كتابات فكرية

العلمانية: فهم المشترك والتحديات في السياق اليمني

العلمانية: فهم المشترك والتحديات في السياق اليمني

 د. رياض الصفواني

الأربعاء 21 يناير 2026-

  شهدت منصات التواصل الاجتماعية في العقد الأخير تداولا ًمكثفاً لمصطلح العلمانية من قبَل شريحة من الشباب اليمني على تباين مشاربهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية والحزبية، بل ومن المستقلين سياسياً وحزبياً، انطلاقاً من أن العلمانية في تصورهم تعَد الوصفة الناجعة لمشكلات الواقع الكثيرة والمعقدة وأزماته المتناسلة والمركبة، والتي تسببت بها في رأيهم ممارسات ما يعرف بــ “جماعات الإسلام السياسي” والمصطلح بحد ذاته إشكالي ليس هنا محل الخوض فيه، ومن ثم فالعلمانية من وجهة نظرهم وفي قناعة العديد منهم هي طوق النجاة وسبيل الخلاص من همومهم وتحقيق أحلامهم وتطلعاتهم المنشودة راهناً ومستقبلاً، ولاشك أن لديهم الحق في تشخيصهم للواقع وفي رؤيتهم الخاصة لكيفية معالجته، بيْد أن ما يلفت الانتباه في هذا السياق أن هذا المصطلح قد تعرض منذ أمد بعيد لحملة استهداف وتنكيل من قبل شريحة في المجتمع تنتمي إلى بعض التيارات السلفية أو جماعة الإسلام السياسي وفق الاصطلاح الشائع.

وبحكم البناء التربوي والتعليمي الأساسي الذي أرسى قواعده بعض معلمي تلك الشريحة فقد تبلورت في أذهاننا خلال تلك المرحلة التعليمية المبكرة من عقد التسعينيات صورة نمطية عن مفهوم العلمانية، فتصورناها شراً محضاً أو هكذا قاربْنا مفهومها يومذاك!.

 والعلمانية وإن كان التعريف الغالب عليها أنها الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، أو بين الدين والدولة، فإن هذا التعريف لا يتضمن بالضرورة الخير المطلق ولا الشر المطلق، فهو كأي وسيط إعلامي – مثلاً – ينطوي على النفع والضر، أي أنه يخضع لنوعية ونمط الفكر الموجه له، بمعنى أنه يمكن تطويع هذا المفهوم وتكييفه لطبيعة الواقع وظروفه ومتغيراته، وبما لا يتعارض مع تشريعات الإسلام. فإذا كانت علمانية الغرب قد انبثقت إلى الوجود من رحم  التسلط الكنسي المطلق، أو من تيارات الفكر المناهض للكنيسة إبان عصر النهضة (القرن ١٥)، ثم نمَت وبرزت ملامحها في أعقاب حركة الإصلاح الديني (منتصف القرن الــ ١٧)، حتى اكتمل نموها في القرن الــ ١٨ قرن الاستنارة الفكرية كما يشاع، فإنها في البلاد الإسلامية لا تستلزم الخصومة والقطيعة مع الدين بالضرورة بقدر ما تحفظ له مكانته وقدسيته وتحول دون الاستغلال (البراجماتي) السياسي له، ذلك أنه لا رهبنة ولا بطريركية أبوية في الإسلام، ولا وصاية لمن ينصب نفسه وكيلا ًحصرياً معتَمداً للدين على المجتمع .

وجوهر الدين الإسلامي كما أفهمه ببساطة وبأقل جهد لا يشكل بؤرة خلاف ولا صدام ولا تعارض مع السياسة، انطلاقاً من روشتَّة ” أنتم أعلم بشؤون دنياكم” كصيغة تبدو أقرب إلى التشريع النبوي، كما لا يعد في واقعه النظري والعملي مناقضاً للسياسة أو مخالفاً لها أو محرضاً عليها، فهو دين ودولة إن أحسنا قراءته وأجدنا إدارته وأعملنا عقولنا في محتواه النصي، لاستنباط الحلول العملية لمعضلات الواقع وأزماته المركبة، فالمشكلة في تصوري تكمن في قصور إدراك حدود العلاقة بين السياسة والدين، أو في سوء الفهم لأبعاد علاقة كلٍ منهما بالآخر، أو فضاء تلك العلاقة، فالدولة المدنية الحديثة المنشودة تتضمن في كثير من أحوالها الأخذ بالعلمانية انطلاقاً من خصوصيتنا الثقافية، ومن ثم فالعلمانية بهذه الصيغة أو المعنى لا تتقاطع مع روح الدين ولا تتعارض مع تعاليمه السمحة، ففي صدر الإسلام اشتملت دولة المدينة في يثرب على مضامين قاربت العلمانية، تقوم على صيغة توافقية بين المسلمين وسائر مكونات المجتمع المديني، فقد أقر التشريع الإسلامي حينذاك يهود يثرب على دينهم وأموالهم وأحوالهم وجعل لهم ذمة الله وعهده، قبل أن ينقضوا عهدهم ويحيكون الدسائس الخبيثة على الإسلام والمسلمين ويجلوا عن المدينة بعد العام الرابع للهجرة.

مع ما سبق أن شرطه عليهم التشريع من الاشتراك مع المسلمين في حماية الديار والمشاطرة بالمال، دفاعاً عنها وتقوية لأواصرها المجتمعية، فكانت تلك الاشتراطات (كحقوق وواجبات) من أبرز معالم التشريع الإسلامي لأهل الذمة.

كما انطوت بنود (دستور) المدينة على ما يمكن أن نتصوره مقاربة لمفهوم الأمة على حداثة نشأته من الناحية الأيديولوجية في قولها إن كافة أهل يثرب يهود وأنصار ومهاجرين وغيرهم يؤلفون أمة واحدة.

 ومظاهر العلمانية وتعبيراتها في واقعنا المعاصر أكثر من أن تحصى وأقل من أن يُنفق الكثير من الجهد والوقت في البحث عنها داخل متن النص الديني، ذلك أن مبادئ أصيلة كــ الإخاء والحرية والعدالة والمساواة والتسامح والعيش المشترك تعد قيماً أصيلة راسخة الجذور في بنية المعاملات الإسلامية. وقوام الدين كما نعلم هو المعاملة، كما أن الشورى المرادف الموضوعي للديمقراطية المعاصرة والإقرار بحق المغايرة والتباين والتنوع والتعدد داخل مكونات المجتمع الإسلامي من جهة وفي علاقتها مع الأقوام والمجتمعات غير المسلمة من جهة أخرى تعد قيماً أساسية في البنية السياسية الإسلامية، ناهيك عن لزومية الحفاظ على الخصوصيات الفكرية والعقدية لمختلف مكونات المجتمع دون مصادرة أو إلغاء أو تجريم أو تكفير، وإن كان ذلك لا يعني أن معتقد الآخر على المحجَّة البيضاء “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين “(يونس، الآية ٩٩)،” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”(فصلت، آية٤٠) . فضلاً عن اقتباس المسلمين في الحقبة العباسية (عصر المأمون) لعلوم الإغريق والرومان والفرس بعد ترجمتها ونسخها إلى العربية، ليفيد منها المسلمون في بناء حضارتهم وخلق حالة من التثاقف مع بعض الأمم المعاصرة آنذاك، ومنها الشرقية: كالهندية والصينية ثم المغولية لاحقاً، وغيرها من النماذج التي تؤسس لواقع مجتمعي سوي يخدم الإسلام، ولا يتقاطع مع حقيقة تعاليمه المدنية المتفتحة على الإيجابي من ثقافات الآخرين وحضاراتهم ونظم حياتهم السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية.

اقرأ أيضا: أحلام الخيلاء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى