيعي»، وهو ما عكس فسيفساء فكرية وسياسية معقدة. وقد صاغ هذه المواد الصحفية كتّاب ومثقفون يمثلون مختلف التيارات، فجاءت الصحافة مرآة حقيقية لطبيعة الصراع الفكري والسياسي في تلك المرحلة.

أما في مرحلة ما بعد الاستقلال، فقد استمرت الصحافة في التعبير عن التوجهات السياسية السائدة، وإن اتخذت طابعًا جديدًا متأثرًا بالتحولات الأيديولوجية الكبرى، مثل الفكر الاشتراكي والأممية والبروليتاريا والتضامن الدولي، وهو ما ظهر في صحف مثل 14 أكتوبر والثوري.

لقد تتبع الجناحي، بدقة المؤرخ وحس الإعلامي، أخبار الكفاح المسلح في صحف عدن، ليخلص إلى أن الصحافة اليمنية خلال الفترة (1963–1967م) لم تكن محايدة، بل حملت توجهات سياسية واضحة تعكس مواقف القوى التي تقف وراءها.

وعليه، فإن تناول الجناحي لاتجاهات الصحافة بهذا المنهج العلمي الرصين يؤكد مكانته بوصفه مؤرخًا وإعلاميًا متميزًا، جمع بين الموضوعية التاريخية والرؤية الفكرية المستنيرة، وأسهم في توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث، مرحلة الكفاح والتحرر وبناء الدولة.

لروحه الطاهرة الرحمة والسلام.

اقرأ أيضا: القضاء العادل والقاضي النزيه: “سوسن محمد علي” و”زيد محمد الغفاري” أنموذجان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى