الإمام الشافعي، شاعراً .. (نماذج مقطوعات وأبيات من شعره الحكمي) ٢-٣

الإمام الشافعي، شاعراً .. (نماذج مقطوعات وأبيات من شعره الحكمي) ٢-٣
- قادري أحمد حيدر
السبت 31 يناير 2026-
*- الإمام الشافعي وذاتية الشاعر
يُعدُّ الإمام الشافعي حالةً إنسانية استثنائية، تتشابك فيها الأبعاد الاجتماعية والفكرية والثقافية مع التجربة الأدبية الإبداعية. وهو بالفعل شخصية تراجيدية وملحمية، بكل ما تحمله هاتان الصفتان من دلالات موغلة في الصراع والسمو، وهو ما ينطق به سِفر حياته الحافل.
لقد جاءت “ذاتية الشاعر” الكامنة في أعماقه لتمنح أبعاده الفقهية والعلمية روحاً إنسانية خلاقة. فلو لم يستغرقه العلم الديني وشغل الفقه، لكان بلا ريب واحداً من فحول شعراء العربية؛ بل هو من قال عن نفسه بوعي المبدع: “لكنتُ أشعر من لبيد”، مشيراً بذلك إلى لبيد بن ربيعة، شاعر المعلقات الذي خلّده التاريخ.
وفي جوهره الإنساني والفكري، كان الشافعي باحثاً دؤوباً عن العدالة، مناهضاً للظلم أياً كان مصدره؛ مما جعله في تصادم مستمر مع الاستبداد، دفع ثمنه سجناً وتعذيباً شديداً، وصولاً إلى ما يغفله الكثيرون من أن تلك المعاناة كانت سبباً في نهايته المأساوية، إضافة إلى مرضه المزمن ب ” البواسير”, الذي كان يتبعه نزيف دم دائم، لم يكن قد اكتشف علاجه بعد في حين.
وحول سجنه فقد كان في فترة الخليفة هارون الرشيد،عام١٨٤ه، ووقف بين يدي الخليفة ودافع عن نفسه بقوة الحجة والمنطق، ضد الوشاية السياسية، فتم خروجه من السجن.
تميز الشافعي بكونه شخصية صادقة وشديدة الوضوح؛ صدقٌ نابعٌ من مرجعية دينية جعلت الأمانة في ذروة سنام القيم الأخلاقية. فقد تمثّل خُلق الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- “الصادق الأمين” في فكره وسلوكه، دون أن يسعى يوماً لمأرب سياسي أو يتطلع لسلطة أو إمامة دنيوية.
إن روح الشاعر محفورة بعمق في بنية تفكيره، وهذا ما تجسده مأثوراته الشعرية الحِكمية؛ حيث نجد اقتصاداً لغوياً مكثفاً وعمقاً فكرياً جعل من أبياته “أيقونات” سيّارة.
ورغم أن الفقه قد زاحم الشعر في حياته، إلا أن تلك المقطوعات الشعرية التي يضمها “ديوانه الشعري” قد خلّدت ذكره كشاعر فذّ بالفطرة والموهبة، وإن ظلّت
صورته كإمام مذهب وفقيه هي الطاغية تاريخياً.
واليوم، وبعد مرور اثني عشر قرناً أو أكثر، ما زال الإمام الشافعي لا يُقرأ بوصفه شاعراً، إلا في نطاق محدود جداً، وهي دعوة مفتوحة للنقاد والباحثين لإعادة قراءة هذا البعد الإبداعي في حياته، وتسليط الضوء على “الشافعي الشاعر” الذي لم ينل حقه الكامل من الدراسة النقدية
”كان للإمام الشافعي منزلة كبيرة في الشعر وروايته. بدأت صلته به منذ شبابه وما زال يجول فيه – حتى بعد أن انصرف إلى فقهه – وصار في مكنته أن يرحل في المعنى الذي يريده بيتاً وبيتين وأبياتاً”(1).
لقد طغت صورة إمام المذهب والفقيه، والعالم الديني الموسوعي الثقافة، والمتمكن من اللغة العربية، على صورة الشاعر، خاصة وأن الإمام الشافعي لم يعرف عنه كتابة القصيدة الشعرية وتفرغه لها، ومجموع شعره الذي تم جمعه -لاحقاً- من بطون الكتب والمراجع التاريخية المختلفة، هي مقطوعات وأبيات شعرية قصيرة. وحول ظاهرة الأبيات الشعرية أو المقطوعات الشعرية القصيرة يرى البعض أن “من الظواهر البارزة في شعر العصر العباسي الأول شيوع المقطعات فيه، وغلبة القصائد القصيرة عليه (…) كما أن المقطعات تشيع في أغراض دون أخرى، كشعر الحكمة والزهد، والشعر التربوي الأخلاقي، وكذا الغزل والهجاء (…) وأغلب شعر الإمام الشافعي جاء في شكل مقطوعات بنسبة 93%، إذ لا نجد له من مجموع شعره إلا ست قصائد أطولها في عشرين بيتاً، والتي تليها في ثلاثة عشر بيتاً، ثم اثني عشر، ثم أحد عشر بيتاً، وقصيدتان من ثمانية أبيات، وواحدة سباعية؛ أما بقية شعره فمقطوعات سداسية، وثمانٍ خماسية، وسبع عشرة مقطوعة رباعية، وإحدى وعشرون مقطوعة ثلاثية، وثلاثة عشر بيتاً يتيماً”(2).
هكذا يلخص أحد النقاد المهتمين بالشافعي الشاعر، شعره المتناثر والموزع على المقطوعات والأبيات الشعرية المختلفة، التي لو لم تكن شعراً أصيلاً وجميلاً لما اهتم الكتاب ونقاد الشعر القدماء بجمعه وتدوينه، كونها أشعاراً تعكس صورة وروحية الشاعر الذي اختطفه الفقه الديني من ساحة الشعر.
رؤية الشافعي للغربة نثراً:
“لا سرور يعدل صحبة الإخوان ولا غم يعدل فراقهم، الغريب من فقد إلفه لا من فقد منزله”(3).
يقول شعراً خلاصته حكمة:
دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ … وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ
وَلا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي … فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ
وَكُنْ رَجُلاً عَلَى الأَهْوَالِ جَلْداً … وَشِيمَتُكَ السَّمَاحَةُ وَالوَفَاءُ
وَإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ فِي البَرَايَا … وَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا غِطَاءُ
تَسَتَّرْ بِالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبٍ … يُغَطِّيهِ -كَمَا قِيلَ- السَّخَاءُ
وَلا تُرِ لِلأَعَادِي قَطُّ ذُلًّا … فَإِنَّ شَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ بَلاءُ (4)
الشافعي والبخيل والسماحة:
وَلا تَرْجُ السَّمَاحَةَ مِنْ بَخِيلٍ … فَمَا فِي النَّارِ لِلظَّمْآنِ مَاءُ
وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرُورٌ … وَلا بُؤْسٌ عَلَيْكَ وَلا رَخَاءُ
إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوعٍ … فَأَنْتَ وَمَالِكُ الدُّنْيَا سَوَاءُ
دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرُ كُلَّ حِينٍ … فَمَا يُغْنِي عَنِ المَوْتِ الدَّوَاءُ (5)
وفي حب النساء قال:
أَكْثَرَ النَّاسُ فِي النِّسَاءِ وَقَالُوا … إِنَّ حُبَّ النِّسَاءِ جَهْدُ البَلاءِ
لَيْسَ حُبُّ النِّسَاءِ جَهْداً وَلَكِنْ … قُرْبُ مَنْ لا تُحِبُّ جَهْدُ البَلاءِ (6)
خالف هواك لتقرب من الصح أو من الحق:
إِذَا حَارَ أَمْرُكَ فِي مَعْنَيَيْنِ … وَلَمْ تَدْرِ حَيْثُ الخَطَأُ وَالصَّوَابُ
فَخَالِفْ هَوَاكَ فَإِنَّ الهَوَى … يَقُودُ النُّفُوسَ إِلَى مَا يُعَابُ (7)
حول القناعة والكرامة (يقول شعر حكمة):
تَمُوتُ الأُسْدُ فِي الغَابَاتِ جُوعاً … وَلَحْمُ الضَّأْنِ تَأْكُلُهُ الكِلابُ (8)
الحلم سيد الأخلاق:
إِذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلا تُجِبْهُ … فَخَيْرٌ مِنْ إِجَابَتِهِ السُّكُوتُ
فَإِنْ كَلَّمْتَهُ فَرَّجْتَ عَنْهُ … وَإِنْ خَلَّيْتَهُ كَمَداً يَمُوتُ (9)
دع الأوطان واغترب:
سَافِرْ تَجِدْ عِوَضاً عَمَّنْ تُفَارِقُهُ … وَانْصَبْ فَإِنَّ لَذِيذَ العَيْشِ فِي النَّصَبِ
الابتعاد عن العداوة:
إِنَّمَا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ … أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ
إِنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ … لأَدْفَعَ الشَّرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَّاتِ (10)
كرمه العظيم بالمال:
يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى مَالٍ أُفَرِّقُهُ … عَلَى المُقِلِّينَ مِنْ أَهْلِ المُرُوءَاتِ
إِنَّ اعْتِذَارِي إِلَى مَنْ جَاءَ يَسْأَلُنِي … مَا لَيْسَ عِنْدِي لَمِنْ إِحْدَى المُصِيبَاتِ (11)
ما أقرب الفرج:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الفَتَى … ذَرْعاً وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا المَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا … فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لا تُفْرَجُ (12)
الصمت حكمة:
أَمَا تَرَى الأُسْدَ تُخْشَى وَهِيَ صَامِتَةٌ … وَالكَلْبُ يُخْسَى لَعَمْرِي وَهُوَ نَبَّاحُ (13)
السفر وفوائده:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِي طَلَبِ العُلَى … وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ … وَعِلْمٌ وَآدَابٌ وَصُحْبَةُ مَاجِدِ (14)
الاعتماد على النفس:
مَا حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِكَ … فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيعَ أَمْرِكَ
وَإِذَا قَصَدْتَ لِحَاجَةٍ … فَاقْصِدْ لِمُعْتَرِفٍ بِقَدْرِكَ (15)
عن الصديق والعدو يقول:
وَلَيْسَ كَثِيراً أَلْفُ خِلٍّ لِوَاحِدٍ … وَإِنَّ عَدُوّاً وَاحِداً لَكَثِيرُ (16)
حول الصداقة والأصدقاء يقول:
إِذَا المَرْءُ لا يَرْعَاكَ إِلَّا تَكَلُّفاً … فَدَعْهُ وَلا تُكْثِرْ عَلَيْهِ التَّأَسُّفَا
فَفِي النَّاسِ أَبْدَالٌ وَفِي التَّرْكِ رَاحَةٌ … وَفِي القَلْبِ صَبْرٌ لِلْحَبِيبِ وَلَوْ جَفَا
فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قَلْبُهُ … وَلا كُلُّ مَنْ صَافَيْتَهُ لَكَ قَدْ صَفَا
إِذَا لَمْ يَكُنْ صَفْوُ الوِدَادِ طَبِيعَةً … فَلا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَجِيءُ تَكَلُّفَا
وَلا خَيْرَ فِي خِلٍّ يَخُونُ خَلِيلَهُ … وَيَلْقَاهُ مِنْ بَعْدِ المَوَدَّةِ بِالجَفَا
وَيُنْكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ … وَيُظْهِرُ سِرّاً كَانَ بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا … صَدِيقٌ صَدُوقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا (17)
طلب المعالي:
بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي … وَمَنْ طَلَبَ العُلَى سَهِرَ اللَّيَالِي
وَمَنْ رَامَ العُلَى مِنْ غَيْرِ كَدٍّ … أَضَاعَ العُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ (18)
ومن أقواله الشعرية في الغزل الذي يتجنب أو يتحاشى الكثيرون الإشارة إليه أو تقديمه كشعر له في ديوانه المجموع من المراجع التاريخية المختلفة، بخلفية أيديولوجية دينية حول الحلال والحرام، حيث الغزل في المرأة يدخل في باب الحرام أو غير المقبول ذكره، وفي أحسن الأحوال، هناك غزل حلال (أي عفيف)، وغزل حرام وفقاً لمقاييسهم ومعاييرهم الذاتية والأيديولوجية للحلال والحرام.
فهو يقول شعراً شوقاً ورغبة في الوصال أو اللقاء بزوجته:
كَيْفَ الوُصُولُ إِلَى سُعَادَ وَدُونَهَا … قُلَلُ الجِبَالِ وَدُونَهُنَّ حُتُوفُ
وَالرِّجْلُ حَافِيَةٌ وَلا لِي مَرْكَبٌ … وَالكَفُّ صِفْرٌ وَالطَّرِيقُ مَخُوفُ (19)
يروى –مثلاً– أن شاباً حديث عهد بزواج استفتاه في رقعة عن ضم الزوجة وتقبيلها قائلاً:
سَلِ المُفْتِيَ المَكِيَّ هَلْ فِي تَزَاوُرٍ … وَضَمَّةِ مُشْتَاقِ الفُؤَادِ جُنَاحُ؟
فأفتاه الشافعي بالجواز، مجيباً جواب المفتي الأديب:
مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَذْهَبَ التُّقَى … تَلاصُقُ أَكْبَادٍ بِهِنَّ جِرَاحُ
وفي السياق نفسه حول الغزل والعشق للمرأة، من نصيحته لرجل ابتُلي بالعشق فسأل أبا عبد الله ماذا يصنع قائلاً:
سَلِ المُفْتِيَ المَكِيَّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … إِذَا اشْتَدَّ وَجْدٌ بِامْرِئٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
فكتب الشافعي في الرقعة مجيباً:
يُدَاوِي هَوَاهُ ثُمَّ يَكْتُمُ وَجْدَهُ … وَيَصْبِرُ فِي كُلِّ الأُمُورِ وَيَخْضَعُ
فأخذها صاحبها وذهب بها، ثم جاءه وقد كتب تحت هذا البيت:
وَكَيْفَ يُدَاوِي وَالهَوَى قَاتِلُ الفَتَى … وَفِي كُلِّ يَوْمٍ غُصَّةٌ يَتَجَرَّعُ؟
فكتب الشافعي:
فَإِنْ هُوَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَهُ … فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ سِوَى المَوْتِ أَنْفَعُ (20).
وكأنه يقول للفتى ماذا أستطيع أن أعمل لك أنا مع هذا الوجد والعشق.
العلم يزيدني علماً بجهلي:
كُلَّمَا أَدَّبَنِي الدَّهْرُ … أَرَانِي نَقْصَ عَقْلِي
وَإِذَا مَا ازْدَدْتُ عِلْماً … زَادَنِي عِلْماً بِجَهْلِي (21)
احفظ لسانك وفكر بعقلك:
احْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ … لا يَلْدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعْبَانُ
كَمْ فِي المَقَابِرِ مِنْ قَتِيلِ لِسَانِهِ … كَانَتْ تَهَابُ لِقَاءَهُ الأَقْرَانُ (22)
العتب فينا وليس في الزمان:
نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالعَيْبُ فِينَا … وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا
وَنَهْجُو ذَا الزَّمَانَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ … وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ لَنَا هَجَانَا
وَلَيْسَ الذِّئْبُ يَأْكُلُ لَحْمَ ذِئْبٍ … وَيأْكُلُ بَعْضُنَا بَعْضاً عَيَانَا (23)
حشو الكلام:
لا خَيْرَ فِي حَشْوِ الكَلامِ … إِذَا اهْتَدَيْتَ إِلَى عُيُونِهْ
وَالصَّمْتُ أَجْمَلُ بِالفَتَى … مِنْ مَنْطِقٍ فِي غَيْرِ حِينِهْ
وَعَلَى الفَتَى لِطِبَاعِهِ … سِمَةٌ تَلُوحُ عَلَى جَبِينِهْ (24)
”كان شاعراً صح عنه الشعر الجيد فذلك قول المبرد إنه من أشعر الناس”(25).
الشافعي وسفره إلى مصر وتنبؤه بالغنى والموت معاً:
قال التالي:
لَقَدْ أَصْبَحَتْ نَفْسِي تَتُوقُ إِلَى مِصْرِ … وَمِنْ دُونِهَا قَطْعُ المَهَامِهِ وَالقَفْرِ
فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَلِلْفَوْزِ وَالغِنَى … أُسَاقُ إِلَيْهَا أَمْ أُسَاقُ إِلَى القَبْرِ (26).
ونال الفوز بنشر علمه وآرائه، وفقهه، ثم نال الموت، فكان سوقاً إلى قبره بمصر، فقد مات في آخر ليلة من رجب سنة 204 هـ وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عاماً (26 مكرر).
الشافعي وقوله شعراً في كتمان السر:
إِذَا المَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بِلِسَانِهِ … وَلامَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ … فَصَدْرُ الَّذِي يَسْتَوْدِعُ السِّرَّ أَضْيَقُ (27)
الشافعي ووجوب توقير الرجال:
وَمَنْ هَابَ الرِّجَالَ تَهَيَّبُوهُ … وَمَنْ حَقَّرَ الرِّجَالَ فَلَنْ يُهَابَا
وَمَنْ قَضَتِ الرِّجَالُ لَهُ حُقُوقاً … وَمَنْ يَعْصِ الرِّجَالَ فَمَا أَصَابَا (28)
يقول شعراً حول فضل الصمت:
قَالُوا سَكَتَّ وَقَدْ خُوصِمْتَ قُلْتُ لَهُمْ … إِنَّ الجَوَابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفْتَاحُ
وَالصَّمْتُ عَنْ جَاهِلٍ أَوْ أَحْمَقٍ شَرَفٌ … وَفِيهِ أَيْضاً لِصَوْنِ العِرْضِ إِصْلاحُ
أَمَا تَرَى الأُسْدَ تُخْشَى وَهِيَ صَامِتَةٌ … وَالكَلْبُ يُخْسَى لَعَمْرِي وَهُوَ نَبَّاحُ (29)
الشافعي، والجود والكرم:
إِذَا لَمْ تَجُودُوا وَالأُمُورُ بِكُمْ تَمْضِي … وَقَدْ مَلَكَتْ أَيْدِيكُمُ البَسْطَ وَالفَيْضَا
فَمَاذَا يُرَجَّى مِنْكُمْ إِنْ عُزِلْتُمُ … وَعَضَّتْكُمُ الدُّنْيَا بِأَنْيَابِهَا عَضَّا
وَتَسْتَرْجِعُ الأَيَّامُ مَا وَهَبَتْكُمُ … وَمِنْ عَادَةِ الأَيَّامِ تَسْتَرْجِعُ القَرْضَا (30)
شح النفس:
وَأَنْطَقَتِ الدَّرَاهِمُ بَعْدَ صَمْتٍ … أُنَاساً بَعْدَ مَا كَانُوا سُكُوتاً
فَمَا عَطَفُوا عَلَى أَحَدٍ بِفَضْلٍ … وَلا عَرَفُوا لِمَكْرُمَةٍ ثُبُوتاً (31)
يوم لك ويوم عليك:
يقول الشافعي شعراً في ذلك:
الدَّهْرُ يَوْمَانِ ذَا أَمْنٌ وَذَا خَطَرٌ … وَالعَيْشُ عَيْشَانِ ذَا صَفْوٌ وَذَا كَدَرُ
أَمَا تَرَى البَحْرَ تَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفٌ … وَتَسْتَقِرُّ بِأَقْصَى قَاعِهِ الدُّرَرُ
وَفِي السَّمَاءِ نُجُومٌ لا عِدَادَ لَهَا … وَلَيْسَ يُكْسَفُ إِلَّا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ (32)
الرضاء أو عين الرضا:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ … وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
وَلَسْتُ بِهَيَّابٍ لِمَنْ لا يَهَابُنِي … وَلَسْتُ أَرَى لِلْمَرْءِ مَا لا يَرَى لِيَا
فَإِنْ تَدْنُ مِنِّي تَدْنُ مِنْكَ مَوَدَّتِي … وَإِنْ تَنْأَ عَنِّي تَلْقَنِي عَنْكَ نَائِيَا (33)
الشافعي والتماس العذر شعراً:
لَقَدْ أَطَاعَكَ مَنْ يُرْضِيكَ ظَاهِرُهُ … وَقَدْ أَجَلَّكَ مَنْ يَعْصِيكَ مُسْتَتِراً (34)
من الورع اشتغالك بعيوبك، حول ذلك يكتب الشافعي:
المَرْءُ إِنْ كَانَ عَاقِلاً وَرِعاً … أَشْغَلَهُ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ وَرَعُهْ
كَمَا العَلِيلُ السَّقِيمُ أَشْغَلَهُ … عَنْ وَجَعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَجَعُهْ (35)
مراقبة الله:
من راقب الله رجع، ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع (36).
عفوا تعف نساؤكم:
لَوْ كُنْتَ حُرّاً مِنْ سُلالَةِ مَاجِدٍ … مَا كُنْتَ هَتَّاكاً لِحُرْمَةِ مُسْلِمِ
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ بِهِ وَلَوْ بِجِدَارِهِ … إِنْ كُنْتَ يَا هَذَا لَبِيباً فَافْهَمِ (37)
الشافعي ينشد شعراً في محبة الصديق:
“قال الربيع: سمعت الشافعي ينشد شعراً وقد عاد محمد بن عبد الحكم المصري التالي:
مَرِضَ الحَبِيبُ فَعدْتُهُ … فَمَرِضْتُ مِنْ حَذَرِي عَلَيْهِ
وَأَتَى الحَبِيبُ يَعُودُنِي … فَبَرِئْتُ مِنْ نَظَرِي إِلَيْهِ (38)
الشافعي والحنين إلى صنعاء أو رغبة الارتحال إلى صنعاء:
قُلْ لِلْمُخَلَّفِ عَنَّا بِمَكَّةَ مِنْ صَحْبِنَا … لا بُدَّ مِنْ صَنْعَاءَ وَإِنْ طَالَ السَّفَرُ (39)
الشافعي والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية (يقول شعراً حول ذلك):
فِي الرَّأْيِ تَصْطَرِعُ العُقُولُ … وَلَيْسَ تَضْطَغِنُ القُلُوبُ (40)
رأي الشافعي في الإمام أبي حنيفة شعراً:
لَقَدْ زَانَ البِلادَ وَمَنْ عَلَيْهَا … إِمَامُ المُسْلِمِينَ أَبُو حَنِيفَةْ
بِأَحْكَامٍ وَآثَارٍ وَفِقْهٍ … كَآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى الصَّحِيفَةْ
فَمَا بِالمَشْرِقَيْنِ لَهُ نَظِيرٌ … وَلا بِالمَغْرِبَيْنِ وَلا بِكُوفَةْ
فَرَحْمَةُ رَبِّنَا أَبَداً عَلَيْهِ … مَدَى الأَيَّامِ مَا قُرِئَتْ صَحِيفَةْ (41)
من محبته للشعر أياً كان مصدره:
قال المزني: مررنا مع الشافعي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية على دار قوم وجارية تغنيهم:
خَلِيلَيَّ مَا بَالُ المَطَايَا كَأَنَّنَا … نَرَاهَا عَلَى الأَعْقَابِ بِالقَوْمِ تَنْكُصُ (42)
فقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع. فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم: أيطربك هذا؟ قال: لا. قال: فما بالك؟!
كأنه يقول له: فما بالك مريض الحس، جامد العاطفة، أو فما بالك تمنع عن نفسك وروحك غذاءهما المباح الذي لا ضرر منه على مثلك أو مثلي” (والكلام للإمام الشافعي). هي روح الشاعر في داخله تحركه لقول مثل ذلك القول محبة بالشعر.
حول الطغاة الذين لا يتعظون من حكم التاريخ:
تَحَكَّمُوا فَاسْتَطَالُوا فِي تَحَكُّمِهِمْ … عَمَّا قَلِيلٍ كَأَنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنِ
لَوْ أَنْصَفُوا أُنْصِفُوا لَكِنْ بَغَوْا … فَبَغَى عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ بِالأَحْزَانِ وَالمِحَنِ
فَأَصْبَحُوا وَلِسَانُ الحَالِ يُنْشِدُهُمْ … هَذَا بِذَاكَ وَلا عَتْبَ عَلَى الزَّمَنِ (43).
ملاحظة من الحلقة الأولى:
يجب التنويه إلى أن ذكر مصعب الزبيري، في الحلقة الأولى الذي تمت الإشارة إليه، لاصلة له بالصحابي، مصعب بن الزبير بن العوام، اللقب الزبير، غير الزبيري، ناهيك عن الاختلاف في الفترة الزمنية لوجود كل منهما، الشافعي ولد، عام،١٥٠هجرية، وتوفي في عام،٢٠٤هجرية، والآخر بعده بفترة زمنية طويلة جداً.لذلك لزم ووجب التنويه، للخلط الذي قد يحدث عند البعض بينهما.
الهوامش:
1- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): مقدمة وتحقيق، د. عبد المنعم خفاجي، ص23.
2- د. تشيش عمر: (الإمام الشافعي شاعراً)، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، المجلد (13) العدد (1)، 15/3/ 2021م.
3- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص45.
4- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص46.
5- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص47.
6- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص48.
7- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص49.
8- (من مقدمة الديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص50.
9- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص52.
10- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص56.
11- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص58.
12- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص64.
13- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص65.
14- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص74.
15- ديوان الشافعي: نفس المرجع، ص51.
16- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص77.
17- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص83.
18- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص96.
19- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص108.
20- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص108.
21- د. تشيش عمر: نفس المرجع، تاريخ 15/3/ 2021م.
22- د. تشيش عمر: نفس المرجع، تاريخ 15/3/ 2021م.
23- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص108.
24- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص117.
25- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص125.
26- (الإمام الشافعي ناصر السنة.. وواضع الأصول): نفس المرجع 1982م، ص60.
26- مكرر، نفس المرجع، ص60.
27- محمد أبو زهرة: “الشافعي حياته وعصره – آراؤه وفقهه”، دار الفكر العربي، ط 1978م، ص29.
28- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص11.
29- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص13.
30- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص15.
31- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص20.
32- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص24.
33- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص29-30.
34- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص34.
35- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص35.
36- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص36.
37- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص40.
38- (ديوان الشافعي): نفس المرجع، ص70.
39- محمد أبو زهرة: نفس المرجع، ص164.
40- ديوان الشافعي: نفس المرجع، ص125.
41- إبراهيم بن علي الوزير: (الإمام الشافعي داعية ثورة ومؤسس علم، وإمام مذهب)، منشورات الكتاب – واشنطن، ص200.
42- (ديوان، سيرة الإمام الشافعي وشاعريته): نفس المرجع، ص102.
43- إبراهيم بن علي الوزير: نفس المرجع، ص208.
اقرأ أيضا: الإمام الشافعي شاعراً (١ – ٣)


