كتابات فكرية

القيم.. وعقلنة القوة

  القيم.. وعقلنة القوة

  • امين الجبر

الأربعاء 29 يوليو 2026-

“والله لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب.”

لعمري، إنها من أبلغ العبارات السياسية والأخلاقية التي رويت عن أحد دهاة العرب وحكمائهم، وأقوى تصريح يصدر عن قائد عسكري في سياق سياسي بالغ التعقيد. فهي ليست مجرد عبارة عابرة، وإنما بيان أخلاقي يحدد طبيعة القيم التي غرسها الإسلام في النفس الإنسانية، ويكشف المستوى الأخلاقي الذي ارتقى إليه صاحبها.

لقد اختزلت هذه الكلمات مفهوم القيم بكل معانيه، وجسدت الأخلاق في أسمى صورها. فالقيم هي التي تضبط غرائز الإنسان، وتكبح جماح القوة حين تغري صاحبها بالتجبر، والأخلاق هي التي تؤنسن الإنسان، وتحول بينه وبين الانحدار إلى الانتقام والجريمة.

إن اللافت في هذه العبارة أن قائلها استحضر الإسلام وهو في ذروة القوة والانتصار، لا في لحظة ضعف أو هزيمة. ففي مثل تلك المواقف تتجلى حقيقة المبادئ؛ إذ يكون الإنسان أقدر على البطش، وأقرب إلى الانتقام، ومع ذلك وقف الإسلام حاجزاً بينه وبين نزعات النفس، فأخضع القوة للأخلاق، وربط القدرة بالمسؤولية.

ومن هنا تتجاوز هذه العبارة حدود السياسة إلى فضاء الحضارة؛ فهي تؤكد أن رسالة الإسلام لم تكن بناء القوة فحسب، وإنما تهذيبها، ولم تكن تمكين الإنسان من الغلبة وحدها، بل تعليمه كيف يمارسها في إطار من العدل والرحمة والانضباط.

إن الإنسان إذا تجرد من القيم والأخلاق، أطلق العنان لغرائزه، وتحولت القوة في يده إلى وسيلة للبطش والإفساد. أما حين يسترشد بالمبادئ، فإن القوة تصبح أداة للعدل، والنصر مناسبة للعفو، والقدرة امتحاناً للأخلاق.

سلامٌ على كل مسلم جعل من قيم الإسلام منهجاً لسلوكه، ومن أخلاقه ميزاناً لأقواله وأفعاله، فكان قوياً في الحق، رحيماً في القدرة، وعادلاً في الخصومة.

اقرأ أيضا:قراءة في مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ: (بين دولة حكم الفرد وبين دولة حكم القانون)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى