تهريب الأدوية في اليمن.. القاتل الصامت

تهريب الأدوية في اليمن.. القاتل الصامت
الاثنين 9 فبراير 2026-
في بلد أنهكه العدوان منذ أكثر من عقد، لم يعد الدواء في اليمن عبارة عن وسيلة للشفاء، بل تحول في كثير من الحالات إلى قاتل صامت يهدد حياة المرضى. فمع انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع القدرة الشرائية، والحصار المفروض على البلاد، انتشرت الأدوية المهربة والمزورة بشكل غير مسبوق، لتصبح تجارة مربحة لشبكات منظمة تضم مسؤولين وتجاراً ومهربين، بينما يدفع المواطن الثمن من صحته وحياته.
ولنا في ضحايا مستشفى الكويت بصنعاء والتي حدثت في أكتوبر 2022، حيث توفي أكثر من عشرة أطفال وأصيب آخرون بمضاعفات خطيرة بعد حقنهم بدواء ملوث تم تهريبه، في حادثة هزت الرأي العام وأظهرت خطورة غياب الرقابة.
واتلاف الهيئة العليا للأدوية ما بين حين وآخر لكميات كبيرة من الأدوية المزورة يؤكد حجم الكارثة التي تملأ السوق اليمنية بالسموم القاتلة.
هناك الكثير من المرضى المصابون بأمراض مزمنة بلا علاج آمن: مرضى السكري والقلب والأمراض النفسية يعتمدون على أدوية مهربة رخيصة الثمن لكنها غير مضمونة، ما يزيد من معاناتهم ويعرضهم لمضاعفات قاتلة.
منشطات جنسية خطيرة: أكثر من 40 صنف يباع على أنه طبيعي، لكن التحاليل أثبتت احتواءه على مادة سيليندنافيل (الموجودة في الفياجرا)، ما يسبب أضراراً خطيرة للقلب وقد يؤدي إلى الموت المفاجئ.
الأبعاد الاقتصادية
حجم السوق: تقديرات تشير إلى أن الأدوية المهربة تشكل نحو 60% من حجم الاستيراد الرسمي، فيما يصل الاستيراد غير الرسمي إلى 37–50% من السوق الكلي.
خسائر مالية: توقف الشركات العالمية عن التصدير بسبب ضعف القدرة الشرائية وانقطاع الكهرباء، ما أفقد اليمن إمكانية الحصول على أدوية أصلية، وأتاح المجال لتجار التهريب.
الأسباب الجذرية
العدوان والحصار وصعوبة إدخال الأدوية الأصلية.
انهيار العملة اليمنية وضعف القدرة الشرائية.
انسحاب الشركات العالمية حفاظاً على سمعتها.
غياب الرقابة الرسمية كما ينبغي.
جهود رسمية لمكافحة الظاهرة
وبالرغم من حجم الكارثة، إلا ان هناك محاولات رسمية للحد من انتشار الأدوية المهربة:
حيث أتلفت الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية، اليوم الاثنين، 80 طناً من الأدوية المهربة والمزورة وغير المطابقة للمواصفات والمعايير.
وتأتي عملية الإتلاف في إطار جهود الهيئة في مكافحة تهريب الأدوية، وتعزيز الرقابة الميدانية لضبط الأدوية المنتهية في السوق الدوائية وغير المطابقة للمواصفات والمزورة.
وخلال عملية الإتلاف أوضح رئيس الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية الدكتور أمين قباص، أنه تم اتلاف 80 طنا من الأدوية المغشوشة وغير المطابقة للمواصفات والمزورة والمهربة.
وأشار إلى أنه تم ضبط هذه الأدوية من قبل لجان الهيئة الميدانية للرقابة على المنشآت الصيدلانية وسوق الدواء وكذا في النقاط الأمنية.. مثمنا جهود اللجان الميدانية التابعة للهيئة وكذا الأجهزة الأمنية في ضبط هذه الأدوية في مختلف المنافذ والنقاط الأمنية.
وأكد رئيس الهيئة الاستمرار في الرقابة على سوق الدواء عبر اللجان الميدانية سواء في المنشآت الصيدلانية أو في النقاط الأمنية.. داعيا الجميع إلى الإبلاغ عن أي أدوية منتهية أو مهربة أو مزورة حفاظ على سلامة المواطنين.
فيما أشار مديرا الصيدلة والتموين الطبي بوزارة الصحة الدكتور عبدالمنعم الشامي، والشؤون القانونية بالهيئة العليا للأدوية زيد حميد الدين، إلى حرص قيادتي الوزارة والهيئة على توفير دواء مأمون، وإيقاف عمليات التهريب، ومنع دخول أي دواء غير آمن للسوق.
وأكدا أن لجان الرقابة تصادر أي أدوية مهربة أو مجهولة المصدر، وتتخذ الإجراءات بحق المخالفين، وإحالتهم إلى الجهات المختصة.
بدوره أشار مدير المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي الدكتور يوسف الحاضري، إلى أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الأدوية المهربة والمغشوشة التي تؤثر على سلامة وصحة المجتمع.. مؤكداً أهمية تفاعل المجتمع بكل فئاته مع إجراءات مكافحة التهريب من خلال الإبلاغ عن أي حالات تهريب أو وجود أدوية مزورة ومنتهية.
ختاما تهريب الأدوية في اليمن لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى جريمة منظمة تستهدف حياة الناس وتنهك الاقتصاد الوطني. وبينما يستمر المرضى في البحث عن دواء ينقذهم، يجدون أنفسهم أمام خيارات قاتلة. إن مواجهة هذه الكارثة تتطلب إرادة سياسية، إصلاح مؤسسي، وتعاون دولي عاجل، إلى جانب جهود المجتمع في الإبلاغ والتوعية، قبل أن يتحول الدواء في اليمن من رمز للحياة إلى عنوان للموت.

