بين غبار البروبوجندا وحتمية السنن الإلهية

بين غبار البروبوجندا وحتمية السنن الإلهية
- أمين الجبر
الجمعة 27 مارس 2026-
صحيح أن معظمنا يستند في قراءته لطبيعة الحروب وتحليل مساراتها إلى ما تبثه وسائل الإعلام المختلفة، ليبني على ذلك توقعاته لمآلاتها، وفق بروبوجندا متضادة، وأجندات متباينة، ورغبات وأيديولوجيات متحكمة. وفي خضم هذا الضجيج، يغيب عن كثيرين ذلك الواقع الموضوعي الصلب، الذي يظل في الغالب حكرا على أطراف الصراع وبعض الدوائر الاستخباراتية، ولا يكشف عنه إلا بعد انقشاع غبار المعارك. وهذا ما يجعل باب التحليل مفتوحا على مصراعيه، ويبقي احتمالات التوقع في حالة سيولة دائمة، ما دامت الحرب في ذروة اشتعالها.
وينطبق هذا إلى حد بعيد على ما يتداول حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران؛ حيث يتحدث الجميع بما التقطوه من شظايا إعلامية متناثرة، ويتنبأ كل وفق ميوله وقربه أو بعده من هذا الطرف أو ذاك. غير أن ثمة حقيقة أعمق، تكاد تكون مغيبة عن وعينا الجمعي، وهي الحقيقة التي لا تخضع لإرادة البشر ولا لتقديراتهم، بل تتصل بالمشيئة الإلهية والسنن الربانية الحاكمة لمسار الكون والتاريخ.
فهذه السنن، كما تخبرنا نصوص كثيرة، تجعل من طغيان الأمم وتجبرها سببا في نهاياتها، وتجعل أفعال البشر—بما تحمله من ظلم أو فساد—مدخلا لتحقيق سنن التبدل والفناء، وربما التطهر التاريخي، مهما حاول الإنسان أن يؤسس لسلام دائم أو يشرعن لثقافة التعايش.
ولعل تجربة ما بعد الحرب العالمية الثانية مثال دال؛ إذ سعى المجتمع الدولي، تحت وطأة الكارثة، إلى بناء منظومة تمنع تكرار الحروب الكبرى، فعقدت المؤتمرات، وصيغت المواثيق، وأرست قواعد العلاقات الدولية الحديثة. ومع ذلك، ظل شبح الصراع حاضرا، ولم تفلح تلك الجهود في اجتثاث جذوره.
وفي السياق ذاته، جاءت أطروحات مثل “صراع الحضارات” لتؤكد حتمية التنازع، في مقابل دعوات “حوار الحضارات” التي راهنت على إمكان تجاوزه؛ غير أن كلا الطرحين بقي في حدوده النظرية، دون أن ينجح في إلغاء منطق الصراع أو كبح دوافعه العميقة.
وعليه، فإن الحرب—في بعض قراءاتها—ليست مجرد خيار سياسي، بل قد تبدو كأنها جزء من حركة التاريخ، أو من سنن لا إرادية تتجاوز إرادة الإنسان، بل وتتقاطع، في الوعي الديني، مع قدر إلهي لا مرد له.
لكن، هل ينطبق هذا التصور على الحالة الراهنة، وعلى ما يقال عن حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران؟
هنا تحديدا تتعقد الإجابة؛ إذ تتنازعها القراءات، وتتضارب حولها التحليلات، ويختلط فيها الواقعي بالمتخيل، والموضوعي بالأيديولوجي.
لذلك، يبقى القول الحاسم مؤجلا، معلقا بين “ربما” و”ربما لا”… حتى يقول الواقع كلمته الأخيرة.



