كيف تحوّل اليمن إلى معضلة استراتيجية تطارد الرياض؟

كيف تحوّل اليمن إلى معضلة استراتيجية تطارد الرياض؟
الاستنزاف والعزلة: لماذا تعجز السعودية عن حسم المواجهة مع صنعاء؟
من إخفاق العدوان إلى تفكك التحالفات واهتزاز الثقة بالحلفاء.. كيف تحوّل اليمن إلى معضلة استراتيجية تطارد الرياض؟
بقلم: د/ عبدالرحمن المؤلف
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026-
أحد عشر عاماً من الحرب بلا حسم ..
منذ 26 مارس 2015، حين بدأ العدو السعودي عدوانه العسكري على اليمن، راهنت الرياض على أن المال والسلاح والتفوق الجوي والدعم الأمريكي والغربي، إلى جانب حشد التحالفات العربية وتجنيد القوى المحلية، ستكفي لإخضاع اليمن وإعادة تشكيل واقعه السياسي وفق الإرادة السعودية. لكن مسار الحرب كشف إخفاق هذا الرهان، وأظهر أن امتلاك الترسانة العسكرية الضخمة لا يضمن الانتصار، وأن القدرة على شن الحرب لا تعني القدرة على فرض نهايتها.
لم تنجح الغارات الجوية في حسم المواجهة، ولم تتمكن سنوات القصف والحصار من إنهاء سلطة صنعاء، ولم تستطع التحالفات المتعاقبة بناء قوة يمنية موحدة قادرة على تحقيق الأهداف التي أُعلنت عند بدء الحرب. وفي المقابل، استمرت صنعاء في إدارة مناطق سيطرتها، وتطوير قدراتها العسكرية، ومواجهة الضغوط الخارجية، وفرض حضورها في الحسابات الأمنية والسياسية للمنطقة.
وهنا تتجلى معضلة العدو السعودي الحقيقية: ترسانة متطورة لم تحسم الحرب، وأموال ضخمة لم تصنع حليفاً يمنياً موحداً، وتحالفات واسعة لم تنتج نصراً سياسياً مستقراً.
لم يعد السؤال متعلقاً بعدد الطائرات السعودية أو حجم مشترياتها العسكرية، بل بقدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج سياسية وعسكرية قابلة للاستمرار. فالحرب التي بدأت بهدف إخضاع اليمن تحولت إلى صراع طويل، تتداخل فيه حسابات الردع والاستنزاف وأمن الحدود والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، فيما بقيت التسوية النهائية بعيدة المنال.
ومن منظور حكومة صنعاء، تكشف هذه الحصيلة فشل الرهان على إخضاع اليمن بالقوة، وتؤكد أن قرار اليمن واستقلاله لا يمكن مصادرتهما عبر القصف أو الحصار أو التحالفات الخارجية.
إن المأزق الذي تواجهه الرياض اليوم يتشكل من أربعة مسارات مترابطة: استنزاف عسكري متبادل، وعجز عن تحويل التفوق الجوي إلى حسم، وتصدعات في شبكة الحلفاء، ومخاطر أمنية واقتصادية ترفع تكلفة أي تصعيد شامل.
وهذه ليست مجرد تفاصيل متفرقة في حرب طويلة، بل عناصر تفسر لماذا أصبحت المواجهة مع صنعاء مسألة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، ولماذا لم تعد الرياض قادرة على التعامل مع اليمن باعتباره ساحة يمكن التحكم بمسارها من الجو أو عبر وكلاء محليين.
أولاً: إخفاق التفوق الجوي.. ترسانة ضخمة بلا انتصار حاسم
1. عندما تعجز الطائرات عن تحقيق الأهداف السياسية
اعتمد العدو السعودي منذ بداية الحرب على القوة الجوية، مستفيد من طائرات قتالية متطورة ومنظومات تسليح غربية ودعم لوجستي واستخباراتي. وكان الرهان أن تؤدي الضربات المكثفة إلى إضعاف خصمه، وتدمير قدراته، وتهيئة الظروف لفرض تسوية سياسية بالشروط التي تريدها الرياض.
لكن سنوات الحرب كشفت حدود هذا الرهان.
فالقوة الجوية تستطيع تدمير أهداف، لكنها لا تضمن السيطرة على الأرض، ولا تستطيع بمفردها بناء سلطة سياسية مستقرة، ولا تضمن أن يؤدي الضغط العسكري إلى انهيار الخصم أو قبوله بالشروط المفروضة عليه.
وهنا تكمن المفارقة: كلما استمرت الحرب دون حسم، اتسعت الفجوة بين حجم القوة المستخدمة والنتائج السياسية المتحققة.
لقد أنفقت السعودية موارد هائلة على الحرب، واستندت إلى دعم خارجي واسع، ومع ذلك لم تتمكن من إنهاء الصراع وفق الأهداف التي أعلنتها عند انطلاق عملياتها.
إن الإخفاق الاستراتيجي لا يُقاس بعدد الطائرات التي أقلعت، بل بالفارق بين الأهداف التي أُعلنت والنتائج التي تحققت.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار صنعاء في الاحتفاظ بقدرتها على الفعل السياسي والعسكري، رغم سنوات الحرب، يمثل عنصراً أساسياً في تفسير عجز القوة الجوية عن فرض النتيجة التي أرادتها الرياض.
2. معادلة الاستنزاف: صواريخ اعتراضية باهظة في مواجهة وسائل هجومية أقل كلفة
أدخل تطور الصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية متغيراً مهماً في حسابات المواجهة، إذ أصبحت السعودية مطالبة بحماية منشآتها الحيوية ومطاراتها ومرافق الطاقة وحدودها من تهديدات لا تتطلب بالضرورة امتلاك قوة جوية تقليدية مماثلة لقوتها.
وتنشأ هنا معادلة استنزاف واضحة: قد يضطر المدافع إلى استخدام منظومات اعتراض باهظة الثمن لمواجهة وسائل هجومية أقل كلفة بكثير، فضلاً عن تكاليف الرصد والإنذار المبكر والصيانة والاستنفار المستمر.
لكن الاستنزاف لا يقتصر على القيمة المالية للصواريخ الاعتراضية؛ بل يشمل الجاهزية العسكرية، وتوزيع منظومات الدفاع على مناطق متعددة، وحماية المنشآت الاستراتيجية، والتعامل مع احتمالات تكرار الهجمات أو تعدد اتجاهاتها.
وفي المقابل، لا يحتاج الطرف المهاجم بالضرورة إلى إحداث أضرار واسعة في كل مرة حتى يفرض على خصمه أعباء دفاعية إضافية؛ إذ قد تؤدي المخاطر المتكررة وحدها إلى زيادة متطلبات الحماية والاستعداد.
ومن منظور صنعاء، فإن امتلاك وسائل قادرة على تهديد العمق السعودي يغيّر طبيعة المواجهة، وينقل جزءاً من كلفتها إلى الطرف الذي اعتاد أن يخوض الحرب من موقع التفوق الجوي.
وهنا تتراجع فاعلية المعادلة التي راهنت عليها الرياض في بداية الحرب، حين بدا أن التفوق في الطائرات والتسليح كافٍ لفرض مسار الصراع.
لقد أصبحت حماية العمق السعودي جزءاً أساسياً من حسابات الحرب، بعدما كان العبء الأكبر من آثارها العسكرية يقع على الأراضي اليمنية.
3. لماذا لم تحسم الغارات الجوية الحرب؟
لأن الحرب ليست عملية حسابية تقوم على مقارنة أعداد الطائرات أو حجم القنابل، وإنما صراع على الإرادة والقدرة على الاستمرار وتحقيق الأهداف السياسية.
لقد راهنت الرياض على أن استمرار الضغط العسكري سيؤدي إلى إضعاف صنعاء وإجبارها على القبول بشروط الخصم. لكن استمرار الحرب دون تسوية نهائية أظهر أن القصف، مهما بلغت كثافته، لا يضمن تحقيق هذه النتيجة.
وتكمن المشكلة في أن الغارات قد تُلحق أضراراً كبيرة، لكنها لا تزيل بالضرورة أسباب الصراع، ولا تحل القضايا السياسية والاقتصادية، ولا تضمن انهيار البنية العسكرية للطرف المقابل.
كما أن أي تصعيد إضافي يفرض على العدو السعودي حساب احتمالات الرد، وتكاليف حماية منشآتها، ومخاطر اتساع المواجهة، والآثار المترتبة على الاقتصاد والأمن الداخلي.
وهكذا أصبحت الرياض تواجه معادلة لم تستطع تجاوزها خلال سنوات الحرب: الاستمرار في الضغط العسكري من دون ضمان الحسم، أو الانتقال إلى مواجهة أوسع تحمل مخاطر أعلى وتكاليف أكبر.
ثانياً: المأزق البري.. لماذا تتحول المواجهة المباشرة إلى عبء استراتيجي؟
إن الانتقال من الغارات الجوية والعمليات المحدودة إلى حرب برية واسعة مع قوات صنعاء يغيّر طبيعة الصراع، ويضع العدو السعودي أمام التزامات بشرية ولوجستية وأمنية أكثر تعقيداً.
فالعمليات البرية تتطلب قوات كبيرة وإمدادات مستمرة، وتأمين خطوط الحركة والمواقع، وتوفير الإسناد الطبي، والاستعداد للخسائر البشرية، والحفاظ على القدرة القتالية إذا طال أمد المواجهة.
كما أن الطبيعة الجغرافية لليمن، وتعدد الجبهات، وتعقيد مسارح العمليات، تجعل السيطرة الميدانية أكثر صعوبة من مجرد تنفيذ ضربات جوية.
وتواجه الرياض هنا مأزقاً واضحاً: الاعتماد على القوة الجوية لا يضمن إنهاء الحرب، فيما قد يؤدي توسيع العمليات البرية إلى استنزاف طويل يصعب التحكم بتكلفته ونتائجه.
ولهذا، يصبح الاعتماد على القوى اليمنية التابعة ل العدو السعودي وسيلة لنقل جانب من أعباء القتال إلى أطراف محلية، وتقليل الخسائر المباشرة في صفوف القوات السعودية.
لكن هذا الخيار يكشف بدوره عن مشكلة بنيوية؛ فالقوى العميلة ليست بالضرورة موحدة، و تختلف أولوياتها ومصالحها و ولاءها ، كما أن امتلاكها السلاح والدعم الخارجي لا يضمن قدرتها على فرض نتيجة سياسية مستقرة.
وهكذا تجد الرياض نفسها أمام سؤال لم تستطع الحرب الإجابة عنه: كيف يمكن فرض الأهداف السياسية المعلنة دون تحمل الأعباء الكاملة للمواجهة؟
إن العجز عن تقديم إجابة عملية عن هذا السؤال يمثل أحد أبرز أوجه المأزق الاستراتيجي الذي أفرزته الحرب اليمنية.
ثالثاً: «حكومة الفنادق».. رهان سعودي على قوى ممزقة بالولاءات والصراعات
لم يعتمد العدو السعودي على قوته العسكرية وحدها، بل راهن أيضاً على قوى يمنية مناوئة لصنعاء، وقدم لها دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً، على أمل أن تشكل بديلاً قادراً على فرض واقع سياسي جديد.
لكن سنوات الحرب أظهرت أن تعدد الأطراف والولاءات والصراعات على النفوذ يمثل عائقاً أمام بناء جبهة متماسكة.
1. المال السعودي لم يصنع شريكاً موحداً
إن تدفق الأموال والأسلحة لا يكفي لبناء مؤسسات فاعلة أو تشكيل قيادة موحدة قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها.
فالقوى المحلية التي تعتمد على داعمين خارجيين متعددين قد تتحول إلى ساحة تنافس بين أولئك الداعمين، بدلاً من أن تكون أداة متماسكة لتحقيق هدف سياسي مشترك.
وتتفاقم المشكلة عندما تتعارض مصالح الأطراف المحلية مع أولويات الجهات التي تدعمها، أو عندما تتحول المناصب والموارد ومناطق النفوذ إلى محور الصراع داخل المعسكر الواحد.
ومن منظور صنعاء، تكشف هذه التجربة حدود الرهان على الخارج لبناء سلطة بديلة؛ فالدعم المالي والعسكري لا يصنع وحده توافقاً وطنياً، ولا يمنح القوى المدعومة قدرة تلقائية على إدارة الدولة أو إنهاء الصراع.
2. ازدواجية الولاءات وتضارب المصالح
تواجه الرياض مشكلة إضافية عندما تتباين أولويات القوى التي تدعمها، أو تتعارض مصالح هذه القوى مع أهداف الداعم الخارجي. العدو السعودي و الإماراتي.
فبعض الأطراف تعطي الأولوية لمصالحها السياسية والمناطقية، فيما تسعى أطراف أخرى إلى توسيع نفوذها والحصول على موارد ومواقع استراتيجية.
ويؤدي ذلك إلى إضعاف التنسيق، وتعقيد القرارات العسكرية، وإرباك أي استراتيجية تعتمد على وجود شريك محلي موحد.
وهنا تظهر إحدى نتائج التدخل الخارجي: كلما توسع الاعتماد على قوى متعددة الولاءات، ازدادت صعوبة ضمان أن تتحرك جميعها وفق هدف واحد.
3. تناقض شعار «الشرعية» مع واقع الانقسام
تكشف الخلافات بين القوى المدعومة من السعودية والإمارات عن تناقضات داخل المعسكر المناوئ لصنعاء.
فقد اختلفت أولويات الرياض وأبوظبي بشأن مستقبل الجنوب اليمني، والقوى المحلية التي ينبغي دعمها، وترتيبات النفوذ في عدد من المناطق الاستراتيجية.
وأدى دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، في مقابل دعم السعودية قوى أخرى، إلى إظهار تباينات عميقة في المصالح والأهداف.
ولم تقتصر هذه التباينات على الخطاب السياسي، بل ارتبطت بالتنافس على النفوذ والمواقع والموارد، بما جعل بعض مناطق اليمن ساحة صراع بين أطراف يفترض أنها تعمل ضمن معسكر واحد.
و هذا يعني ذلك أن التحالف السعودي ـ الإماراتي انهار بالكامل، و أن المصالح المشتركة لم تمنع التضارب في الأولويات، وأن التنسيق العسكري لم ينتج بالضرورة رؤية سياسية موحدة لمستقبل اليمن.
وهكذا واجهت الرياض معضلة مزدوجة: خصم يواصل الصمود في صنعاء، وحلفاء لم يستطيعوا بناء جبهة متماسكة تحسم الصراع لمصلحتها.
رابعاً: الخلاف السعودي ـ الإماراتي.. حين تتحول الشراكة إلى تنافس على اليمن
لم تكن العلاقة بين الرياض وأبوظبي في اليمن خالية من التنافس، رغم مشاركتهما في التحالف العسكري الذي بدأ عملياته عام 2015.
فقد ظهرت اختلافات في الرؤى بشأن مستقبل الجنوب اليمني، والقوى المحلية التي ينبغي دعمها، وترتيبات النفوذ في الموانئ والمناطق الاستراتيجية.
وأدى دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، في مقابل دعم السعودية قوى أخرى داخل المعسكر المناوئ لصنعاء، إلى تعقيد المشهد السياسي والعسكري.
وتكمن خطورة هذا التنافس في أنه يضعف قدرة الأطراف الخارجية على العمل وفق استراتيجية موحدة، ويجعل الترتيبات الميدانية والسياسية رهينة تفاهمات متغيرة.
فالدولة التي تخوض حرباً طويلة بالاعتماد على حلفائها تحتاج إلى توافق مستمر بشأن الأهداف النهائية، لا مجرد اتفاق مرحلي على خوض العمليات.
وعندما تتباين المصالح، تصبح التحالفات أقل تماسكاً، وتزداد صعوبة توزيع الأدوار وتحديد المسؤوليات وضمان التزام الأطراف بخطة مشتركة.
ومن منظور صنعاء، فإن هذا التناقض يكشف أن التدخلات الخارجية لم تنتج مشروعاً يمنياً موحداً، وأن الصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية ساهم في تعقيد الأزمة اليمنية بدلاً من إنهائها.
إن ما جرى يؤكد أن التحالفات التي تُبنى على المصالح قد تتصدع عندما تتعارض تلك المصالح، وأن وجود عدو مشترك لا يكفي لضمان وحدة الأهداف إلى أجل غير محدد.
خامساً: التحالفات الجديدة.. الرياض تبحث عن مظلة أمنية أوسع
1. التحالفات لا تعني أن الحلفاء سيخوضون الحرب نيابة عن العدو السعودي
يسعى العدو السعودي إلى تعزيز علاقاته الدفاعية والأمنية مع دول إقليمية ودولية، في ظل المخاطر التي تواجه حدوده ومنشآته الحيوية و ملاحته البحرية.
لكن التعاون الدفاعي لا يعني بالضرورة الاستعداد للمشاركة في حرب برية، كما أن التنسيق الاستخباراتي أو حماية الملاحة لا يساوي الالتزام بشن عمليات عسكرية ضد صنعاء.
فلكل دولة حساباتها ومصالحها وأولوياتها، ولا تستطيع الرياض افتراض أن شركاءها سيضعون أهدافها فوق مصالحهم الوطنية أو يقبلون تحمل تكاليف حرب مفتوحة لا يملكون وحدهم قرار إنهائها.
ولهذا، فإن توسيع شبكة العلاقات الأمنية قد يعزز خيارات العدو السعودي، لكنه لا يمنحه ضمانة تلقائية لتشكيل جبهة عسكرية متكاملة.
2. «حلف مكة» وحدود الالتزامات الدفاعية
إن أي اتفاق دفاعي إقليمي يجب أن يُقيَّم بناءً على نصوصه الرسمية، وطبيعة الالتزامات المتبادلة، وآليات تفعيله، ومدى استعداد أعضائه لتحمل المخاطر.
فوجود تفاهمات دفاعية مع تركيا أو باكستان، على سبيل المثال، لا يعني تلقائياً أن هذه الدول ستشارك في مواجهة عسكرية ضد صنعاء.
كما أن الاتفاقات التي تستهدف الردع أو حماية المصالح المشتركة لا تُعد بالضرورة تحالفات هجومية.
وتبرز هنا معضلة أساسية في الحسابات السعودية: توسيع شبكة التحالفات شيء، وضمان استعداد الدول المشاركة لخوض الحرب التي تريدها الرياض شيء آخر تماماً.
ومن ثم، فإن أي حديث عن أن اتفاقاً معيناً سيغير ميزان القوة أو سيؤدي إلى تدخل عسكري مباشر يحتاج إلى نصوص رسمية ومعلومات موثوقة عن الالتزامات الفعلية، لا إلى الاستنتاج من مجرد الإعلان السياسي.
3. التحالف البحري.. حماية الملاحة ليست تفويضاً لشن الحرب
يمثل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن ممراً حيوياً للتجارة الدولية، ولذلك فإن اضطراب الملاحة يثير اهتمام الدول التي تعتمد على استقرار سلاسل الإمداد.
ويسعى العدو السعودي إلى توسيع التعاون البحري مع أطراف إقليمية ودولية، في إطار مساعيه لحماية مصالحه التجارية والأمنية والملاحية.
لكن وجود تحالف بحري لا يعني بالضرورة تشكيل جبهة عسكرية موحدة ضد صنعاء، كما أن مشاركة الدول في ترتيبات حماية الملاحة لا تثبت موافقتها على تنفيذ عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية.
كما ان غياب دول عن تلك المبادرة ، قد يكون مؤشرا أنها فقدت الثقة بالسعودية؛ إذ قد يرتبط القرار بحسابات سياسية أو أمنية أو اقتصادية خاصة بكل دولة. و ان مصالحها تتعارض مع مصالح العدو السعودي.
ومع ذلك، فإن تعدد المبادرات الأمنية وتوسع الاهتمام الدولي بالبحر الأحمر يعكسان أهمية هذا الممر في التوازنات الإقليمية، ويؤكدان أن النزاع اليمني بات متصلاً بصورة مباشرة بمصالح تتجاوز حدود اليمن والعدو السعودي.
ومن منظور صنعاء، فإن حماية الملاحة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لفرض الوصاية أو توسيع العمليات العسكرية ضد اليمن، كما أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن جذور الصراع والتصعيد الذي شهدته المنطقة.
فالدول التي تسعى إلى حماية التجارة الدولية مطالبة بتجنب تحويل الممرات البحرية إلى ساحات لتوسيع الحرب، لا بتكريس عسكرة المنطقة تحت عناوين أمنية عامة.
سادساً: المظلة الأمريكية.. السلاح لا يضمن تدخلاً أمريكياً بلا حدود
اعتمد العدو السعودي لسنوات على شراكته العسكرية مع الولايات المتحدة ودول غربية، سواء في التسليح والتدريب أو الدعم اللوجستي والاستخباراتي.
لكن هذه الشراكة لا تعني أن واشنطن ستخوض كل حرب تريدها الرياض، أو أنها ستتحمل تلقائياً مخاطر أي تصعيد إقليمي.
فلكل إدارة أمريكية حساباتها الخاصة، التي تشمل حماية القوات الأمريكية، وتقدير المصالح الاقتصادية، وإدارة العلاقات مع الحلفاء والخصوم، وتجنب الحروب التي قد تتسع خارج نطاقها الأصلي.
وقد تختلف أولويات واشنطن عن أولويات الرياض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتوقيت العمليات العسكرية ونطاقها والنتائج السياسية المرجوة منها.
وهذا يضع العدو السعودي أمام حقيقة استراتيجية مهمة: امتلاك السلاح الأمريكي لا يعني امتلاك قرار استخدام القوة الأمريكية، والحصول على الدعم العسكري لا يضمن أن يتدخل الحليف في كل مواجهة.
كما أن اعتماد الدولة على المظلة الخارجية يظل مرتبطاً بحسابات الطرف الذي يوفرها، وليس بضمانات مفتوحة لا تتغير مع الظروف.
ومن هنا، فإن الرهان على تدخل خارجي يحسم المواجهة مع صنعاء لا يلغي المعضلات التي يواجهها العدو السعودي، ولا يضمن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية.
سابعاً: الاقتصاد السعودي تحت ضغط المخاطر الأمنية
يسعى العدو السعودي إلى توسيع الاستثمار والسياحة والصناعة والخدمات اللوجستية، وتنفيذ برامج التحول الاقتصادي المرتبطة برؤية 2030.
وتحتاج هذه البرامج إلى بيئة أمنية مستقرة، وثقة لدى المستثمرين، وقدرة على حماية المنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد.
ومن شأن حرب مباشرة طويلة مع اليمن أن ترفع المخاطر المرتبطة بالطاقة والنقل والطيران والتأمين، وأن تزيد الإنفاق العسكري، وتفرض على الدولة تخصيص موارد إضافية للدفاع عن الحدود والمنشآت.
كما أن أي تصعيد إقليمي واسع قد يؤثر في حركة التجارة والاستثمار، ويزيد الضغوط على القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الاستقرار وتدفق رؤوس الأموال.
وهنا تظهر المفارقة: كلما اتسعت الحرب، ازدادت صعوبة التوفيق بين أهداف التصعيد العسكري ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن العدو السعودي سيتجنب التصعيد في جميع الظروف؛ فالدول قد تقبل تكاليف اقتصادية كبيرة عندما ترى أن مصالحها الأساسية مهددة.
لكن استمرار الحرب من دون تسوية نهائية يجعل تكلفة الخيارات العسكرية جزءاً أساسياً من حسابات القرار السياسي.
وبالنسبة إلى صنعاء، فإن هذه المعادلة تؤكد أن الحرب ليست بلا ثمن بالنسبة إلى الطرف الذي يبدأها أو يواصلها، وأن أي استراتيجية تقوم على الضغط العسكري المستمر يجب أن تواجه نتائجها الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ثامناً: معضلة الثقة.. هل تستطيع الرياض الاعتماد على جميع حلفائها؟
تُعد الثقة عاملاً أساسياً في إدارة التحالفات والحروب التي تعتمد على قوى محلية، لكنها لا تعني ضمان تطابق المصالح أو القدرة على التحكم الكامل في قرارات الأطراف الأخرى.
وفي الحالة اليمنية، واجهت السعودية تحديات مرتبطة بتعدد القوى المحلية، والتنافس مع الإمارات، واختلاف أولويات الدول المشاركة في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
وقد أظهرت هذه التجربة أن تعدد الأطراف قد يخلق صعوبات في التنسيق، وتحديد الأهداف، وتقاسم الأعباء، وضمان استمرار الالتزام بخطة مشتركة.
و يمكن القول إن السعودية لا تثق إطلاقاً في مؤسستها العسكرية، أو إن تجنب الحرب البرية سببه الخوف من انقلاب عسكري، يمكن اعتباره حقيقة بسبب ما يواجهه محمد بن سلمان من معارضة و عداوة داخل الاسرة الحاكمة.
لكن من الواضح أن أي قيادة سياسية مطالبة بحساب التكاليف البشرية والأمنية والاقتصادية للحروب الطويلة، وبموازنة المخاطر الخارجية مع متطلبات الاستقرار الداخلي.
وهذا يجعل قرار الحرب البرية الشاملة أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة حجم الجيشين أو عدد الأسلحة التي يمتلكها كل طرف.
فالقدرة على بدء الحرب لا تعني ضمان السيطرة على نتائجها، كما أن امتلاك جيش كبير لا يلغي مخاطر الاستنزاف أو تعقيدات العمليات الطويلة.
تاسعاً: صنعاء ومعادلة الردع.. من تلقي الضربات إلى التأثير في حسابات الخصم
من منظور حكومة صنعاء، لا يمكن فصل تطور القدرات العسكرية اليمنية عن سياق الحرب التي بدأت عام 2015، وما رافقها من غارات وحصار وأضرار إنسانية واقتصادية.
فقد أصبحت القدرة على تهديد المصالح العسكرية والاقتصادية للخصم عاملاً مؤثراً في حسابات التصعيد والتهدئة.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن أي قرار بتوسيع الحرب لم يعد يُقيَّم من زاوية الخسائر المحتملة داخل اليمن وحده، بل أيضاً من زاوية المخاطر التي قد تطال المنشآت والمصالح السعودية.
وتستند رؤية صنعاء إلى أن استمرار الضغط العسكري على اليمن لا يمكن أن يظل بلا تبعات على الطرف الذي يشن الحرب، وأن معادلات الردع تتغير عندما يمتلك الطرف المستهدف وسائل قادرة على رفع تكلفة الاعتداء.
لكن قياس نجاح الردع لا يكون بالشعارات وحدها؛ بل بمدى تأثير القدرات العسكرية في قرارات الخصم، والتغير في سلوكه، والنتائج الفعلية للعمليات، ومسار التصعيد والتفاوض.
ومن هنا، فإن استمرار البحث عن تسوية سياسية، بعد سنوات من الحرب، يوضح أن الصراع لم يُحسم عسكرياً، وأن معالجة جذوره تظل قضية أساسية.
وتؤكد صنعاء في خطابها السياسي رفض الوصاية والتدخل الخارجي، والتمسك باستقلال اليمن، والمطالبة بوقف العمليات العسكرية ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، والتوصل إلى ترتيبات تحترم السيادة اليمنية.
إن جوهر هذه الرؤية هو أن الأمن المستدام لا يتحقق عبر فرض الإرادة بالقوة، ولا عبر بناء تحالفات عسكرية تتجاهل أسباب النزاع، وإنما عبر معالجة القضايا التي أدت إلى الحرب وإنهاء التدخلات التي تغذي استمرارها.
عاشراً: الخلاصة الاستراتيجية.. حرب لم تحقق أهدافها، وتحالفات لا تضمن الحسم
تكشف تجربة الحرب اليمنية عن مجموعة من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها.
أولاً: إن التفوق في التسليح لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، كما أن القدرة على شن الغارات لا تعني القدرة على حسم الحرب.
ثانياً: إن الاعتماد على القوى المحلية لا يضمن بناء شريك موحد، خصوصاً عندما تتباين الولاءات وتتعارض المصالح.
ثالثاً: إن التحالفات الإقليمية لا تلغي اختلاف الأولويات الوطنية، ولا تضمن مشاركة جميع الأعضاء في مواجهة عسكرية مباشرة.
رابعاً: إن حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية والاقتصاد تفرض قيوداً على حسابات التصعيد، خصوصاً عندما تكون نتائج الحرب ومدتها غير مضمونتين.
خامساً: إن استمرار الحرب دون تسوية نهائية يكشف الفجوة بين الأهداف المعلنة والتكاليف الفعلية والنتائج المتحققة.
ومن منظور صنعاء، فإن هذه الوقائع تعزز رفض الرهان على القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية لفرض الإرادة السياسية على اليمن، وتؤكد أن أي تسوية مستقرة لا يمكن أن تقوم على تجاهل القضايا السيادية والاقتصادية والإنسانية التي شكلت جوهر النزاع.
إن مأزق العدو السعودي لا يتعلق بمجرد عدد الطائرات أو حجم الترسانة أو عدد الدول التي يمكن جمعها في تحالف جديد؛ بل يرتبط بالسؤال الأهم: كيف يمكن إنهاء حرب طويلة لم تحقق أهدافها المعلنة، من دون فتح جبهة أوسع قد ترفع تكلفتها إلى مستويات أكبر؟
لقد راهنت الرياض على أن القوة العسكرية ستفرض النتيجة السياسية، لكن استمرار الصراع أثبت أن الحرب لا تُحسم دائماً وفق إرادة الطرف الأقوى تسليحاً، وأن التحالفات لا تعوض بالضرورة غياب الحسم، وأن الدعم الخارجي لا يمنح صاحبه ضمانة مفتوحة لتحقيق أهدافه.
أما صنعاء، فتنطلق في موقفها من رفض الوصاية الخارجية، والتمسك باستقلال القرار اليمني، ومواجهة ما تعتبره عدواناً وحصاراً، والدفاع عن حق اليمن في تقرير مستقبله السياسي والأمني.
إن الرسالة الأساسية التي أفرزتها الحرب هي أن اليمن ليس ساحة مفتوحة لفرض الإرادات الخارجية، وأن امتلاك المال والسلاح لا يمنح أي دولة حق إخضاع شعب آخر أو تقرير مستقبله نيابة عنه.
وما دامت الحرب عاجزة عن إنتاج حسم سياسي مستقر، فإن استمرار الرهان على القوة وحدها لن يمحو جذور النزاع، ولن يحول التفوق العسكري إلى ضمانة دائمة للأمن.
لقد تحولت الحرب اليمنية إلى اختبار لحدود القوة السعودية، ولقدرة التحالفات على الاستمرار، ولثمن تجاهل الإرادة السياسية للطرف الآخر. والدرس الأبرز أن الحروب التي تبدأ بوعود الحسم قد تنتهي إلى استنزاف طويل عندما يعجز السلاح عن فرض النتيجة التي أرادها أصحابه.

المصادر والمراجع
1. الأمم المتحدة — مكتب المبعوث الخاص إلى اليمن: بيانات مسار السلام والهدنة والمفاوضات.
“مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن” (https://osesgy.unmissions.org/?utm_source=chatgpt.com)
2. الأمم المتحدة — إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام: معلومات عن النزاع اليمني وجهود الوساطة.
“إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام” (https://dppa.un.org/?utm_source=chatgpt.com)
3. مجلس الأمن الدولي: القرارات والإحاطات المتعلقة باليمن.
“مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” (https://www.un.org/securitycouncil/?utm_source=chatgpt.com)
4. وكالة رويترز: التغطية الإخبارية للتطورات السياسية والعسكرية في اليمن والسعودية والمنطقة.
“رويترز — الشرق الأوسط” (https://www.reuters.com/world/middle-east/?utm_source=chatgpt.com)
5. وكالة الأنباء السعودية: البيانات الرسمية السعودية بشأن الدفاع والأمن والتحالفات.
“وكالة الأنباء السعودية” (https://www.spa.gov.sa/?utm_source=chatgpt.com)
6. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية: تحليلات المشهد اليمني والقوى المحلية والتنافس الإقليمي.
“مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية” (https://sanaacenter.org/?utm_source=chatgpt.com)
7. مجموعة الأزمات الدولية: تقارير وتحليلات النزاع اليمني ومسارات التسوية.
“مجموعة الأزمات الدولية — اليمن” (https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/yemen?utm_source=chatgpt.com)
اقرأ أيضا: المرتضى: مرتزقة النظام السعودي باعوا عدداً من الأسرى للسعودية




