كتابات فكرية

الرحلة الأخيرة: الوسيط الروسي بين حسابات المصلحة ونزع فتيل حرب الخليج

الرحلة الأخيرة: الوسيط الروسي بين حسابات المصلحة ونزع فتيل حرب الخليج

  • بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

الثلاثاء 20 أكتوبر 2026-

  في خضم الأحداث السياسية المتسارعة في الشرق الأوسط الذي يعيش ظروفاً متوترة مرتبطة بالصراع المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة منذ فبراير من العام الماضي، وما ترتب على ذلك من أحداث جعلت من الخليج الوجهة الأساسية للحرب، لا سيما بعد الاستهداف الإيراني لدول الخليج دون استثناء خلال جولات الحرب الأخيرة، وهددت تلك الاستهدافات حالة الاستقرار السياسي في المنطقة، وأصبحت الأوضاع مهددة بالانفجار، وتحول الصراع إلى حرب إقليمية تستفيد منها بالدرجة الأولى الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان فجرتا الصراع في الإقليم برمته، لكن سرعان ما تداركت إيران ودول الخليج ومعها الدول الإقليمية الأخرى الفخ السياسي الذي رُصد بعناية للمنطقة لتفجيرها وتحويلها من منطقة استقرار ونمو اقتصادي إلى بؤرة صراع واستنزاف للموارد، للوصول إلى نتيجة حاسمة هي إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق الهندسة الأمريكية والإسرائيلية على حساب شعوب المنطقة، وتلك التحركات لم تكن بعيدة عن صانع القرار الروسي الذي ظل يراقب عن كثب مجمل التطورات بهدف الحفاظ على مصالحه.

  والسؤال الجوهري اليوم: أين روسيا من الأحداث التي تجري في الشرق الأوسط؟ وماذا تعني تحركات وزير الخارجية الروسي في الخليج يوم أمس واليوم؟ وهل نحن أمام تحركات جادة للسلام في الإقليم؟

   لا يمكن الجزم بأن تحركات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعيدة عن وجود نوع من التفاهم الروسي الأمريكي، لا سيما بعد التحسن الطفيف في العلاقات عقب صفقة “الديزل الروسي” للولايات المتحدة، فكل شيء في السياسة وارد ويتبدل وفقاً للمصالح، إذ رشحت بعض الأخبار وجود مطالب متبادلة للطرفين في إيران وأوكرانيا، إذ تطالب واشنطن موسكو بالامتناع عن تزويد إيران بصور الأقمار الصناعية الروسية للمصالح الأمريكية في المنطقة، ويقابل الجانب الروسي تلك المطالب بمطالبة الجانب الأمريكي بالكف عن مساعدة الملياردير الأمريكي إيلون ماسك لأوكرانيا بالإنترنت الفضائي “ستارلينك”، بالرغم من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يخدم واشنطن وموسكو في مجال تصدير النفط والغاز وتأمين الأسواق العالمية، بعد أن نجحت الأولى في خلق صراع الطاقة في منطقة غنية تشكل نحو 20% من الطاقة العالمية. إذن، ما الذي استجد اليوم لتتحرك الدبلوماسية الروسية وتبدأ بعقد قمة عربية لوزراء خارجية دول الخليج مع وزير الخارجية الروسي في المنامة لمناقشة الظروف التي تعيشها المنطقة؟

  يبدو جلياً أن تحركات وزير الخارجية الروسي تأتي من باب نزع فتيل الأزمة في الخليج وإيران وتجنيب الإقليم خطر الانزلاق نحو حرب شاملة تلوح في الأفق لا تستثني أحداً، ومن باب أولى منعها من إحراق المنطقة والدخول في حلول سلمية تعالج جميع القضايا العالقة، وبما أن دول الخليج كانت السباقة لتهدئة الأوضاع رغم تعرضها للعديد من الهجمات الإيرانية التي استهدفت حسب وجهة النظر الإيرانية “القواعد العسكرية الأمريكية”، في حين اشتكت دول الخليج من استهداف إيران لأعيان خدمية ومدنية بصورة تتنافى مع ادعاءاتها، مع الاستمرار في إطلاق التهديدات واحداً تلو الآخر بضرب منشآت الطاقة في الخليج في حال قيام واشنطن وتل أبيب بضرب منشآت الطاقة في إيران، وهذا يجعل الخليج أمام حلقة ساخنة من الحرب إذا ما تدحرجت كرة الثلج بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وبما أن المستهدف الرئيس من التحركات الأخيرة لوزير الخارجية الروسي هي إيران، فإن قمة المنامة الخليجية الروسية تأتي في إطار التفاهم وخلق أرضية سياسية جديدة تمكن روسيا من البناء عليها وإيصال رسالة إلى إيران بأن الجميع يرغب في السلام والابتعاد عن الصراع الذي سيكلف الجميع دون استثناء، لتفويت الفرصة على المتربصين بالمنطقة وعلى رأسهم إسرائيل.

  إن الحديث عن تحركات وزير الخارجية الروسي إلى المنطقة للحديث عن نقاط سلام مشتركة، يأتي متوافقاً مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أعلن أمس أن طهران منفتحة على أي مبادرة للسلام في الخليج، وهذه إشارة واضحة من إيران بالترحيب غير المباشر بالمبادرة والرسائل التي يحملها لافروف، الذي حط في محطته الأولى في البحرين للتباحث مع وزراء خارجية دول الخليج والبناء على مخرجات تلك القمة والانطلاق نحو المحطة الحاسمة في طهران لمناقشة المبادرة التي توضح وجهة نظر روسيا الاتحادية نحو الأوضاع المتوترة في الخليج، لا سيما أن الزيارة جاءت بعد إعلان موسكو استعدادها لنقل اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 63% من إيران لإنهاء فتيل الأزمة والحرب المنتظرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. وتأتي التحركات الروسية حسب ما رشح من أخبار لنزع فتيل الأزمة وتجنيب الخليج موجة حرب جديدة سيكتوي بنيرانها الجميع، كما أن ملامح التوجهات الروسية، لا سيما مع التفاهمات الجديدة بينها وبين واشنطن، لا تخلو من وجود رغبة للأخيرة في أن تلعب روسيا دوراً بناءً وحيوياً وتحمل رسالة أمريكية إلى الجانب الإيراني للدخول في حوار وتفاهم جديد بوساطة روسية، لتكون قوة دولية مؤثرة في صانع القرار الإيراني وتمارس الضغوط عليه بهدف الوصول إلى مفاوضات تعالج التوتر وإمكانية خلق تفاهمات تضمن مصالح الجميع بعيداً عن تحشيدات الحرب، وهذا السيناريو يتوافق مع رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يعشق الصفقات، كما أن تدخل روسيا يأتي متماشياً مع نظرة اليأس التي يبديها الرئيس الأمريكي بأنه لم يجد مع من يتفاوض في طهران بسبب التكتم عن القيادات السياسية والعسكرية العليا التي تدير المشهد. وهنا فإن تدخل روسيا التي أدانت الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، يأتي من باب الاستعانة بقوة صديقة للإيرانيين يمكنها أن تنجح في عقد صفقة ترضي الجانبين وتنهي حالة عدم اليقين والتوتر. فهل تنجح روسيا في تحقيق ما عجزت عنه الدول الإقليمية؟ ننتظر ونرى إلى أين ستصل النتيجة، وإن غداً لناظره قريب.

د. بكيل الكليبي- رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار

اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. رسائل في فلسفة القانون والسياسة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى