المستبد العادل: مفهوم سياسي متناقض

المستبد العادل: مفهوم سياسي متناقض
د.رياض الصفواني
السبت 31 يناير 2026-
ظهر مصطلح المستبد العادل في أوروبا (المانيا تحديداً) أواخر القرن ١٨م، في عهد الملك “فريدريك الثاني” ملك بروسيا على أرجح الأقوال التاريخية، ثم تسرب إلى الشرق الإسلامي خلال القرن ١٩م، وورد في جريدة “العروة الوثقى” الأسبوعية، المنبثقة عن جمعية العروة الوثقى التي أنشأها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده في باريس عام ١٨٨٤م، وقد تحمّس الأفغاني للمصطلح، وعمل على توظيف مفهومه سياسياً لتعزيز سلطة السلطان عبدالحميد الثاني (١٨٧٦ – ١٩٠٩م) وتعضيد فكرة الجامعة الإسلامية التي تبناها الأفغاني ودعا الشعوب العثمانية المسلمة إلى التوحد داخل إطارها وتحت راية السلطان العثماني لمواجهة الأطماع الأوروبية المحدقة بالشرق، والتي أخذت تتنامى إبان الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢م، وقبلها احتلالها عدن عام ١٨٣٩م ثم أجزاء من الجزيرة العربية، واحتلال فرنسا للجزائر عام ١٨٣٠م ثم لتونس عام ١٨٨١م، ورأى الأفغاني في سياق إقراره الضمني باستبداد السلطان عبدالحميد وتبريره ذلك الاستبداد أن الشعوب المسلمة بحاجة ماسة إلى سلطان قوي مستنير يذود عنها خارجياً ويضبط أحوالها في الداخل ويحول بينها وبين الوقوع في أتون الفوضى والفتن، وسيفضي هذا بطبيعة الحال إلى اصطدام المصطلح بفكرة ومفهوم “طبائع الاستبداد” للمفكر عبدالرحمن الكواكبي، الذي ناهض الاستبداد ممثلاً بالمؤسسة العثمانية الحاكمة وشخّصه كـ وباء خطِير ينهش في جسد الأمة، وبيَّن الكواكبي مثالب الاستبداد وفساد غاياته ووسائله وقواه، وقد كان محقاً ولاريب في تشخيص وباء الاستبداد وبيان مخاطره والدعوة لاستئصاله مع إدراكه لحجم المخاطر التي تتهدد شعوب الدولة العثمانية، والتي قد لاتبرر في تصوره نزوع السلطة الحاكمة للاستبداد كما يُفهم من سياق تعريضه الشديد بالاستبداد ورفضه القاطع ممارسته على أي نحو كان وتحت أي ظرف ومبرر، بعكس موقف زميله الأفغاني، وذلك لا يتأتى في قناعته بدون استنهاض الوعي في العقل الجمعي للأمة، ومن شأن هذا الوعي أن يبلور في المحصلة صيغةً مقبولة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين في سياق عقد اجتماعي (يستحضر هنا نظرية العقد الاجتماعي لـ جون لوك أحد أبرز مفكري قرن الاستنارة الأوروبي ١٨م )، يصون هذا العقد حقوق الطرفين ويؤكد واجبات كل منهما تجاه الآخر، وذلك من شأنه أن يعمل على تعطيل مفهوم الحاكم المستبد العادل بل ينسفه نسفاً، فلا يمكن بمقتضى الإنسانية والشرع والمنطق أن تستقيم فضيلة العدل مع رذيلة الاستبداد، فكلاهما نقيض للآخر أو معارض له في المعنى والتطبيق . وكلا الرجلين (الكواكبي والأفغاني) من بيئة إسلامية واحدة وينتميان إلى زمن وظروف وأصول ثقافية واحدة أو لنقل متقاربة إلى حد كبير.
اقرأ أيضا: الغارديان: أيها الشعب الأميركي.. عليكم إسقاط الطاغية!



